هل يجوز للمحكمة الاكتفاء بالغرامة عن الحبس في جريمة التسول؟ المحكمة الاتحادية العليا تجيب
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية
هل يجوز للمحكمة، إذا رأت أن ظروف الجريمة أو مرتكبها تستدعي الرأفة، أن تستبدل بعقوبة الحبس الغرامة في جريمة التسول؟ وهل يجوز تشديد الوضع القانوني للمتهم أمام محكمة الاستئناف إذا كان هو وحده من طعن على الحكم الابتدائي دون النيابة العامة؟
أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذين التساؤلين في حكمها الصادر في الطعن رقم 1018 لسنة 2025 جزائي، بجلسة 20 مايو 2025، مؤكدةً ضوابط استعمال الأعذار والظروف المخففة، ومبدأ عدم جواز إضرار الطاعن بطعنه.
أولاً: وقائع القضية
تتحصل وقائع الدعوى في اتهام شخصين بارتكاب جريمة التسول في أماكن عامة ومتفرقة، من خلال استجداء الآخرين باستخدام وسيلة خداع تمثلت في الادعاء بعدم وجود مبلغ بالعملة الإماراتية لتصريف أمورهما وشراء الطعام، بقصد استدرار عطف الآخرين والحصول على منفعة مادية.
وطلبت النيابة العامة معاقبتهما وفقاً للمادة 475 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات.
ثانياً: الإجراءات القضائية
قضت محكمة أول درجة حضورياً بحبس المتهمين ثلاثة أشهر وتغريم كل منهما خمسة آلاف درهم، عن التهمة المسندة إليهما.
ولم يرتضِ المتهمان الحكم، فطعنا عليه بالاستئناف. وقضت محكمة الاستئناف بإلغاء عقوبة الحبس، مع الإبقاء على الغرامة البالغة خمسة آلاف درهم لكل متهم.
لم تقبل النيابة العامة هذا القضاء، فطعنت عليه بطريق النقض، ناعيةً على الحكم الخطأ في تطبيق القانون، من وجهين:
الأول: أن المحكمة كان يتعين عليها الجمع بين عقوبتي الحبس والغرامة، وفقاً للمادة 475 من قانون الجرائم والعقوبات.
الثاني: أن الحكم أغفل القضاء بتدبير الإبعاد الذي تمسكت النيابة العامة بوجوبه وفقاً للمادة 478 من القانون ذاته.
ثالثاً: المسألة القانونية محل النزاع
تمحور النزاع حول مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى: هل يجوز للمحكمة، عند توافر مقتضيات الرأفة في جنحة التسول، الاكتفاء بالغرامة بدلاً من الجمع بينها وبين الحبس؟
المسألة الثانية: هل يجوز لمحكمة الاستئناف القضاء بتدبير الإبعاد إذا كان الحكم الابتدائي لم يقضِ به، وكان المتهمان وحدهما هما من استأنفا الحكم دون النيابة العامة؟
رابعاً: الأساس القانوني الذي اعتمدته المحكمة
1. وضوح النص القانوني يمنع الانحراف عن معناه
قررت المحكمة أن النص القانوني متى كان واضحاً وجلي المعنى وقاطع الدلالة على إرادة المشرع، وجب الالتزام به، ولا يجوز الانحراف عن معناه عن طريق التفسير أو التأويل أياً كان الباعث على ذلك.
ويؤكد هذا المبدأ أن تفسير النصوص لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز دلالتها الواضحة أو إنشاء حكم لا يحتمله النص.
2. سلطة المحكمة في تخفيف العقوبة
استندت المحكمة إلى المادتين 100 و101 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021 بشأن إصدار قانون الجرائم والعقوبات.
وأوضحت أن المادة 100 تنظم كيفية تخفيف العقوبة في الجنح عند توافر العذر المخفف، بحسب طبيعة العقوبة المقررة قانوناً، ومن صور ذلك:
إذا كانت العقوبة الحبس والغرامة معاً، جاز للمحكمة الحكم بإحدى العقوبتين فقط.
وإذا كانت العقوبة الحبس غير المقيد بحد أدنى خاص، جاز للمحكمة الحكم بالغرامة بدلاً منه.
كما بينت المحكمة أن المادة 101 تجيز للمحكمة، إذا رأت في ظروف الجريمة أو ظروف مرتكبها ما يستدعي الرأفة، تخفيض العقوبة وفقاً للضوابط الواردة في المادة 100.
وبتطبيق ذلك على الدعوى، انتهت المحكمة إلى أن العقوبة المقررة لجريمة التسول وفق المادة 475 هي الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر والغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف درهم.
ولما كانت محكمة الاستئناف قد رأت أن ظروف الجريمة أو مرتكبيها تستدعي الرأفة، وطبقت البند الثاني من المادة 100، فإن اكتفاءها بالغرامة وإلغاء الحبس يكون متفقاً مع صحيح القانون.
3. مبدأ عدم جواز إضرار الطاعن بطعنه
أما بشأن تدبير الإبعاد، فقد ثبت للمحكمة أن الحكم الابتدائي لم يقضِ به، وأن المتهمين وحدهما هما من استأنفا ذلك الحكم، دون أن تستأنفه النيابة العامة.
واستندت المحكمة إلى المبدأ القانوني المستقر المتمثل في أن الطاعن لا يضار بطعنه.
وبناءً عليه، فإن الحكم الابتدائي يكون قد حاز قوة الأمر المقضي به بشأن عدم القضاء بتدبير الإبعاد، ولا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تقضي بهذا التدبير في الاستئناف المرفوع من المتهمين وحدهما، بما يؤدي إلى الإضرار بمركزهما القانوني نتيجة طعنهما.
خامساً: حكم المحكمة الاتحادية العليا
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى رفض طعن النيابة العامة، تأسيساً على سلامة تطبيق محكمة الاستئناف للقانون عند الاكتفاء بالغرامة، وعدم جواز القضاء بتدبير الإبعاد في ظل الظروف الإجرائية التي عرضتها الدعوى.
وبذلك أبقت المحكمة على النتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه، من إلغاء عقوبة الحبس والإبقاء على الغرامة، دون استحداث تدبير الإبعاد في الاستئناف الذي رفعه المتهمان وحدهما.
سادساً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل الأهمية القانونية لهذا الحكم في تأكيده مبدأين مهمين في تطبيق قانون الجرائم والعقوبات والإجراءات المتعلقة بالطعن في الأحكام.
المبدأ الأول: سلطة المحكمة في تخفيف العقوبة ليست سلطة مطلقة. بل تمارس في الحدود والضوابط التي رسمها القانون، مع مراعاة طبيعة العقوبة المقررة للجريمة والنصوص المنظمة للأعذار والظروف المخففة.
المبدأ الثاني: الطعن لا يجوز أن يتحول إلى سبب لتشديد المركز القانوني للطاعن. فإذا استأنف المتهم وحده الحكم الابتدائي، ولم تطعن النيابة العامة عليه، وجب مراعاة مبدأ عدم جواز إضرار الطاعن بطعنه، وفقاً لما قررته المحكمة في شأن تدبير الإبعاد في هذه القضية.
ويبرز الحكم كذلك أهمية التمييز بين تقدير المحكمة لظروف الرأفة، الذي يخضع للضوابط القانونية، وبين القيود الإجرائية التي تحكم سلطتها عند نظر الطعون.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1018 لسنة 2025 جزائي أن تطبيق العقوبة يجب أن يتم وفقاً للنصوص القانونية المنظمة لها، وأن توافر مقتضيات الرأفة في الجنحة قد يجيز للمحكمة الاكتفاء بإحدى العقوبتين إذا كانت العقوبة المقررة هي الحبس والغرامة معاً.
كما أكدت أن المتهم الذي يطعن وحده على الحكم لا يجوز أن يصبح طعنه سبباً للإضرار بمركزه القانوني، وهو ما يمنع القضاء بتدبير الإبعاد في الظروف الإجرائية التي تناولها الحكم.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1018 لسنة 2025 جزائي، جلسة 20 مايو 2025.
تنبيه قانوني: يعرض هذا المقال المبادئ الواردة في الحكم المرفق، ولا يغني عن الرجوع إلى النصوص التشريعية الرسمية بصيغتها النافذة وتعديلاتها عند تطبيقها على واقعة أخرى.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments