هل يجوز للمدين استئناف قرار قاضي التنفيذ إذا كان الخلاف يدور حول مقدار الدين المتبقي والمبالغ المسددة؟ وهل تعد هذه المسألة من إجراءات التنفيذ البحتة التي لا تقبل الاستئناف؟
أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسألة في حكمها الصادر في الطعنين رقمي 258 و263 لسنة 2025 تجاري، مؤكدةً أن القرار المتعلق بتحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في التنفيذ من عدمه يدخل ضمن
الحالات التي أجاز القانون استئنافها.
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية.
أولاً: بيانات الحكم
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا.
رقم الطعن: 258 و263 لسنة 2025 تجاري.
تاريخ الجلسة: 7 مايو 2025.
موضوع النزاع: مدى جواز استئناف قرار قاضي التنفيذ بشأن تحديد المديونية المنفذ بها والمبالغ المسددة والمتبقية.
النص القانوني محل التطبيق: المادة 209، البند 2، الفقرة (هـ)، من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية.
ثانياً: وقائع القضية
تعود وقائع النزاع إلى ملف تنفيذ رقم 2050 لسنة 2019، كان البنك فيه طالب التنفيذ، بينما كان الطاعن هو المنفذ ضده.
وفي إطار تحديد المديونية المتبقية، ندب قاضي التنفيذ خبيراً محاسبياً لحساب المبالغ التي سددها المدين، سواء من خلال الخصم من حسابه الجاري أو عن طريق الإيداع المباشر في خزينة المحكمة.
وانتهى تقرير الخبرة إلى أن المبلغ المتبقي في ذمة المدين بلغ 3,437,102.64 درهم.
إلا أن المدين اعترض على التقرير، مدعياً وجود أخطاء قانونية ومحاسبية أثرت في نتيجته، وطلب مناقشة الخبير بشأن اعتراضاته، إلى جانب طلب وقف إجراءات التنفيذ لحين الفصل فيها.
ثالثاً: الإجراءات القضائية
بتاريخ 22 ديسمبر 2024، تقدم المدين بطلب إلى قاضي التنفيذ للاعتراض على تقرير الخبرة وطلب وقف التنفيذ.
رفض قاضي التنفيذ طلب وقف التنفيذ، واعتمد نتيجة الخبرة المتعلقة بالمبلغ المتبقي، مع إرشاد المدين إلى إقامة منازعة موضوعية إن أراد.
استأنف المدين القرار أمام محكمة الاستئناف في الاستئناف رقم 2154 لسنة 2024 تجاري، فقضت المحكمة بتاريخ 13 فبراير 2025 بعدم جواز الاستئناف.
وعلى إثر ذلك، طعن المدين على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكاً بخطأ محكمة الاستئناف في تطبيق وتفسير المادة 209 من قانون الإجراءات المدنية، لعدم إعمال الاستثناء الذي يجيز استئناف القرارات المتعلقة بتحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في التنفيذ من عدمه.
رابعاً: الإشكالية القانونية
تتمثل المسألة القانونية في تحديد ما إذا كان قرار قاضي التنفيذ بشأن تحديد مقدار الدين المتبقي بعد احتساب المبالغ المسددة يعد من القرارات التنفيذية البحتة التي لا يجوز استئنافها، أم أنه يدخل ضمن القرارات التي أجاز المشرع استئنافها صراحةً.
كما يثور التساؤل بشأن مدى جواز الطعن بالنقض في حكم محكمة الاستئناف الذي يقضي بعدم جواز الاستئناف.
خامساً: النص القانوني محل التطبيق
تنص المادة 209، البند 2، الفقرة (هـ)، من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية على جواز استئناف قرار قاضي التنفيذ الصادر بشأن:
«تحديد المبلغ المنفذ به، والاستمرار في تنفيذه من عدمه».
ويعني ذلك أن المشرع لم يجعل جميع قرارات قاضي التنفيذ بمنأى عن الاستئناف، بل حدد حالات يجوز فيها الطعن على القرار مباشرة أمام محكمة الاستئناف المختصة.
الاطلاع على النص الرسمي للمادة 209 – منصة تشريعات الإمارات
سادساً: أسباب حكم المحكمة الاتحادية العليا
أوضحت المحكمة أن الأحكام الاستئنافية التي تفصل في النزاع المتعلق بإجراءات التنفيذ، سواء بشأن منعه أو وقفه أو استمراره أو بطلانه، تخضع للقاعدة الواردة في المادة 175 من قانون الإجراءات المدنية بشأن عدم جواز الطعن فيها بالنقض.
لكن المحكمة ميزت بين هذه الأحكام وبين الأحكام التي تصدرها محكمة الاستئناف بشأن شكل الاستئناف أو مدى جوازه؛ إذ يجوز الطعن بالنقض في النوع الأخير.
وفيما يتعلق بقرار قاضي التنفيذ محل النزاع، قررت المحكمة أن المشرع استثنى من عدم جواز استئناف القرارات التنفيذية البحتة القرارات المتعلقة بتحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في التنفيذ من عدمه.
ولما كان طلب المدين قد انصب على تحديد الدين المنفذ به، وبيان مقدار ما سدده وما تبقى في ذمته، بهدف إبراء ذمته وإغلاق ملف التنفيذ، فإن القرار الصادر في هذه المسألة يدخل ضمن الحالات التي يجوز استئنافها.
وإذ قضت محكمة الاستئناف بعدم جواز الاستئناف، فقد أخطأت في تطبيق القانون، وحالت دون نظر موضوع الاستئناف، الأمر الذي استوجب نقض حكمها.
سابعاً: منطوق الحكم
قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة الاستئناف لنظر الموضوع.
ومن المهم التأكيد أن المحكمة الاتحادية العليا لم تحسم صحة الحسابات الواردة في تقرير الخبرة، ولم تقرر أن المبلغ المتبقي غير مستحق، وإنما فصلت في مسألة إجرائية تتعلق بجواز الاستئناف، وأعادت القضية إلى محكمة الاستئناف للنظر في موضوعه.
ثامناً: المبدأ القانوني المستفاد
يجوز استئناف قرار قاضي التنفيذ متى كان متعلقاً بتحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في تنفيذه من عدمه، وفقاً للمادة 209/2/هـ من قانون الإجراءات المدنية.
كما يجوز الطعن بالنقض في حكم محكمة الاستئناف الذي يقضي بعدم جواز الاستئناف، باعتباره حكماً يتعلق بمدى جواز الطعن وليس فصلاً في موضوع النزاع التنفيذي.
تاسعاً: التحليل والتعليق القانوني
تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده ضرورة التمييز بين طبيعة القرار الصادر عن قاضي التنفيذ وبين الوصف العام الذي قد يطلق عليه باعتباره قراراً تنفيذياً.
فليس كل قرار يصدر أثناء التنفيذ قابلاً للاستئناف، كما أن عدم جواز استئناف القرارات المتعلقة بإجراءات التنفيذ البحتة لا يعني استبعاد جميع القرارات الصادرة في ملفات التنفيذ من الرقابة الاستئنافية.
والعبرة في الحالة محل الحكم هي بمضمون القرار وأثره، وبمدى دخوله ضمن الحالات التي حددها المشرع على سبيل الاستثناء.
وعليه، فإن القرار الذي يفصل في تحديد المبلغ المنفذ به، أو يحدد الرصيد المتبقي الذي سيستمر التنفيذ على أساسه، يستلزم بحث مدى انطباق المادة 209/2/هـ عليه، بدلاً من الاكتفاء باعتباره قراراً تنفيذياً غير قابل للاستئناف.
كذلك يوضح الحكم أن الاعتراض على تقرير الخبرة لا يؤدي بذاته إلى وقف التنفيذ، ولا يعني أن المحكمة العليا قد تبنت اعتراضات المدين الموضوعية؛ إذ اقتصر قضاؤها على تقرير جواز الاستئناف وإعادة القضية لنظر موضوعه.
عاشراً: الأثر العملي للحكم
بالنسبة للمدين، يتيح الحكم التمسك بحق الاستئناف متى كان القرار محل النزاع متعلقاً بتحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في التنفيذ من عدمه، مع ضرورة بيان طبيعة القرار وأوجه الاعتراض عليه.
وبالنسبة للدائن، يبرز الحكم أهمية أن تكون الحسابات المقدمة في ملف التنفيذ واضحة، وأن تكون المبالغ المسددة والرصيد المتبقي قابلة للتحقق والمراجعة.
أما عند إعداد صحيفة الاستئناف، فمن المهم تحديد القرار المطعون عليه وبيان سبب دخوله ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 209/2/هـ، مع الالتزام بميعاد الاستئناف والإجراءات المقررة قانوناً.
ولا يعني هذا المبدأ أن كل اعتراض على تقرير خبير أو كل طلب لوقف التنفيذ يقبل الاستئناف؛ بل يتوقف الأمر على مضمون القرار الصادر ومدى انطباق النص القانوني عليه.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن تحديد المبلغ المنفذ به والاستمرار في التنفيذ من عدمه من المسائل التي أجاز المشرع استئناف القرار الصادر بشأنها.
ويبرز الحكم أهمية التكييف القانوني الصحيح لقرارات قاضي التنفيذ، لما لذلك من أثر مباشر في تحديد طريق الطعن المتاح للخصوم وضمان عدم حرمانهم من وسيلة الطعن التي قررها القانون.
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
نادية خالد للمحاماة والاستشارات القانونية.
المرجع القضائي والتشريعي
الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا في الطعنين رقمي 258 و263 لسنة 2025 تجاري، جلسة 7 مايو 2025.
المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، المادة 209/2/هـ.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments