هل يحق للموكّل إنهاء الوكالة التجارية أو شطبها بسبب إخلال الوكيل بالتزاماته التعاقدية؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
أولاً: السؤال القانوني
هل يحق للموكّل إنهاء عقد الوكالة التجارية أو شطبها إذا أخلّ الوكيل بالتزاماته التعاقدية، أم أن الوكيل يتمتع بحماية تمنع إنهاء الوكالة رغم إخلاله بالتزاماته؟ وما حدود سلطة المحكمة في تقدير الأدلة والمستندات التي يستند إليها قرار شطب الوكالة التجارية؟
ثانياً: وقائع القضية
تدور وقائع الطعن حول نزاع بشأن شطب وكالة تجارية، اعترضت فيه الوكيلة على قرار لجنة الوكالات التجارية، وطالبت بإلغاء القرار المتعلق بشطب وكالتها.
وبحسب ما ثبت للمحكمة من أوراق الدعوى ومستنداتها، تمثلت أبرز الوقائع في إخلال الوكيلة بسداد قيمة المنتجات المستحقة للموكّلة، وعدم شراء منتجات الوكالة منذ عام 2018، فضلاً عن التنازل عن أعمال التوزيع لمؤسسة أخرى، وعدم سداد قيمة 605 ساعات.
واستندت المحكمة في تقديرها إلى هذه الوقائع باعتبارها مؤشرات على عدم تنفيذ الوكيلة التزاماتها التعاقدية، وهو ما أثار مسألة مدى مشروعية شطب الوكالة التجارية في ضوء التشريعات المنظمة لها.
ثالثاً: الإجراءات القضائية
قضت محكمة أول درجة بإلغاء قرار لجنة الوكالات التجارية القاضي بشطب الوكالة.
إلا أن محكمة الاستئناف ألغت حكم محكمة أول درجة، وقضت مجدداً برفض الدعوى، استناداً إلى ما ثبت لديها من إخلال الوكيلة بالتزاماتها التعاقدية.
كما قضت المحكمة بعدم اختصاصها ولائياً بنظر الطلب العارض المتعلق بقيمة الشيكات وإرجاع موجودات الوكيلة، وفقاً لما ورد في الحكم المطعون فيه.
ولم ترتضِ الوكيلة هذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً على الحكم الخطأ في فهم واقع الدعوى وتقدير الأدلة وتفسير المحررات.
رابعاً: الأساس القانوني للحكم
استندت المحكمة إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم 3 لسنة 2022 بشأن تنظيم الوكالات التجارية، ولا سيما المادتين 9 و30 منه.
1. حالات انتهاء عقد الوكالة التجارية
نظمت المادة 9 حالات انتهاء عقد الوكالة التجارية، ومنها انتهاء مدة العقد دون تجديد، أو إنهاؤه وفق شروطه وأحكامه، أو اتفاق الطرفين على إنهائه، أو صدور حكم قضائي بات بإنهائه، فضلاً عن الحالات الأخرى التي يقررها القانون.
كما نظمت المادة ذاتها مسألة انتقال موجودات الوكيل القديم إلى الموكّل أو الوكيل الجديد بالقيمة العادلة، متى توافرت الشروط القانونية، ومنها ارتباط الموجودات بعقد الوكالة ووجودها في حيازة الوكيل القديم عند انتهاء العقد، وعدم وجود قيد على انتقال ملكيتها.
2. الحماية الانتقالية لبعض الوكالات التجارية
قررت المادة 30 أحكاماً انتقالية بشأن سريان حالات انتهاء الوكالة المنصوص عليها في البندين (أ) و(ب) من الفقرة الأولى للمادة 9.
فالأصل أن هذه الأحكام لا تسري على عقود الوكالات التجارية السارية وقت صدور القانون إلا بعد مضي سنتين من تاريخ نفاذه في 16 يونيو 2023. أما الوكالات المسجلة للوكيل نفسه منذ أكثر من عشر سنوات، أو التي تجاوز حجم استثمارات الوكيل فيها مائة مليون درهم، فتخضع للمدة الانتقالية الممتدة إلى عشر سنوات، وفقاً لشروط المادة 30.
وتتعلق هذه الحماية الانتقالية تحديداً بحالات انتهاء الوكالة المشار إليها في النص، ولا يجوز تعميمها على جميع أسباب إنهاء الوكالة دون تمييز.
3. الإخلال الجوهري بالتزامات الوكيل سبب لإنهاء الوكالة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن إنهاء عقد الوكالة التجارية أو عدم تجديده لا يكون جائزاً ما لم يوجد سبب جوهري يبرره.
ويُعد إخلال الوكيل بالتزاماته التعاقدية إخلالاً جوهرياً سبباً يمكن أن يبرر إنهاء الوكالة أو شطبها، بشرط ألا يكون الموكّل قد أخلّ بدوره بالتزاماته المقابلة؛ لأن الالتزامات العقدية المتبادلة تقتضي تنفيذ كل طرف ما يقع على عاتقه.
وبذلك، فإن الحماية القانونية المقررة للوكيل التجاري لا تعني إعفاءه من تنفيذ التزاماته أو من النتائج القانونية المترتبة على إخلاله الجوهري بها.
خامساً: ماذا قررت المحكمة الاتحادية العليا؟
رفضت المحكمة الاتحادية العليا منازعة الطاعنة بشأن تقدير الوقائع والأدلة، وقررت عدم قبول الطعن في غرفة المشورة.
وأوضحت أن محكمة الموضوع تستقل بفهم واقع الدعوى وتحصيله، ولها سلطة تقدير الأدلة والمستندات والموازنة بينها وتفسير المحررات، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق.
وفي القضية محل الطعن، رأت المحكمة أن استخلاص محكمة الاستئناف بشأن إخلال الوكيلة بالتزاماتها، استناداً إلى عدم سداد قيمة المنتجات وعدم شراء منتجات الوكالة منذ عام 2018 والتنازل عن أعمال التوزيع وعدم سداد قيمة 605 ساعات، استخلاص سائغ تدعمه مستندات الدعوى.
ومن ثم، فإن إعادة المجادلة في تقدير هذه الوقائع لا تكفي بذاتها لقبول الطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا.
سادساً: المبدأ القانوني المستفاد من الحكم
يستفاد من الحكم أن الإخلال الجوهري بالالتزامات التعاقدية للوكيل التجاري قد يشكل سبباً مشروعاً لإنهاء الوكالة أو شطبها، شريطة مراعاة الالتزامات المقابلة للموكّل والأحكام التشريعية المنظمة للوكالات التجارية.
كما يؤكد الحكم أن رقابة المحكمة الاتحادية العليا لا تمتد إلى إعادة وزن الأدلة ومناقشة تقدير محكمة الموضوع للوقائع متى كان استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.
سابعاً: الفائدة القانونية والعملية
تتمثل الأهمية العملية لهذا الحكم في ضرورة التمييز بين الحماية القانونية للوكيل التجاري وبين التزامه الفعلي بتنفيذ عقد الوكالة.
ففي منازعات شطب الوكالات التجارية، لا يكفي التمسك باستمرار العلاقة التعاقدية أو بالضمانات القانونية المقررة للوكيل، بل يتعين فحص الالتزامات المتبادلة ومدى تنفيذ كل طرف لها، والتحقق من وجود إخلال جوهري يمكن أن يبرر الإنهاء أو الشطب.
كما تبرز أهمية الاحتفاظ بالمستندات التي تثبت التعاملات التجارية، والمبالغ المستحقة، وعمليات الشراء والتوزيع، والمراسلات المتعلقة بتنفيذ العقد؛ إذ قد يكون لهذه الأدلة أثر حاسم في تكوين عقيدة المحكمة.
ومن الناحية الإجرائية، ينبغي أن ينصب الطعن أمام المحكمة العليا على أوجه الخطأ القانونية التي يعتد بها القانون، لا أن يقتصر على إعادة مناقشة الوقائع والأدلة التي سبق لمحكمة الموضوع تقديرها.
الخلاصة
رسّخت المحكمة الاتحادية العليا مبدأً مهماً في منازعات الوكالات التجارية: الإخلال الجوهري بالتزامات الوكيل قد يبرر شطب الوكالة، لكن مشروعية الإنهاء تظل مرتبطة بشروط القانون والتزامات الطرفين، كما أن مجرد الاختلاف مع تقدير محكمة الموضوع للأدلة لا يكفي لقبول الطعن أمام المحكمة العليا.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 523 لسنة 2025 إداري، جلسة 18 يونيو 2025.
هذه الدراسة مستندة إلى الحكم القضائي محل البحث، ولا تتناول وقائع أو أسباباً لم يرد لها سند في نصه.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments