يدافع عن نفسه أمام محكمة الأسرة فيتجاوز حدود الدفاع ويواجه غرامة جزائية | الطعن رقم 1323 لسنة 2024 جزائي

Published on October 19, 2026 at 6:16 PM

هل يجوز أن تتحول مذكرة الدفاع إلى سبب للمساءلة الجزائية عن السب؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء قضاء المحكمة الاتحادية العليا بدولة الإمارات العربية المتحدة

وقائع القضية

تبدأ القضية بنزاع منظور أمام محكمة الأسرة بين طرفين، استخدم خلاله أحد الخصوم مذكرات الدفاع لتقديم دفوعه في الدعوى الشرعية القائمة بينه وبين المجني عليها. إلا أن العبارات الواردة في تلك المذكرات، بحسب ما ثبت للمحكمة، تجاوزت حدود الدفاع المشروع ووصلت إلى عبارات خادشة للاعتبار ومسيئة للمجني عليها.

وعلى إثر ذلك، أُحيل المتهم إلى المحاكمة الجزائية عن واقعة السب، استنادًا إلى العبارات الواردة في مذكرة الدفاع المقدمة أمام المحكمة.

الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة بإدانة المتهم عن جريمة السب باستخدام إحدى وسائل تقنية المعلومات، وبتغريمه مبلغ 250,000 درهم، مع إلزامه بالرسوم القضائية، وإحالة الدعوى المدنية إلى الدائرة المدنية المختصة.

طعن المتهم على الحكم بالاستئناف، كما استأنفت المجني عليها. وفي 17 يوليو 2024، قضت محكمة الاستئناف بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بتغريم المتهم مبلغ 10,000 درهم، مع إلزامه بالرسوم القضائية، وبعدم جواز نظر استئناف المجني عليها.

لم يرتضِ المتهم بالحكم، فطعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكًا بعدة أسباب، منها بطلان الحكم لإدراج منطوقه على الموقع الإلكتروني قبل جلسة النطق به، وسقوط الحق في الشكوى، وانتفاء أركان جريمة السب، وقصور تحقيقات النيابة العامة، وعدم اعتبار بوابة التقاضي الإلكتروني من وسائل تقنية المعلومات، فضلًا عن اعتراضه على تشديد الغرامة مقارنة بالأمر الجزائي السابق.

السؤال القانوني

هل تُعد العبارات المسيئة الواردة في مذكرة الدفاع استعمالًا مشروعًا لحق الدفاع، أم أن هذا الحق يقف عند حدود معينة، بحيث تترتب المسؤولية الجزائية والمدنية إذا تجاوزها الخصم إلى السب والتجريح؟

وهل يُعد استخدام بوابة التقاضي الإلكتروني وسيلةً لارتكاب الجريمة، وهل تتقيد المحكمة بالعقوبة الواردة في الأمر الجزائي بعد الاعتراض عليه؟

ما الذي قررته المحكمة الاتحادية العليا؟

أولًا: حق الدفاع لا يبيح السب أو التجريح

قررت المحكمة أن حرية الدفاع أمام المحاكم لا تمنح الخصم حق الاعتداء على شرف خصمه أو كرامته، ولا يجوز اتخاذ مذكرة الدفاع وسيلة لتوجيه عبارات السب أو القذف أو التجريح.

فإذا تجاوزت العبارات حدود ما تقتضيه ممارسة حق الدفاع، وتحولت إلى تعدٍّ لفظي لا تبرره مقتضيات الخصومة، انتفت شروط الإباحة، وأصبح صاحبها معرضًا للمسؤولية الجزائية والمدنية.

وأكدت المحكمة أن العبرة ليست بمجرد ورود العبارة في مذكرة قضائية، وإنما بحقيقتها ودلالتها ومدى تجاوزها للحدود المشروعة للدفاع.

ثانيًا: تقدير ألفاظ السب والقصد الجنائي من سلطة محكمة الموضوع

أوضحت المحكمة أن السب يتحقق بإلصاق عيب بالشخص أو توجيه تعبير يحط من قدره أو يخدش سمعته لدى الغير.

كما قررت أن استخلاص حقيقة الألفاظ ومدى توافر القصد الجنائي في جريمة السب يدخل في سلطة محكمة الموضوع، ولها أن تستخلص هذا القصد من ذات العبارات الموجهة إلى المجني عليه، متى كانت الوقائع والأدلة التي أوردها الحكم كافية لحمل النتيجة التي انتهى إليها.

وفي القضية محل الطعن، اطمأنت المحكمة إلى أقوال المجني عليها، التي أيدتها المستندات المتمثلة في مذكرة الدفاع المقدمة إلى محكمة الأسرة، واعتبرت أن الأدلة التي اعتمد عليها الحكم كافية لإثبات التهمة.

ثالثًا: بوابات التقاضي الإلكتروني تدخل ضمن وسائل تقنية المعلومات

رفضت المحكمة دفاع الطاعن القائم على أن موقع وزارة العدل لا يُعد من وسائل تقنية المعلومات لأنه نظام مغلق يقتصر استخدامه على أشخاص محددين.

واستندت في ذلك إلى تعريف وسائل تقنية المعلومات الوارد في المادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، وقررت أن بوابات التقاضي الإلكتروني تندرج ضمن هذا التعريف.

وبذلك، فإن استخدام نظام التقاضي الإلكتروني لا يمنع من انطباق الوصف القانوني المتعلق باستخدام وسيلة تقنية المعلومات متى توافرت بقية عناصر الجريمة وفقًا لما تثبته أوراق الدعوى.

رابعًا: ميعاد الشكوى يبدأ من العلم اليقيني بالجريمة ومرتكبها

قررت المحكمة أن ميعاد الثلاثة أشهر المقرر للشكوى في الجرائم التي تتطلب شكوى يبدأ من تاريخ علم المجني عليه علمًا يقينيًا بوقوع الجريمة وبشخص مرتكبها.

أما تحديد تاريخ تحقق هذا العلم، فهو من مسائل الواقع التي تستقل محكمة الموضوع بتقديرها، متى بنت قضاءها على أسباب سائغة مستمدة من ظروف الدعوى وملابساتها.

خامسًا: قصور التحقيقات الأولية لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلان الحكم

بيّنت المحكمة أن العبرة في سلامة الحكم هي بما تجريه المحكمة بنفسها من تحقيق وما تطرحه عليها من أدلة أثناء المحاكمة.

فإذا رأى الدفاع وجود نقص أو عيب في التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة، ولم يطلب من محكمة الموضوع استكمال التحقيق، فلا يصح له اتخاذ ذلك وحده سببًا للطعن على الحكم.

سادسًا: الاعتراض على الأمر الجزائي يسقط أثره ولا يقيد المحكمة بالعقوبة السابقة

استندت المحكمة إلى المادة 342 من قانون الإجراءات الجزائية، وقررت أن الاعتراض على الأمر الجزائي في الميعاد القانوني يترتب عليه اعتباره كأن لم يكن، وتُنظر الدعوى وفق الإجراءات المعتادة.

وبالتالي، لا تتقيد المحكمة بالعقوبة الواردة في الأمر الجزائي المعترض عليه، ولا يجوز للمعترض التمسك بها باعتبارها حدًا أقصى للعقوبة التي يمكن الحكم بها.

سابعًا: تقدير الأدلة من سلطة محكمة الموضوع

أكدت المحكمة أن للقاضي الجزائي سلطة واسعة في تقدير أدلة الدعوى واستخلاص الصورة الحقيقية للواقعة، والأخذ بما يطمئن إليه وجدانه من الأدلة، متى كان استنتاجه سائغًا وله أصل ثابت في الأوراق.

أما مجرد إنكار المتهم للتهمة، فلا يستلزم ردًا مستقلًا متى كان الرد عليه مستفادًا من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم.

حكم المحكمة

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى رفض الطعن الجزائي، مع مصادرة التأمين، تأسيسًا على أن أسباب الطعن لا تنال من سلامة الحكم المطعون فيه، وأن محكمة الموضوع أقامت قضاءها على أدلة سائغة تكفي لحمل النتيجة التي انتهت إليها.

صدر الحكم في جلسة الثلاثاء الموافق 24 يونيو 2025، في الطعن رقم 1323 لسنة 2024 جزائي.

الفائدة القانونية

يؤكد هذا الحكم مبدأً مهمًا في العمل القضائي: حق الدفاع حق أصيل، لكنه ليس ترخيصًا بالإساءة إلى الخصم.

فالمذكرات القضائية وُضعت لعرض الوقائع والدفوع والأسانيد القانونية، وليس لتوجيه الإهانات أو النيل من الكرامة والاعتبار. ولا يحول تقديم العبارات المسيئة في محرر قضائي دون مساءلة صاحبها إذا تجاوزت حدود الدفاع المشروع وتوافرت أركان الجريمة.

كما يبرز الحكم أهمية الانتباه إلى أن الإجراءات الإلكترونية المعتمدة في المحاكم قد تدخل ضمن مفهوم وسائل تقنية المعلومات، وأن الاعتراض على الأمر الجزائي يؤدي إلى سقوط أثره وفقًا للقانون، دون أن تتقيد المحكمة بالعقوبة الواردة فيه.

الخلاصة: دافع عن حقك بقوة، لكن اجعل دفوعك قائمة على الوقائع والقانون والأدلة؛ لأن تجاوز حدود الدفاع قد يحوّل الخصومة من مطالبة بالحق إلى مساءلة جزائية.

المصدر: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1323 لسنة 2024 جزائي، جلسة 24 يونيو 2025.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1323 لسنة 2024 جزائي Docx Pdf

PDF – 256.8 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.