هل يبرر الدافع الإنساني وقف تنفيذ عقوبة تزوير تأشيرة الدخول إلى الدولة؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال القانوني: هل يجوز للمحكمة استعمال الرأفة ووقف تنفيذ العقوبة في جريمة تزوير واستعمال تأشيرة دخول إلى الدولة؟
قد تدفع الظروف الإنسانية المحكمة إلى مراعاة ظروف المتهمين عند تقدير العقوبة، إلا أن سلطة القاضي في استعمال الرأفة ليست مطلقة، بل تقف عند الحدود التي رسمها المشرّع، ولا يجوز أن تتعارض مع حظر تشريعي صريح.
وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في حكمها الصادر في الطعن رقم 15 لسنة 2025 جزائي، عندما تصدت لحكم قضى بحبس متهمين ثلاثة أشهر مع وقف تنفيذ العقوبة، رغم أن الجريمة تتعلق بتزوير محررات رسمية واستعمالها للحصول على تأشيرة دخول إلى الدولة.
أولاً: وقائع القضية
تتحصل وقائع القضية، وفقاً لما أورده الحكم، في إحالة النيابة العامة متهمين إلى المحاكمة عن اتهامات تتعلق بالاشتراك في تزوير محررات رسمية واستعمالها بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب.
وتضمنت الاتهامات تقديم شهادة ميلاد مزورة إلى موظف عام حسن النية، لإثبات أن طفلة هي ابنتهما خلافاً للحقيقة، الأمر الذي أدى إلى إصدار جواز سفر استناداً إلى بيانات غير صحيحة.
كما تضمنت الوقائع استعمال جواز السفر المزور للحصول على تأشيرة دخول سياحية، وتقديم المحررات المزورة إلى الموظف المختص، فضلاً عن تقديم بيانات كاذبة وإدخال الطفلة إلى الدولة بصورة غير مشروعة، بحسب الاتهامات الواردة في الحكم.
ثانياً: الإجراءات القضائية
نظرت محكمة استئناف أبوظبي الاتحادية الدعوى، وقضت بتاريخ 18 ديسمبر 2024 بمعاقبة كل من المتهمين بالحبس لمدة ثلاثة أشهر، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات تبدأ من اليوم الذي يصبح فيه الحكم نهائياً.
ولما لم يلقَ الحكم قبولاً لدى النيابة العامة، طعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، تأسيساً على مخالفة الحكم لأحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب، الذي يحظر وقف تنفيذ العقوبات المقررة للجرائم الواردة فيه.
ثالثاً: ما المسألة القانونية التي حسمتها المحكمة الاتحادية العليا؟
تمثلت المسألة القانونية في تحديد مدى جواز وقف تنفيذ العقوبة أو النزول بها عن الحد الأدنى المقرر قانوناً في جرائم تزوير واستعمال تأشيرات الدخول والمحررات الرسمية المرتبطة بها، حتى لو رأت محكمة الموضوع أن ظروف المتهمين تستدعي الرأفة.
فهل تكفي الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية لتبرير وقف تنفيذ العقوبة، أم أن النص القانوني الصريح يمنع ذلك؟
رابعاً: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة
استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى المادتين 24 و32 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب.
فالمادة 24 تقرر عقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات لمن يزور تأشيرة أو تصريح إقامة أو محرراً رسمياً تصدر بناءً عليه تلك التأشيرات أو التصاريح بقصد التهرب من أحكام القانون، كما تقرر العقوبة ذاتها لمن يستعمل مستنداً مزوراً من المستندات المشار إليها مع علمه بتزويره.
أما المادة 32، فقد نصت على عدم سريان الأحكام الخاصة بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي الواردة في قانون العقوبات عند تطبيق العقوبات المنصوص عليها في المواد السابقة.
ومؤدى ذلك أن المشرّع وضع قيداً صريحاً على سلطة المحكمة في وقف تنفيذ العقوبة أو استبدالها في الجرائم المشمولة بهذا التنظيم.
خامساً: لماذا نقضت المحكمة الحكم؟
رأت المحكمة الاتحادية العليا أن حكم الاستئناف خالف القانون عندما قضى بحبس المتهمين ثلاثة أشهر مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، بالمخالفة للحظر الوارد في المادة 32.
وأوضحت أن تقدير محكمة الموضوع للعقوبة يمثل خاتمة الفصل في الدعوى الجزائية، إلا أن هذه السلطة يجب أن تمارس في إطار الحدود القانونية المقررة.
كما بيّنت أن محكمة الاستئناف كانت قد أخذت بظروف المتهمين وماضيهما وسنهما، واعتبرت أن الباعث على ارتكاب الجريمة كان إنسانياً وأخلاقياً، واستعملت الرأفة استناداً إلى المادة 100 من قانون الجرائم والعقوبات.
غير أن هذه الرأفة لا تجيز تجاوز الحظر الخاص الذي قرره المشرّع بشأن وقف التنفيذ في الجرائم محل الدعوى.
وبناءً على ذلك، نقضت المحكمة الاتحادية العليا الحكم المطعون فيه، وألغت العقوبة المقضي بها، وصححتها بجعلها السجن المؤقت لمدة ثلاث سنوات عن الجرائم المسندة إلى المتهمين.
سادساً: المبدأ القانوني المستفاد من الحكم
يؤكد هذا الحكم أن سلطة المحكمة في تقدير العقوبة واستعمال الرأفة ليست سلطة مطلقة، وإنما تتقيد بالنصوص القانونية الآمرة.
فمتى حظر المشرّع وقف تنفيذ العقوبة أو استبدالها في فئة محددة من الجرائم، فلا يجوز للمحكمة تجاوز هذا الحظر استناداً إلى الظروف الشخصية للمتهم أو البواعث الإنسانية التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة.
كما يبرز الحكم أهمية التمييز بين سلطة القاضي في تفريد العقوبة وبين القيود التي يفرضها القانون على كيفية تطبيقها، إذ لا يجوز أن يؤدي استعمال الرأفة إلى تعطيل حكم تشريعي صريح.
سابعاً: الأهمية العملية للحكم
تظهر أهمية هذا الحكم في تنبيه المتهمين والدفاع إلى ضرورة التحقق من الأحكام الخاصة المقررة في التشريعات الجزائية، وعدم الاكتفاء بالقواعد العامة المتعلقة بتخفيف العقوبة أو وقف تنفيذها.
كما يؤكد للممارسين القانونيين أهمية فحص النصوص التي تنظم الجريمة محل الاتهام، وتحديد ما إذا كانت تتضمن استثناءات أو قيوداً على سلطة المحكمة في استعمال الرأفة.
ولا يعني ذلك أن الظروف الإنسانية لا قيمة لها في تقدير العقوبة، بل يعني أن أثرها يظل محكوماً بما يسمح به القانون، ولا يمكن أن تبرر مخالفة نص آمر.
الخلاصة
حسمت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 15 لسنة 2025 جزائي مسألة قانونية مهمة، مفادها أن الاعتبارات الإنسانية لا تبرر وقف تنفيذ العقوبة متى كان القانون يحظر ذلك صراحةً.
ففي الجرائم المتعلقة بتزوير تأشيرات الدخول واستعمالها، يتعين على المحكمة الالتزام بالأحكام الخاصة الواردة في قانون دخول وإقامة الأجانب، ولا يجوز لها تجاوزها بالاستناد إلى قواعد الرأفة العامة.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 15 لسنة 2025 جزائي، جلسة 5 مايو 2025.
التشريعات محل الاستناد: المرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب، ولا سيما المادتان 24 و32، والمادة 100 من قانون الجرائم والعقوبات، وفق ما أورده الحكم.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments