يجمعها سبب واحد.. المحكمة الاتحادية العليا تنقض الحكم لخطأ تقدير الطلبات في الطعنين 141 و146 لسنة 2025 إداري

Published on October 19, 2026 at 7:57 AM

هل يجوز اعتبار كل طلب في الدعوى الإدارية مستقلاً رغم نشأتها عن علاقة عمل واحدة؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

أولاً: مقدمة الدراسة والإشكالية القانونية

يثور التساؤل حول مدى جواز تجزئة الطلبات القضائية المتعددة عند تقدير قيمة الدعوى، إذا كانت هذه الطلبات تستند إلى علاقة قانونية واحدة، وما إذا كان تعدد المطالبات المتعلقة بالحقوق الوظيفية والقرارات الإدارية الصادرة في إطار علاقة العمل يقتضي اعتبار كل طلب منها مستقلاً عن الآخر.

وتتصل بهذه المسألة إشكالية أخرى تتعلق بحدود التزام المحكمة بتسبيب أحكامها، ومدى كفاية الأسباب العامة التي لا تواجه دفاع الخصوم الجوهري، ولا تكشف عن تمحيص الأدلة والمستندات المؤثرة في النزاع.

وقد تناولت المحكمة الاتحادية العليا هاتين المسألتين في حكمها الصادر بجلسة 9 أبريل 2025 في الطعنين رقمي 141 و146 لسنة 2025 إداري، مؤكدةً أهمية تحديد السبب القانوني الذي تستند إليه الطلبات، ووجوب أن يتضمن الحكم أسباباً سائغة تكشف عن إحاطة المحكمة بحقيقة النزاع والرد على دفاع الخصوم الجوهري.

ثانياً: وقائع الدعوى

تتحصل وقائع النزاع، وفقاً لما أورده الحكم، في أن المدعي كان يعمل لدى الجهة المدعى عليها بموجب عقد توظيف مؤرخ في 3 يناير 2021، ثم نشأت خلافات بين الطرفين بشأن عدد من المسائل المرتبطة بمركزه الوظيفي وحقوقه الوظيفية.

وذكر المدعي أنه تعرض لقرارات وإجراءات إدارية متعلقة بنقله الوظيفي، وتقييم أدائه السنوي، والجزاءات الموقعة عليه، والبدلات المستحقة له، فضلاً عن مسائل أخرى تتصل بظروف أداء عمله ومهامه الوظيفية.

وبناءً على ذلك، أقام دعواه طالباً، ضمن جملة من الطلبات، إلغاء قرار نقله الصادر بتاريخ 5 أبريل 2024، وصرف بدل الإيفاد عن مدة محددة، وصرف مقابل ساعات العمل الإضافية، وإعادة مسماه الوظيفي السابق، وإلغاء بعض الجزاءات والقرارات المتعلقة بتقييم الأداء والعلاوات الفنية، مع ما يترتب على ذلك من آثار.

كما طلب احتياطياً ندب خبير في الموارد البشرية للاطلاع على ملفه الوظيفي وبحث طلباته.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوقائع تمثل ما أورده المدعي في دعواه، ولا تعني بذاتها ثبوت جميع ادعاءاته أو استحقاقه لكل طلب من طلباته.

ثالثاً: الإجراءات القضائية

1. أمام محكمة أول درجة

نظرت المحكمة الدعوى رقم 258 لسنة 2024، وصدر حكمها بجلسة 22 أكتوبر 2024 بإلزام الجهة المدعى عليها بأداء مبلغ 25,000 درهم للمدعي مقابل بدل الإيفاد عن الفترة من 23 مارس 2024 حتى 4 أبريل 2024، وإلغاء قرار مجازاته بخصم يوم من راتبه وإيقاف العلاوة الفنية لمدة شهرين، مع ما يترتب على ذلك من آثار.

كما قضت برفض ما عدا ذلك من طلبات، ووزعت المصروفات بين الطرفين على النحو المبين في الحكم.

2. أمام محكمة الاستئناف

لم يلقَ الحكم قبولاً لدى الطرفين، فطعنا عليه بالاستئنافين رقمي 141 و146 لسنة 2024، وفقاً لما أورده الحكم محل الدراسة.

وقضت محكمة الاستئناف بإلغاء حكم أول درجة، والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لجماعيتها، مع إلزام المستأنف بالمصروفات ومبلغ ألف درهم مقابل أتعاب المحاماة.

3. أمام المحكمة الاتحادية العليا

طعن الطرفان على الحكم الاستئنافي أمام المحكمة الاتحادية العليا بالطعنَين رقمي 141 و146 لسنة 2025 إداري.

وانصب جوهر النعي في الطعن رقم 141 لسنة 2025 على الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال، تأسيساً على أن الطلبات المتعددة التي تضمنتها الدعوى تستند إلى سبب قانوني واحد يتمثل في علاقة العمل التي ينظمها قانون الموارد البشرية، ومن ثم لا يصح اعتبار كل طلب منها مستقلاً عند تقدير قيمة الدعوى دون بحث الرابط القانوني الذي يجمعها.

أما الطعن رقم 146 لسنة 2025، فقد ارتبط مركزه القانوني بالطعن الآخر، بما استدعى بحث أثر نقض الحكم في أحد الطعنين على الحكم محل الطعن المنضم.

رابعاً: الإشكالية القانونية محل البحث

تتمثل الإشكالية الرئيسية في تحديد الضابط القانوني لتقدير قيمة الدعوى عندما تتعدد الطلبات الأصلية الناشئة عن سبب قانوني واحد، ومدى مشروعية اعتبار كل طلب مستقلاً عن غيره لمجرد اختلاف موضوعه المباشر.

كما تطرح القضية مسألة مدى كفاية التسبيب القضائي، وما إذا كان يجوز للمحكمة الاكتفاء بعبارات عامة دون معالجة الدفاع الجوهري المتعلق بوحدة السبب القانوني للطلبات وأثره في تقدير قيمة الدعوى.

وتتفرع عن ذلك مسألة إجرائية أخرى، هي أثر نقض الحكم نقضاً كلياً بالنسبة إلى أحد الطاعنين عندما يكون المركز القانوني للطاعن الآخر مرتبطاً به في طعن منضم.

خامساً: الأساس القانوني للحكم

1. المادة 51/9 من قانون الإجراءات المدنية

استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى الفقرة التاسعة من المادة 51 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، والتي تقرر أن الدعوى إذا تضمنت طلبات ناشئة عن سبب قانوني واحد، كان تقدير قيمتها باعتبار مجموع هذه الطلبات، أما إذا كانت ناشئة عن أسباب قانونية مختلفة، فيكون تقدير قيمة كل منها على حدة.

واستخلصت المحكمة من هذا النص أن العبرة ليست بمجرد تعدد الطلبات أو اختلاف صورها، وإنما بطبيعة السبب القانوني الذي تستند إليه.

وحددت المحكمة المقصود بسبب الدعوى بأنه الواقعة أو الوقائع التي يستمد منها المدعي الحق في الطلب.

وبذلك يصبح تحديد السبب القانوني للطلبات خطوة أساسية تسبق تقرير ما إذا كان يتعين جمع قيمتها أو تقدير كل طلب على حدة.

2. الالتزام بتسبيب الأحكام والرد على الدفاع الجوهري

قررت المحكمة أن الحكم القضائي يجب أن يتضمن ما يطمئن المطلع عليه إلى أن المحكمة قد محصت الأدلة والمستندات المؤثرة في الدعوى، وأحاطت بحقيقة الواقع فيها، وردت على أوجه الدفاع الجوهري التي طرحها الخصوم.

ولا يتحقق هذا الالتزام بمجرد سرد الطلبات أو إيراد عبارات عامة، بل يتعين أن تكون أسباب الحكم مرتبطة بما انتهت إليه المحكمة، وأن تصلح لحمل النتيجة التي قضت بها.

فإذا أغفلت المحكمة دفاعاً جوهرياً دون استجلاء وجه الحق فيه، أو استندت إلى أسباب عامة لا تواجه ذلك الدفاع ولا تبرر النتيجة التي انتهت إليها، كان حكمها مشوباً بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

سادساً: التحليل القانوني للحكم

1. وحدة السبب القانوني وأثرها في تقدير قيمة الدعوى

يتمثل المحور الأساسي للحكم في التمييز بين تعدد الطلبات وتعدد الأسباب القانونية التي تقوم عليها.

فقد تتعدد طلبات المدعي من حيث موضوعها؛ فيطلب إلغاء قرار إداري، وصرف بدل مالي، وإلغاء جزاء وظيفي، وتصحيح تقييم سنوي. غير أن هذا التعدد لا يحسم، بمفرده، مسألة استقلال كل طلب عن الآخر لأغراض تقدير قيمة الدعوى.

فإذا كانت الطلبات الأصلية ناشئة عن سبب قانوني واحد، وجب تطبيق قاعدة جمع قيمتها وفقاً للنص القانوني المشار إليه. أما إذا كانت تستند إلى أسباب قانونية مختلفة، فيكون تقدير كل منها على حدة.

وفي القضية محل الدراسة، رأت المحكمة أن الطلبات المطروحة ناشئة عن رابطة عمل واحدة ينظمها قانون الموارد البشرية، وأن ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من اعتبار كل طلب مستقلاً وقائماً بذاته لا يصلح رداً على طلبات المدعي.

ويكشف ذلك عن أهمية التمييز بين وحدة السبب القانوني للطلبات وبين مجرد وحدة أطراف الخصومة أو وجود علاقة عامة تجمعهم؛ فالمعيار الذي قرره الحكم هو السبب القانوني الذي يستمد منه المدعي الحق في الطلب، وليس مجرد وجود صلة شكلية بين المطالبات.

2. القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال

لم تقف رقابة المحكمة عند مسألة تقدير قيمة الدعوى، بل امتدت إلى سلامة الأساس الذي أقام عليه الحكم المطعون فيه قضاءه بعدم قبول الدعوى لجماعيتها.

فقد اعتبرت المحكمة أن التعامل مع كل طلب باعتباره مستقلاً، دون مواجهة دفاع الطاعن بشأن السبب القانوني الجامع للطلبات، لا يشكل رداً صالحاً على هذا الدفاع.

وتظهر أهمية هذا المبدأ في أن التسبيب ليس إجراءً شكلياً يكتمل بمجرد كتابة أسباب الحكم، وإنما هو ضمانة تكشف عن سلامة الاستدلال الذي قاد المحكمة إلى النتيجة القضائية.

ويتحقق القصور عندما لا تكشف الأسباب عن معالجة المسألة الجوهرية التي يتوقف عليها الفصل في النزاع، بينما يتمثل الفساد في الاستدلال، في نطاق ما قررته المحكمة في هذه القضية، في بناء النتيجة على استدلال لا يصلح لحملها في ضوء حقيقة الرابط القانوني بين الطلبات.

ومن ثم، فإن المحكمة لم تكتفِ بملاحظة قصور الصياغة، بل قررت أن هذا القصور جرّ الحكم إلى الخطأ في تطبيق القانون، بما يوجب نقضه والإحالة.

3. حدود المبدأ القضائي

لا يعني الحكم أن كل الطلبات التي يتقدم بها الموظف في مواجهة جهة عمله يجب أن تعامل دائماً بوصفها طلبات ناشئة عن سبب قانوني واحد.

فالمعيار الذي قررته المحكمة يتطلب فحص مصدر الحق في كل طلب والوقائع التي يستند إليها، ثم تحديد ما إذا كانت الطلبات ناشئة عن سبب قانوني واحد أو عن أسباب قانونية مختلفة.

وعليه، فإن الاستناد إلى هذا الحكم في دعوى أخرى يستلزم التحقق من طبيعة العلاقة القانونية، ومصدر الحقوق المطالب بها، ومدى اتصال الطلبات بالسبب القانوني ذاته.

كما أن الحكم لا يقرر استحقاق المدعي تلقائياً لجميع البدلات أو إلغاء جميع القرارات الإدارية التي طعن عليها؛ فقد كان قضاء المحكمة الاتحادية العليا منصباً على سلامة الحكم المطعون فيه من حيث تطبيق قواعد تقدير قيمة الدعوى والتسبيب، وانتهى إلى النقض والإحالة دون بحث باقي أوجه النعي.

سابعاً: أثر الحكم في الطعن المنضم

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن نقض الحكم نقضاً كلياً بالنسبة إلى أحد الطاعنين يستتبع نقضه بالنسبة إلى الطاعن الآخر في الطعن المنضم، متى كان المركز القانوني لكل منهما مرتبطاً بالآخر.

ويترتب على ذلك عودة الخصومة والخصوم إلى مراكزهم السابقة على صدور الحكم المنقوض، وفقاً لما قررته المحكمة.

ويستند هذا الأثر إلى ارتباط المركزين القانونيين في النزاع، بحيث لا يستقيم إبقاء الحكم قائماً بالنسبة إلى الطعن المنضم مع نقضه كلياً بالنسبة إلى الطعن الآخر المرتبط به.

وبذلك يوضح الحكم أن أثر النقض لا يقتصر بالضرورة على الطاعن الذي قبلت المحكمة أسباب طعنه، وإنما قد يمتد إلى طعن منضم متى تحقق الارتباط القانوني الذي يبرر هذا الامتداد.

ثامناً: المبادئ القانونية المستخلصة

يمكن استخلاص المبادئ الآتية من الحكم:

أولاً: إذا تضمنت الدعوى طلبات أصلية ناشئة عن سبب قانوني واحد، فإن تقدير قيمتها يكون باعتبار مجموع الطلبات، وفقاً للمادة 51/9 من قانون الإجراءات المدنية.

ثانياً: المقصود بسبب الدعوى هو الواقعة أو الوقائع التي يستمد منها المدعي الحق في الطلب.

ثالثاً: يجب أن يتضمن الحكم أسباباً تكشف عن تمحيص الأدلة والمستندات المؤثرة، والإحاطة بحقيقة الواقع، والرد على أوجه الدفاع الجوهري.

رابعاً: اعتبار كل طلب مستقلاً دون معالجة السبب القانوني الجامع للطلبات قد يشوب الحكم بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون.

خامساً: نقض الحكم نقضاً كلياً بالنسبة إلى أحد الطاعنين قد يستتبع نقضه بالنسبة إلى طاعن آخر في طعن منضم، متى ارتبط المركز القانوني لكل منهما بالآخر.

تاسعاً: الأهمية العملية للحكم

تتجلى الأهمية العملية لهذا الحكم في ضرورة بناء الدفوع المتعلقة بتقدير قيمة الدعوى على تحليل واضح لمصدر كل طلب، بدلاً من الاكتفاء بسرد الطلبات أو وصفها بأنها مترابطة.

ففي المنازعات الوظيفية والإدارية، ينبغي بيان العلاقة بين المطالبات المالية والطلبات المتعلقة بالقرارات الوظيفية، مع توضيح الأساس القانوني والوقائع التي تستند إليها كل مطالبة، حتى تتمكن المحكمة من تحديد ما إذا كانت الطلبات ناشئة عن سبب قانوني واحد أم عن أسباب مختلفة.

كذلك يقتضي الحكم من الخصوم تحديد أوجه الدفاع الجوهرية وصياغتها بوضوح، وبيان أثرها في النتيجة التي انتهى إليها الحكم، بما يتيح للمحكمة مواجهتها بأسباب سائغة.

ومن الناحية العملية، لا يكفي عند الطعن بالقصور في التسبيب القول إن المحكمة لم ترد على الدفاع، بل يتعين تحديد الدفاع الجوهري الذي أغفلته، وبيان أثره المحتمل في الفصل في النزاع، وربطه بالأسباب التي أقام الحكم عليها قضاءه.

عاشراً: الخاتمة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعنين رقمي 141 و146 لسنة 2025 إداري أن تقدير قيمة الدعوى عند تعدد الطلبات لا يقوم على عدد المطالبات أو اختلاف موضوعاتها المباشرة فحسب، وإنما يتطلب تحديد السبب القانوني الذي تستند إليه.

كما أكدت أن الحكم القضائي يجب أن يقوم على أسباب واضحة وسائغة تواجه الدفاع الجوهري، وأن إغفال هذا الدفاع أو الرد عليه بعبارات عامة لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم قد يعيبه بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

وانتهت المحكمة إلى نقض الحكم المطعون فيه والإحالة في الطعن رقم 141 لسنة 2025 إداري، وإلى امتداد أثر النقض إلى الطعن رقم 146 لسنة 2025 إداري لارتباط المركز القانوني للطاعنين.

ويبرز هذا الحكم أهمية تحديد السبب القانوني للطلبات بوصفه عنصراً مؤثراً في تقدير قيمة الدعوى، وأهمية التسبيب القضائي باعتباره ضمانة أساسية لسلامة تطبيق القانون وحماية حقوق الخصوم.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعنان رقما 141 و146 لسنة 2025 إداري، جلسة 9 أبريل 2025.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعنان رقما 141 ، 146 لسنة 2025 إداري Docx

Word – 96.5 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.