المسؤولية الطبية عن وفاة المريض: متى يجوز للمحكمة رفض طلب ندب لجنة خبرة؟ – الطعن رقم 778 لسنة 2025 إداري
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية
مقدمة
تثير قضايا المسؤولية الطبية إشكاليات قانونية دقيقة، لا سيما عند تعدد التقارير الطبية واختلاف الآراء الفنية بشأن وجود الخطأ الطبي وعلاقته بالضرر. فهل تلتزم المحكمة بندب لجنة خبرة جديدة كلما طلب أحد الخصوم ذلك؟ وهل يكفي تقديم تقرير طبي استشاري مخالف لإهدار ما انتهت إليه لجان المسؤولية الطبية؟
أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسائل في حكمها الصادر في الطعن رقم 778 لسنة 2025 إداري، بجلسة 24 سبتمبر 2025، مؤكدةً سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة والتقارير الطبية، وحدود الطعن على تقارير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية.
أولًا: وقائع القضية
تتلخص وقائع القضية في وفاة مريض بعد تدهور حالته الصحية، وما أعقب ذلك من بحث مدى مسؤولية الأطباء والمنشأة الصحية عن الرعاية الطبية المقدمة إليه.
وقد خلصت لجنة المسؤولية الطبية المحلية بدائرة الصحة في أبوظبي إلى وجود أخطاء في الرعاية الصحية، تمثلت، وفق ما ورد في التقرير، في عدم إدخال المريض إلى وحدة العناية المركزة رغم حالته الحرجة، وعدم التعامل مع تدهور حالته وتصعيد مستوى الرعاية الصحية في الوقت المناسب، بما أدى إلى تدهور حالته وانتهائها بالوفاة.
كما بحثت اللجنة العليا للمسؤولية الطبية مسؤولية الطبيبة الطاعنة، وانتهت إلى أن الرعاية المقدمة لم تتفق مع المعايير الطبية المتعارف عليها، ومن ذلك عدم التقييم الصحيح لحالة المريض باعتبارها حالة فشل متعدد الأعضاء، وعدم توفير العلاج والدعم المناسب في الوقت المناسب، بما في ذلك الدعم التنفسي اللازم.
وخلص تقرير اللجنة العليا إلى وجود إهمال شديد وعدم تبصر في اتخاذ الإجراءات الطبية المتعارف عليها، ونسب إلى الطبيبة نسبة 80% من الخطأ الطبي، معتبرًا أن خطأها كان سببًا مباشرًا وفعالًا في وفاة المريض.
ثانيًا: الإجراءات القضائية
بعد صدور تقارير لجان المسؤولية الطبية، عُرض النزاع على القضاء، وانتهى الحكم المستأنف، الذي أُيّد بالحكم المطعون فيه، إلى ثبوت مسؤولية الطبيبة استنادًا إلى تقرير اللجنة الطبية العليا، إلى جانب تقرير اللجنة الطبية المحلية.
ولم تقبل الطبيبة النتيجة التي انتهى إليها الحكم، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بمخالفة القانون والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، كما قدمت تقريرين طبيين استشاريين يؤيدان وجهة نظرها في عدم مسؤوليتها، وطلبت ندب لجنة خبرة جديدة لبحث المسائل الطبية محل النزاع.
وبذلك انحصر جوهر النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا في مدى سلامة استخلاص المسؤولية الطبية من التقارير المقدمة، ومدى وجوب الاستجابة لطلب ندب لجنة خبرة جديدة، وأثر التقارير الاستشارية المخالفة لتقارير لجان المسؤولية الطبية.
ثالثًا: المسألة القانونية محل البحث
تمحور النزاع حول عدة مسائل قانونية رئيسية:
-
ما معيار ثبوت الخطأ الطبي الموجب للمسؤولية؟
-
ما حدود رقابة القضاء على تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية؟
-
هل تلتزم المحكمة بندب خبير أو لجنة خبرة جديدة عند طلب أحد الخصوم؟
-
هل يؤدي تقديم تقارير طبية استشارية مخالفة إلى إلزام المحكمة باستبعاد تقرير اللجنة الطبية العليا؟
رابعًا: ما قضت به المحكمة الاتحادية العليا
رفضت المحكمة ما أثارته الطبيبة من أوجه النعي، وانتهت إلى عدم قبول الطعن في غرفة المشورة.
واستندت في ذلك إلى أن تقرير اللجنة الطبية العليا بيّن الوقائع التي استخلص منها الخطأ الطبي، وكيفية تكييفها، ونسبة المسؤولية إلى الطبيبة، وأن استخلاصه جاء سائغًا وفق المعايير الطبية المعمول بها في الدولة.
كما رأت المحكمة أن المستندات المقدمة كانت كافية للفصل في الدعوى، وأن خطأ الطبيبة، وفق ما انتهت إليه التقارير التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع، كان السبب الطبي المنتج والفعال مباشرة في وفاة المريض.
وأكدت المحكمة أن طلب ندب خبير يخضع لتقدير محكمة الموضوع؛ فإذا وجدت أن الأدلة القائمة كافية للفصل في النزاع، جاز لها رفض الطلب دون أن يشكل ذلك، في ذاته، إخلالًا بحق الدفاع.
كذلك قررت أن للمحكمة أن تأخذ بأحد التقارير الطبية وتطرح غيره متى اطمأنت إلى التقرير الذي اعتمدته، ولا سيما إذا كان تقرير اللجنة الطبية العليا مسببًا ومتفقًا مع أحكام القانون والمعايير الطبية المعمول بها.
خامسًا: المبادئ القانونية المستفادة من الحكم
1. التزام الطبيب ببذل العناية اللازمة
قررت المحكمة أن الأصل في التزام الطبيب أنه التزام ببذل العناية اللازمة وفق الأصول العلمية الثابتة وما تقتضيه أصول المهنة، وليس التزامًا بتحقيق نتيجة تتمثل في شفاء المريض أو نجاح العملية الطبية.
ولا يعني ذلك إعفاء الطبيب من المسؤولية، إذ تقوم مسؤوليته متى ثبت ارتكابه خطأً طبيًا مستوفيًا لشروط المسؤولية، وثبتت علاقة السببية بين الخطأ والضرر.
2. الخطأ الطبي الجسيم
استعرض الحكم مفهوم الخطأ الطبي وفق المادة 6 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 4 لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية، ومن صوره عدم الإلمام بالأمور الفنية المفترض توافرها في الطبيب، وعدم اتباع الأصول المهنية والطبية المتعارف عليها، وعدم بذل العناية اللازمة، والإهمال وعدم اتباع الحيطة والحذر.
كما أشار إلى المادة 5 من اللائحة التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 40 لسنة 2019، بشأن حالات الخطأ الطبي الجسيم، ومنها الحالات التي تتوافر فيها معايير الجسامة، كالإهمال الشديد أو عدم التبصر الواضح في اتخاذ الإجراءات الطبية المتعارف عليها.
3. وجوب الاستناد إلى وقائع جدية للطعن على تقرير اللجنة العليا
أكدت المحكمة أن الطعن على تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية يجب أن يستند إلى وقائع جدية تثبت عدم دقة التقرير أو إخلاله بالضمانات الواجب توافرها للتحقق من مسؤولية الأطباء.
وعليه، فإن مجرد الاختلاف مع النتيجة التي انتهت إليها اللجنة، أو تقديم رأي طبي استشاري مخالف، لا يكفي وحده لإهدار التقرير؛ بل يتعين تحديد أوجه الخلل التي تنال من سلامته.
4. سلطة المحكمة في تقدير التقارير الطبية
أوضحت المحكمة أن تقارير الخبرة والتقارير الطبية تعد من عناصر الإثبات التي تخضع لتقدير محكمة الموضوع.
ولذلك، يجوز للمحكمة أن تطمئن إلى تقرير دون آخر، وأن ترفض طلب ندب خبير جديد متى وجدت في الأوراق ما يكفي لتكوين عقيدتها والفصل في النزاع.
5. رقابة القضاء على ركن السبب في القرار الإداري
أكد الحكم أن رقابة القضاء الإداري على ركن السبب في القرار الإداري تتمثل في التحقق من أن النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصًا سائغًا من أصول مادية وقانونية موجودة وتؤدي إلى تلك النتيجة.
فإذا كانت الوقائع غير ثابتة، أو كانت لا تؤدي ماديًا أو قانونيًا إلى النتيجة التي انتهى إليها القرار، فقد القرار ركن السبب ووقع مخالفًا للقانون.
سادسًا: الأثر العملي للحكم في دعاوى المسؤولية الطبية
تظهر أهمية الحكم في توضيح الطريقة التي ينبغي أن يُبنى عليها الدفاع في المنازعات المتعلقة بالمسؤولية الطبية.
فلا يكفي الاكتفاء بالاعتراض العام على تقرير اللجنة الطبية أو تقديم تقرير استشاري مخالف، بل ينبغي تحديد أوجه الاعتراض بصورة دقيقة، وبيان الوقائع التي لم تُبحث، أو أوجه القصور في الأساس الفني أو القانوني للتقرير، أو الخلل في بيان الخطأ والضرر وعلاقة السببية، متى كان لذلك سند في أوراق الدعوى.
كما يوضح الحكم أن طلب ندب لجنة خبرة جديدة ليس حقًا مطلقًا يترتب على مجرد تقديمه إلزام المحكمة بالاستجابة إليه؛ إذ يبقى تقدير الحاجة إلى الخبرة من المسائل التي تستقل بها محكمة الموضوع، في حدود سلطتها القانونية وتسبيبها السائغ.
وفي المقابل، لا يعني ذلك تحصين تقارير اللجان الطبية من الرقابة القضائية، بل تظل سلامة الأساس الواقعي والقانوني للتقرير ومدى التزامه بالضمانات المقررة مسائل قابلة للبحث القضائي وفقًا للقانون.
الخاتمة
يمثل الحكم الصادر في الطعن رقم 778 لسنة 2025 إداري تطبيقًا مهمًا لمبادئ المسؤولية الطبية، وسلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة، وحدود الرقابة القضائية على تقارير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية.
وقد انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى عدم قبول الطعن، بعد أن رأت أن التقارير الطبية التي استند إليها الحكم جاءت مسببّة، وأن الأدلة كانت كافية لإثبات المسؤولية الطبية وعلاقة السببية، وأن طلب ندب لجنة خبرة جديدة لا يوجب الاستجابة إليه متى لم تكن هناك حاجة إليه للفصل في الدعوى.
المبدأ المستفاد: لا يكفي مجرد تقديم تقرير طبي استشاري مخالف لإهدار تقرير اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، كما لا تلتزم المحكمة بندب لجنة خبرة جديدة إذا وجدت أن الأدلة القائمة كافية للفصل في النزاع، مع بقاء التقرير خاضعًا للرقابة القضائية في حدود القانون.
بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 778 لسنة 2025 إداري، جلسة 24 سبتمبر 2025.
هذه الدراسة تحليل للحكم المشار إليه، وتُقرأ في حدود الوقائع والمبادئ الواردة فيه، دون أن تغني عن الرجوع إلى النصوص التشريعية الرسمية والنسخة الكاملة للحكم عند الاستناد إليه في دعوى أو مذكرة قضائية.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments