يتسبب في حادث مروري ويتلف سيارة الغير.. لماذا نقضت المحكمة الاتحادية العليا الحكم وعدّلت الغرامة؟ | الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي

Published on October 19, 2026 at 3:29 PM

هل تكفي عقوبة الجريمة الأخف عند ارتباطها بجريمة أشد؟ المحكمة الاتحادية العليا تصحح الحكم في الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال القانوني: إذا ارتكب المتهم عدة جرائم مرتبطة بحادث مروري واحد، فهل يجوز للمحكمة الاكتفاء بالعقوبة المقررة للجريمة الأخف؟

تثير هذه المسألة إشكالية مهمة في تطبيق قواعد تعدد الجرائم والعقوبات، خصوصاً عندما يرتبط الإخلال بقواعد السير والمرور بإتلاف مال مملوك للغير. فهل يؤدي الارتباط بين الجريمتين إلى الاكتفاء بالعقوبة الأخف، أم يوجب القانون توقيع العقوبة المقررة للجريمة الأشد؟

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذا التساؤل في حكمها الصادر في الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي، بجلسة 19 يونيو 2025، مؤكدة أن ارتباط الجرائم ارتباطاً لا يقبل التجزئة لا يبرر توقيع العقوبة الأخف، بل يستوجب تطبيق العقوبة المقررة للجريمة الأشد.

أولاً: بيانات الحكم

المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا – الدائرة الجزائية.

رقم الطعن: 1048 لسنة 2024 جزائي.

تاريخ الجلسة: 19 يونيو 2025.

موضوع الطعن: تعدد الجرائم والعقوبات، والارتباط الذي لا يقبل التجزئة، ووجوب توقيع العقوبة الأشد.

التشريعات محل التطبيق: المادة 88 من قانون الجرائم والعقوبات، والمادة 464/1 من القانون ذاته، والمادة 57/1 من قانون السير والمرور وفق النصوص التي استند إليها الحكم، والمادة 249/1 من قانون الإجراءات الجزائية.

ثانياً: وقائع القضية

تتحصل وقائع الدعوى، وفقاً لما ورد في الحكم، في إحالة النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة الجزائية عن مجموعة من الاتهامات تتعلق بواقعة مؤرخة في 10 مارس 2024.

شملت الاتهامات وجوده في حالة سكر في مكان عام والتسبب في إزعاج العامة، وقيادة مركبة تحت تأثير المشروبات الكحولية، والانشغال بالهاتف النقال أثناء القيادة، وعدم الالتزام بعلامات السير وقواعده وآدابه، فضلاً عن إتلاف مركبة مملوكة للغير نتيجة عدم الالتزام بأحكام تنظيم حركة السير والمرور.

وانصبت المسألة القانونية التي وصلت إلى المحكمة الاتحادية العليا على العقوبة المقررة عن التهمتين المتعلقتين بعدم الالتزام بقواعد السير والمرور وإتلاف مركبة الغير، باعتبارهما جريمتين مرتبطتين ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

ثالثاً: الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة بتوقيع غرامات مختلفة عن الاتهامات المسندة إلى المتهم، من بينها غرامة قدرها 200 درهم عن عدم الالتزام بقواعد السير والمرور، وغرامة قدرها 1,000 درهم عن إتلاف المركبة المملوكة للغير.

ثم استأنف المحكوم عليه الحكم، كما استأنفت النيابة العامة. وقضت محكمة الاستئناف، بجلسة 13 يونيو 2024 وفق البيانات الواردة في الحكم، بتعديل العقوبة عن التهمتين الرابعة والخامسة، والاكتفاء بغرامة قدرها 200 درهم عنهما لارتباطهما ارتباطاً لا يقبل التجزئة، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك.

ولما لم تقبل النيابة العامة هذا القضاء، طعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً على الحكم الخطأ في تطبيق القانون؛ إذ طبّق العقوبة الأخف المقررة لمخالفة قواعد السير والمرور، رغم أن جريمة إتلاف مال الغير أشد عقوبة.

رابعاً: المسألة القانونية محل الفصل

تمثلت المسألة القانونية في تحديد العقوبة الواجبة التطبيق عند ثبوت ارتباط جريمة عدم الالتزام بقواعد السير والمرور بجريمة إتلاف مال مملوك للغير ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

وهل يترتب على وحدة النشاط الإجرامي الاكتفاء بعقوبة أي من الجريمتين، أم يتعين اختيار العقوبة الأشد وفقاً للمادة 88 من قانون الجرائم والعقوبات؟

خامساً: الأساس القانوني الذي اعتمدته المحكمة

استندت المحكمة إلى المادة 88 من قانون الجرائم والعقوبات، وقررت أن إعمال قاعدة توقيع عقوبة واحدة عند ارتباط الجرائم يتطلب أن تكون الأفعال المرتكبة مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، بحيث تنتظمها خطة إجرامية واحدة وتتكامل فيما بينها لتشكّل وحدة إجرامية.

ومؤدى ذلك أن الارتباط الذي يبرر توقيع عقوبة واحدة لا يعني اختيار العقوبة الأخف، بل يستلزم توقيع العقوبة المقررة للجريمة الأشد من بين الجرائم المرتبطة.

وبتطبيق هذه القاعدة على الدعوى، قارنت المحكمة بين العقوبتين محل النزاع:

1. جريمة إتلاف مال مملوك للغير

أشارت المحكمة إلى المادة 464/1 من قانون الجرائم والعقوبات، التي تقرر عقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة والغرامة التي لا تزيد على 10,000 درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، في الحالات التي حددها النص.

2. جريمة عدم الالتزام بقواعد السير والمرور

استندت المحكمة إلى المادة 57/1 من قانون السير والمرور، التي أورد الحكم أن عقوبتها الحبس مدة لا تزيد على شهر، والغرامة التي لا تقل عن 200 درهم ولا تزيد على 500 درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين.

وانتهت المحكمة إلى أن جريمة إتلاف مال الغير هي الجريمة الأشد من حيث العقوبة المقررة لها، وبالتالي لا يجوز الاكتفاء بالعقوبة الأخف المقررة لمخالفة قواعد السير والمرور.

سادساً: تسبيب المحكمة ووجه الخطأ في الحكم المطعون فيه

رأت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الاستئناف أخطأت في تطبيق القانون عندما قضت بتغريم المتهم 200 درهم عن الجريمتين المرتبطتين، رغم اختلاف العقوبات المقررة لكل منهما وكون جريمة الإتلاف أشد عقوبة.

فالأخذ بالارتباط الذي لا يقبل التجزئة يؤدي إلى توقيع عقوبة واحدة، لكنه لا يلغي وجوب اختيار العقوبة الأشد. ومن ثم فإن تطبيق العقوبة الأخف يهدر الأثر القانوني الذي رتبه المشرع على تعدد الجرائم المرتبطة.

ولذلك اعتبرت المحكمة أن النعي المقدم من النيابة العامة سديد، وأن الحكم المطعون فيه معيب بالخطأ في تطبيق القانون في هذا الجزء، بما يوجب نقضه جزئياً وتصحيحه عملاً بالمادة 249/1 من قانون الإجراءات الجزائية.

سابعاً: منطوق الحكم

قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه جزئياً فيما قضى به من معاقبة المتهم بغرامة قدرها 200 درهم عن التهمتين الرابعة والخامسة المرتبطتين، والقضاء مجدداً بتغريمه مبلغ 1,000 درهم عن التهمتين المرتبطتين.

وبذلك صححت المحكمة العقوبة لتتفق مع قاعدة وجوب توقيع العقوبة الأشد عند قيام الارتباط الذي لا يقبل التجزئة.

ثامناً: المبدأ القانوني المستفاد من الحكم

إذا ارتكبت عدة جرائم مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة، وتوافرت شروط تطبيق المادة 88 من قانون الجرائم والعقوبات، وجب توقيع العقوبة المقررة للجريمة الأشد، ولا يجوز الاكتفاء بالعقوبة الأخف لمجرد قيام الارتباط بين الجرائم.

ويكشف هذا المبدأ عن التمييز بين أمرين: وحدة العقوبة الواجبة التطبيق بسبب الارتباط، وتحديد مقدارها ونوعها بحسب الجريمة الأشد. فالأول يتعلق بقيام الارتباط القانوني، والثاني يتعلق بالأثر العقابي الذي يترتب عليه.

تاسعاً: الأهمية العملية للحكم

تظهر أهمية الحكم في ضرورة مراعاة المحاكم والنيابات العامة والمحامين ترتيب العقوبات المقررة للجرائم المرتبطة قبل تحديد العقوبة الواجب تطبيقها.

فإذا ارتبطت مخالفة مرورية بجريمة إتلاف مال الغير، فإن ثبوت الارتباط لا يسمح تلقائياً بالاكتفاء بالغرامة المقررة للمخالفة المرورية. بل يجب تحديد الجريمة الأشد وفق النصوص المنطبقة، ثم تطبيق العقوبة المقررة لها، مع مراعاة حدود النص القانوني وظروف الدعوى.

كما يؤكد الحكم أن الخطأ في اختيار العقوبة الواجبة التطبيق يُعد خطأً في تطبيق القانون يمكن أن يؤدي إلى نقض الحكم جزئياً وتصحيحه، حتى إذا لم يكن النزاع متعلقاً بثبوت الوقائع ذاتها، وإنما بالأثر العقابي المترتب عليها.

عاشراً: التحليل القانوني

يؤكد الحكم أن قاعدة الارتباط بين الجرائم ليست وسيلة لتخفيف العقوبة بصورة مطلقة، وإنما قاعدة قانونية تحدد كيفية التعامل مع تعدد الجرائم عندما تتوافر شروط الارتباط الذي لا يقبل التجزئة.

فالقول بوحدة العقوبة لا يعني مساواة جميع الجرائم المرتبطة في درجة الخطورة، ولا يبرر اختيار العقوبة الأقل. وإنما تظل العقوبة الأشد هي المعيار الذي يحدده القانون لتوقيع العقوبة الواحدة.

وتكمن القيمة التطبيقية للحكم في أنه يربط بين التكييف القانوني للجرائم وتحديد العقوبة الصحيحة؛ إذ لا يكفي أن تنتهي المحكمة إلى قيام الارتباط، بل يتعين عليها بعد ذلك أن تقارن بين العقوبات المقررة للجرائم المرتبطة وأن تختار العقوبة الأشد وفقاً للقانون.

ومن الناحية العملية، ينبغي عند إعداد المذكرات الجزائية أو مراجعة الأحكام التي تتعدد فيها الاتهامات، تحديد كل جريمة ونصها العقابي على حدة، ثم بحث مدى قيام الارتباط الذي لا يقبل التجزئة، وأخيراً التحقق من أن العقوبة المقضي بها هي العقوبة الأشد واجبة التطبيق.

ويجب التنبيه إلى أن هذا التحليل يتعلق بالمبدأ الذي فصلت فيه المحكمة في الطعن المعروض، ولا يعني أن كل جرائم الحوادث المرورية ترتبط حكماً ارتباطاً لا يقبل التجزئة؛ إذ يظل قيام الارتباط مسألة تتحدد وفق وقائع كل دعوى وشروط النص القانوني.

الخلاصة

رسخت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي مبدأً مهماً في تطبيق قواعد تعدد الجرائم والعقوبات، مؤداه أن الارتباط الذي لا يقبل التجزئة يوجب توقيع العقوبة المقررة للجريمة الأشد، وليس العقوبة الأخف.

وعليه، فإن صحة الحكم الجزائي لا تتوقف على ثبوت الجرائم وتحديد ارتباطها فحسب، بل تمتد إلى اختيار العقوبة التي أوجب القانون تطبيقها. وقد جسّد الحكم ذلك بنقضه جزئياً قضاء محكمة الاستئناف وتصحيح الغرامة من 200 درهم إلى 1,000 درهم عن التهمتين المرتبطتين.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي، جلسة 19 يونيو 2025.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1048 لسنة 2024 جزائي Docx Pdf

PDF – 151.0 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.