هل يجوز للمصرف احتساب فوائد على فوائد متراكمة؟ ومتى يؤدي إغفال الدفاع الجوهري إلى نقض الحكم؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
مقدمة
في منازعات التمويل والمطالبات المصرفية، لا تتوقف المسألة القانونية عند تحديد قيمة المديونية المستحقة، بل تمتد إلى كيفية احتسابها، ومدى مشروعية الفوائد المطالب بها، ومدى التزام الأطراف بالإجراءات القانونية التي تسبق المطالبة القضائية.
شوفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكمها في الطعنين رقمي 406 و409 لسنة 2026 تجاري، بجلسة 8 سبتمبر 2026، مؤكدة أهمية بحث الدفوع الجوهرية المتعلقة بالإخطار في التأجير التمويلي وطريقة احتساب الفوائد، وأن إغفال هذه الدفوع قد يؤدي إلى نقض الحكم للقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
أولًا: وقائع الدعوى
تتلخص وقائع الدعوى في أن أحد المصارف أقام دعوى ضد مدعى عليهما، طالبًا إلزامهما بالتضامن بأداء مبلغ قدره 4,868,680.21 درهم، مع الفائدة القانونية، فضلًا عن الأجرة المتغيرة المستحقة ومبالغ أخرى مرتبطة بالتأخر في السداد.
وكانت العلاقة بين المصرف والمدعى عليه الأول قائمة بموجب عقد إجارة أصل إجارة منتهية بالتمليك، أُبرم بتاريخ 23 أكتوبر 2017، بشأن حصة قدرها 56.82% من أحد العقارات، لمدة عشر سنوات، وبإجمالي أجرة ثابتة قدرها سبعة ملايين درهم، إضافة إلى أجرة متغيرة وفق الآلية المحددة في العقد.
وبسبب إخلال المستأجر بالتزاماته المتعلقة بسداد الأقساط، طالب المصرف بكامل المديونية، كما اختصم المدعى عليه الثاني باعتباره ضامنًا للوفاء بالالتزامات المستحقة.
وقضت محكمة أول درجة بإلزام المدعى عليهما بالتضامن بمبلغ 4,414,734.61 درهم، مع الرسوم والمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات.
ثم أيدت محكمة الاستئناف الحكم، فطعن المحكوم عليهما عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا.
ثانيًا: الإجراءات القضائية والدفوع أمام المحكمة الاتحادية العليا
تمسك الطاعنان بأن الحكم المطعون فيه خالف القانون وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، وأبديا دفاعين جوهريين.
الدفع الأول: عدم الإخطار وفقًا لقانون التأجير التمويلي
دفع الطاعنان بعدم قبول الدعوى لعدم قيام المصرف بإخطارهما وفقًا للمادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2023 في شأن التأجير التمويلي، مع تمسكهما بعدم الاتفاق على الإعفاء من الإخطار.
الدفع الثاني: احتساب فوائد مركبة بالمخالفة للقانون
اعترض الطاعنان على طريقة احتساب المديونية الواردة في تقرير الخبرة، وذهبا إلى أن توجيه المدفوعات إلى سداد الفوائد أولًا، بدلًا من تخفيض أصل الدين، أدى إلى تضخم المديونية وانطوى على احتساب فوائد مركبة محظورة قانونًا.
ورأيا أن هذا الدفاع كان يستوجب من محكمة الاستئناف بحثه والرد عليه بأسباب واضحة، لا الاكتفاء بتأييد الحكم الابتدائي.
ثالثًا: الإخطار في التأجير التمويلي
تناولت المحكمة حكم المادة 21 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2023 في شأن التأجير التمويلي، وقررت أن الطرف المتضرر، ما لم يتفق المؤجر والمستأجر على خلاف ذلك، يلتزم بإخطار الطرف الذي وقع منه الإخلال، مع إشعاره بإمكانية تصحيح الإخلال.
وتبرز أهمية هذا النص في أن الإخطار لا يُعامل باعتباره إجراءً يمكن تجاهله دون بحث، بل يتعين التحقق من مدى الالتزام به ومن وجود اتفاق على الإعفاء منه، بحسب الأحوال.
وفي الدعوى محل الحكم، كان الطاعنان قد تمسكا بعدم إخطارهما، وكان يتعين على محكمة الموضوع أن تبحث هذا الدفع وتحدد أثره القانوني في ضوء العقد والنص التشريعي المنطبق.
والدرس العملي هنا: في منازعات التأجير التمويلي، ينبغي فحص شرط الإخطار في العقد، والتحقق من حصول الإخطار ومضمونه، ومنح الطرف المخل فرصة التصحيح وفقًا لما يقتضيه القانون، قبل بناء المطالبة على الإخلال التعاقدي.
رابعًا: حظر الفوائد المركبة في المديونيات المصرفية
أكدت المحكمة القاعدة القانونية الواردة في الفقرة الرابعة من المادة 121 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 23 لسنة 2022، بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 14 لسنة 2018 في شأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة المالية، والتي تحظر على المنشآت المالية المرخصة تقاضي فائدة على متجمد الفوائد فيما يتعلق بالتسهيلات المقدمة للعملاء.
كما استندت المحكمة إلى المادة 88 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 50 لسنة 2022 بشأن إصدار قانون المعاملات التجارية، التي تحظر مطالبة الدائن بفائدة مركبة، أي فائدة على متجمد الفوائد، أو المطالبة بها باعتبارها تعويضًا تكميليًا.
ومؤدى ذلك أن مشروعية المديونية لا تُقاس بمجرد ورود المبلغ في كشف حساب أو تقرير خبرة، بل يجب أن تكون طريقة احتسابه متفقة مع الأحكام القانونية المنظمة للفوائد.
خامسًا: كيف أثارت طريقة احتساب المديونية إشكالية قانونية؟
أظهر تقرير الخبرة، وفقًا لما أورده الحكم، البيانات التالية حتى 14 أكتوبر 2025:
-
إجمالي المسحوبات لتسهيل الإجارة: 7,000,000 درهم.
-
إجمالي العنصر المتغير المستحق: 2,643,374.94 درهم.
-
إجمالي غرامات التأخير في سداد الأقساط: 356,814.31 درهم.
-
إجمالي التسهيل مضافًا إليه العنصر المتغير: 10,000,189.25 درهم.
-
المبالغ المسددة: 5,016,129.82 درهم.
-
الرصيد المترصد وفق التقرير: 4,984,059.43 درهم.
وتمثل جوهر اعتراض الطاعنين في أن طريقة احتساب المديونية وتوجيه المدفوعات إلى سداد الفوائد أولًا قد تؤدي إلى تضخم رصيد الدين بدلًا من تناقصه، بما يثير شبهة احتساب فوائد على فوائد متراكمة.
ولم تفصل المحكمة الاتحادية العليا في هذا الطعن بتحديد رصيد نهائي بديل للمديونية، وإنما قررت أن الاعتراض على طريقة الحساب دفاع جوهري كان يجب على محكمة الموضوع بحثه والتحقق منه.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: حظر الفوائد المركبة بوصفه قاعدة قانونية، والتحقق المحاسبي من أن طريقة الاحتساب المستخدمة في ملف معين قد أدت فعلًا إلى احتسابها. فالأمر الثاني يحتاج إلى فحص عناصر المديونية والمدفوعات وآلية احتساب الفوائد في ضوء العقد والقانون.
سادسًا: الأثر الناقل للاستئناف وعدم اشتراط إعادة تكرار الدفوع
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن الاستئناف ينقل الدعوى إلى محكمة الاستئناف بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحكم المستأنف، بما يشمل الأدلة والدفوع وأوجه الدفاع التي سبق طرحها أمام محكمة أول درجة.
وبالتالي، فإن الدفوع التي سبق إبداؤها أمام محكمة الدرجة الأولى تُعد مطروحة أمام محكمة الاستئناف بقوة القانون، دون حاجة إلى إعادة ترديدها، ما لم يثبت التنازل عنها.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية عملية في إعداد مذكرات الاستئناف؛ إذ يتعين التحقق من الدفوع السابقة وما إذا كانت لا تزال قائمة في النزاع، وعدم إغفالها عند الفصل فيه.
سابعًا: متى يكون إغفال الدفاع الجوهري سببًا لنقض الحكم؟
قررت المحكمة أن الدفاع الجوهري هو الدفاع الذي قد يؤدي، إذا صح، إلى تغيير وجه الرأي في الدعوى، وأن المحكمة ملزمة ببحثه والرد عليه بأسباب خاصة.
وفي القضية محل البحث، كان دفاع الطاعنين متعلقًا بمسألتين يمكن أن تؤثرا في النتيجة النهائية: مدى الالتزام بالإخطار في التأجير التمويلي، ومدى صحة طريقة احتساب المديونية والفوائد.
ولما أغفل الحكم المطعون فيه بحث هذا الدفاع على النحو اللازم، رأت المحكمة أن الحكم شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، بما أدى إلى الخطأ في تطبيق القانون.
ومن ثم قضت بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
كما قررت أن نقض الحكم نقضًا كليًا في الطعن رقم 406 لسنة 2026 تجاري يستتبع نقض الحكم في الطعن رقم 409 لسنة 2026 تجاري، لارتباط المركز القانوني للطاعنين.
ثامنًا: النتيجة القانونية للحكم
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه وإحالته، بسبب إغفال بحث الدفوع الجوهرية المتعلقة بالإخطار وطريقة احتساب الفوائد.
ويُستفاد من الحكم أن الفصل في المنازعات المصرفية لا يقتصر على اعتماد النتيجة التي انتهى إليها تقرير الخبرة، بل يستلزم فحص الاعتراضات الجوهرية على أسس الحساب، متى كان من شأنها التأثير في قيمة المديونية المستحقة.
كما يؤكد الحكم أن محكمة الاستئناف ملزمة ببحث الدفوع التي سبق طرحها أمام محكمة أول درجة، وأن إغفال الدفاع الذي قد يغير وجه الحكم يعيب التسبيب ويعرض الحكم للنقض.
الخلاصة
يرسخ الحكم الصادر في الطعنين رقمي 406 و409 لسنة 2026 تجاري ثلاث قواعد مهمة:
أولًا، وجوب مراعاة متطلبات الإخطار في التأجير التمويلي، ما لم يوجد اتفاق على الإعفاء منه وفقًا للقانون.
ثانيًا، حظر تقاضي الفوائد المركبة على متجمد الفوائد وفقًا للنصوص التشريعية التي استند إليها الحكم.
ثالثًا، التزام المحكمة ببحث الدفاع الجوهري والرد عليه بأسباب سائغة، وإلا شاب حكمها القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعنان رقما 406 و409 لسنة 2026 تجاري، جلسة 8 سبتمبر 2026.
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments