هل يكفي تنازل المجني عليه أمام كاتب العدل لإنهاء الدعوى الجزائية في جريمة النصب؟ ومتى يكون الحكم بانقضاء الدعوى مخالفاً للقانون؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
وقائع القضية
تتلخص وقائع القضية في إحالة النيابة العامة متهمين إلى المحاكمة الجزائية، على خلفية اتهامهما بالاستيلاء على مال مملوك للشاكي باستخدام وسيلة احتيالية، تمثلت في إيهامه بسداد قيمة طلبية بموجب إيصال غير صحيح، مما حمله على تسليم المال.
وأسندت النيابة العامة إليهما جريمة النصب، وفقاً للمادة 451/1 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات.
الإجراءات القضائية وأحكام المحاكم
أولاً: حكم محكمة أول درجة
قضت المحكمة الابتدائية الاتحادية بحبس أحد المتهمين حضورياً لمدة سنة، والمتهم الآخر غيابياً لمدة سنة، مع إلزام كل منهما بالرسوم القضائية.
ثانياً: حكم محكمة الاستئناف
طعن أحد المحكوم عليهما على الحكم، فقضت محكمة الاستئناف بانقضاء الدعوى الجزائية بسبب تنازل الشاكي عن شكواه أمام كاتب العدل، مع إلزام المستأنف بالرسوم القضائية.
ثالثاً: المعارضة في الحكم الغيابي
تقدم المتهم الآخر بمعارضة في الحكم الغيابي. وقضت المحكمة بقبول المعارضة شكلاً لتقديمها في الميعاد، وفي الموضوع بتأييد الإدانة والعقوبة.
ثم طعن هذا المتهم على الحكم أمام محكمة استئناف عجمان الاتحادية، ولم يكن قد صدر حكم في استئنافه عند تقرير النيابة العامة بالطعن بالنقض.
رابعاً: طعن النيابة العامة
طعنت النيابة العامة أمام المحكمة الاتحادية العليا، طالبة نقض الحكم الذي قضى بانقضاء الدعوى الجزائية بالتنازل، تأسيساً على أن جريمة النصب محل الاتهام ليست من الجرائم التي يجيز القانون انقضاء الدعوى الجزائية فيها بالصلح أو التنازل.
أسباب حكم المحكمة الاتحادية العليا
بحثت المحكمة مدى صحة استناد محكمة الاستئناف إلى تنازل الشاكي، في ضوء المادة 349 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات الجزائية.
وتنظم هذه المادة نطاق الجرائم التي تسري عليها أحكام الصلح الجزائي، محددة الجرائم التي يجوز أن يترتب على الصلح أو التنازل فيها انقضاء الدعوى الجزائية، إلى جانب الجرائم الأخرى التي ينص القانون على هذا الأثر بشأنها.
ورأت المحكمة أن جريمة النصب المعاقب عليها بالمادة 451/1 من قانون الجرائم والعقوبات لا تدخل ضمن الجرائم المحددة في المادة 349، ولا يوجد في النصوص التي طبقتها الحكم ما يجيز انقضاء الدعوى الجزائية عنها بالتنازل.
وبناءً عليه، قررت أن تنازل المجني عليه لا يكفي لإنهاء الدعوى الجزائية في هذه الجريمة، وأن حكم الاستئناف أخطأ في تطبيق القانون عندما قضى بانقضائها لهذا السبب.
المبدأ القانوني الذي قررته المحكمة
قررت المحكمة أن حالات انقضاء الدعوى الجزائية بالصلح أو التنازل محددة قانوناً، ولا يجوز التوسع فيها لتشمل جرائم لم يقرر المشرع جواز الصلح أو التنازل بشأنها.
كما أكدت أن لكل متهم مركزاً إجرائياً مستقلاً، وأن شروط قبول الطعن بالنقض يجب أن تتوافر بالنسبة إلى كل متهم على حدة.
منطوق الحكم
قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم والإحالة بالنسبة إلى المتهم الذي توافرت شروط الطعن بالنقض في حقه، وذلك لخطأ الحكم المطعون فيه في تطبيق القانون بشأن أثر التنازل في جريمة النصب.
أما بالنسبة إلى المتهم الآخر، الذي لم يكن قد صدر حكم في استئنافه عند تقرير الطعن بالنقض، فلم تقبل المحكمة الطعن بالنسبة إليه في تلك المرحلة، لعدم توافر شروط قبوله.
الفائدة القانونية
تتمثل الأهمية العملية لهذا الحكم في ضرورة التمييز بين مجرد تنازل المجني عليه وبين الأثر القانوني الذي يمكن أن يترتب عليه.
فليس كل تنازل يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية، ولا يكفي توثيقه أمام كاتب العدل لإحداث هذا الأثر ما لم يكن القانون يجيزه بالنسبة إلى الجريمة محل الاتهام.
كما يوضح الحكم أهمية فحص المركز الإجرائي لكل متهم عند إعداد الطعن بالنقض، وعدم افتراض أن قبول الطعن بالنسبة إلى أحد المتهمين يستلزم قبوله بالنسبة إلى الآخرين.
الخلاصة: التنازل لا يُنهي الدعوى الجزائية في جميع الجرائم؛ فالعبرة بالنص القانوني الذي يحدد الحالات التي يجوز فيها الصلح أو التنازل، وبمدى استيفاء شروط الطعن والإجراءات القانونية.
المصدر: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 549 لسنة 2026 جزائي، جلسة 16 سبتمبر 2026، وفقاً للحكم محل الدراسة.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments