هل يجوز أن تُعقد جلسات المحاكمة علنًا في جرائم العرض؟ وهل يصح توقيع العقوبة دون التحقق من الوصف القانوني الصحيح للجريمة ومدى اشتراط تقديم شكوى؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية
في حكم قضائي مهم، أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن علنية جلسات المحاكمة في الجرائم الواقعة على العرض تُشكل بطلانًا متعلقًا بالنظام العام، كما أوضحت أهمية التمييز بين الوصف القانوني للجريمة وأثره في تحريك الدعوى الجزائية.
وذلك في الطعن رقم 1493 لسنة 2024 جزائي، الصادر بجلسة 26 مايو 2025.
أولًا: وقائع القضية
تتلخص وقائع الدعوى في أن النيابة العامة أسندت إلى متهمين ارتكاب جريمة هتك العرض بالرضا، كما أسندت إلى المتهم الثاني تهمة تخزين مواد إباحية بقصد الاستغلال والعرض على الغير والمساس بالآداب العامة.
وطلبت النيابة العامة معاقبتهما وفق المواد القانونية الواردة بأمر الإحالة.
وبتاريخ 30 مايو 2024، قضت محكمة الجنح بتغريم كل من المتهمين مبلغ 6,000 درهم عن التهمة الأولى، وتغريم المتهم الثاني مبلغ 10,000 درهم عن التهمة الثانية، مع مصادرة الهاتف المضبوط وإلزامهما بالرسوم القضائية.
ولم يرتضِ المحكوم عليهما الحكم، فطعنا عليه بالاستئناف، إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتاريخ 26 أغسطس 2024 بقبول الاستئنافين شكلًا ورفضهما موضوعًا.
وعلى إثر ذلك، طعنت المحكوم عليها على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا.
ثانيًا: ما المسألة القانونية التي حسمتها المحكمة؟
تمحور نظر المحكمة حول مسألتين أساسيتين: مدى مشروعية انعقاد جلسات المحاكمة علنًا في جريمة واقعة على العرض، ومدى صحة إدانة المتهمين وفق النص القانوني الذي لا يتفق بالضرورة مع الوصف الذي أوردته أسباب الحكم.
ثالثًا: سرية جلسات المحاكمة في الجرائم الواقعة على العرض
استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى الفقرة الثانية من المادة 162 من قانون الإجراءات الجزائية، التي تقرر سرية الجلسات في الجرائم الواقعة على العرض وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون.
وبالرجوع إلى محاضر جلسات محكمة أول درجة ومحكمة الاستئناف، تبين للمحكمة أن جلسات المحاكمة انعقدت علنًا، رغم أن الجريمة المسندة إلى المتهمين من الجرائم الواقعة على العرض.
ورأت المحكمة أن هذا الإجراء يرتب بطلان الحكمين، باعتبار أن البطلان متعلق بالنظام العام، بما يستوجب نقض الحكم المطعون فيه.
وتبرز أهمية هذا المبدأ في أن سرية المحاكمة في هذه الجرائم ليست مجرد إجراء تنظيمي متروك لتقدير المحكمة، بل هي ضمانة قررها القانون، ويترتب على مخالفتها الأثر الذي حدده الحكم.
رابعًا: اختلاف الوصف القانوني للجريمة وأثره في صحة الحكم
لم تقف المحكمة عند مسألة علنية الجلسات، بل تناولت أيضًا اختلافًا جوهريًا بين المادة التي قُيدت الواقعة بموجبها والوصف القانوني الذي تبنته أسباب الحكم.
فقد قيدت النيابة العامة الواقعة وفق المادة 407/1 من قانون الجرائم والعقوبات، وقضت محكمتا أول درجة والاستئناف بالعقوبة المنصوص عليها في المادة ذاتها.
إلا أن أسباب الحكم المطعون فيه وصفت الواقعة بأنها هتك عرض بالرضا، وهو وصف رأت المحكمة أنه يندرج وفق صحيح القانون تحت المادة 409 من قانون الجرائم والعقوبات.
وأوضحت المحكمة أن المادة 409، وفق النص الذي تناولته في الحكم، تشترط لرفع الدعوى الجزائية عن الجريمة الواردة في فقرتها السابقة تقديم شكوى من الزوج أو الولي، بحسب الأحوال، كما تجيز التنازل عن الشكوى، مع ترتب الأثر القانوني الذي حدده النص.
لكن الحكمين السابقين لم يتحققا مما إذا كانت شكوى قد قُدمت من الزوج أو الولي، رغم ورود وصف الرضا في أسبابهما.
وبذلك تعذر على المحكمة الاتحادية العليا الوقوف على الأساس القانوني الذي استند إليه الحكمان في تحديد وصف التهمة، وما إذا كانت الواقعة تدخل في نطاق هتك العرض بالرضا أم بغير رضا.
وهو ما أوجب نقض الحكم المطعون فيه نقضًا كليًا مع الإحالة.
خامسًا: ماذا قررت المحكمة الاتحادية العليا؟
انتهت المحكمة إلى نقض الحكم المطعون فيه نقضًا كليًا مع الإحالة، تأسيسًا على سببين رئيسيين:
الأول: انعقاد جلسات المحاكمة علنًا في جريمة واقعة على العرض، بالمخالفة للمادة 162 من قانون الإجراءات الجزائية، بما يرتب البطلان المتعلق بالنظام العام.
الثاني: عدم وضوح الأساس القانوني لوصف الجريمة، وعدم التحقق من تقديم الشكوى اللازمة وفق المادة 409 من قانون الجرائم والعقوبات، بحسب الوصف الذي أوردته أسباب الحكم.
سادسًا: الفائدة القانونية من الحكم
تكمن الفائدة القانونية في تأكيد أن سلامة الحكم الجزائي لا تتوقف على ثبوت الوقائع فحسب، بل تستلزم كذلك احترام الإجراءات الجوهرية للمحاكمة، والتزام المحكمة بالتكييف القانوني الصحيح للواقعة.
كما يوضح الحكم أن اختلاف الوصف القانوني للجريمة قد يترتب عليه اختلاف في شروط تحريك الدعوى الجزائية، وهو ما يوجب على المحكمة التحقق من استيفاء تلك الشروط قبل الفصل في الدعوى.
ويؤكد الحكم أيضًا أن مخالفة قواعد سرية الجلسات المقررة للجرائم الواقعة على العرض قد تؤدي إلى بطلان الحكم، متى تحققت المخالفة التي تناولها القضاء في هذه القضية.
الخلاصة
رسّخت المحكمة الاتحادية العليا في هذا الحكم مبدأين مهمين في الإجراءات الجزائية الإماراتية: وجوب سرية جلسات المحاكمة في الجرائم الواقعة على العرض وفق النص القانوني المشار إليه، وضرورة تحديد الوصف القانوني للجريمة بدقة والتحقق من شروط تحريك الدعوى الجزائية متى كان القانون يشترط تقديم شكوى.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1493 لسنة 2024 جزائي، جلسة 26 مايو 2025.
ملاحظة: أُعدت هذه الدراسة استنادًا إلى الحكم المرفق، ويُرجع إلى النص التشريعي الرسمي للتحقق من الصياغة النافذة للمواد القانونية عند الاستشهاد بها في تطبيق عملي.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments