يُتهمان بالاحتيال بعد تأخرهما في رد المبلغ.. فهل يكفي التأخير لإثبات جريمة النصب؟ الطعنان رقما 1222 و1284 لسنة 2024 جزائي

Published on October 20, 2026 at 8:16 AM

هل يتحول الإخلال باتفاق مالي إلى جريمة نصب واحتيال لمجرد التأخر في تنفيذ الالتزام، حتى لو أعاد المتهمان المبلغ الذي تسلماه؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع الدعوى في اتهام شخصين بالاستيلاء على مال مملوك للمجني عليه، عن طريق إيهامه بقدرتهما على تسهيل حصوله على تمويل بنكي بقيمة ثلاثة ملايين درهم، مقابل مبلغ قدره عشرة آلاف درهم.

وبحسب ما ورد في الحكم، لم تُستكمل إجراءات المعاملة وفقاً للاتفاق، واستمرت المماطلة لأكثر من سبعة أشهر، الأمر الذي دفع المجني عليه إلى تقديم شكوى إلى حماية المستهلك، قبل أن يقوم المتهمان برد المبلغ الذي تسلماه.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت المحكمة الابتدائية ببراءة المتهمين، إلا أن النيابة العامة استأنفت الحكم، فقضت محكمة استئناف الشارقة الاتحادية بإلغاء حكم البراءة، ومعاقبة كل منهما بغرامة قدرها عشرة آلاف درهم، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات.

ولم يرتضِ المحكوم عليهما بهذا القضاء، فطعنا عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكا بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، وبأن النزاع في حقيقته مدني ناشئ عن اتفاق يتعلق بتمويل بنكي، وأن أركان جريمة النصب والاحتيال غير متوافرة، فضلاً عن إعادة كامل المبلغ وسند ذلك بإقرار براءة الذمة المقدم في الأوراق.

ثالثاً: المسألة القانونية

تتمثل المسألة القانونية في تحديد ما إذا كان مجرد التأخر في تنفيذ اتفاق مالي ورد المبلغ المستلم يكفي لإثبات جريمة النصب والاحتيال، أم أن الإدانة تستلزم إثبات استعمال طرق احتيالية تتجاوز مجرد الأقوال والادعاءات الكاذبة، مع التحقق من اتجاه نية المتهم إلى الاستيلاء على المال والإضرار بصاحبه.

رابعاً: المبدأ القانوني الذي قررته المحكمة

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن جريمة النصب، وفقاً للمادة (451) من قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي، لا تتحقق بمجرد صدور أقوال أو ادعاءات كاذبة، مهما بالغ قائلها في تأكيد صحتها، بل يجب أن يكون الكذب مصحوباً بأعمال مادية خارجية من شأنها حمل المجني عليه على الاعتقاد بصحته، أو أن تتحقق إحدى الصور الأخرى التي حددها القانون.

كما أكدت المحكمة أن مجرد التأخر في الوفاء بالالتزام لا يكفي وحده لقيام جريمة الاحتيال، بل يتعين استجلاء اتجاه نية الجاني إلى إضافة المال إلى ملكه واختلاسه لنفسه إضراراً بصاحبه.

وشددت كذلك على أن الدفاع المتعلق بمدنية النزاع وانتفاء أركان الجريمة يُعد دفاعاً جوهرياً متى كان من شأنه، إذا صح، أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، بما يوجب على المحكمة بحثه والرد عليه بأسباب سائغة.

خامساً: أسباب نقض الحكم

رأت المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم المطعون فيه استند في الإدانة إلى مماطلة المتهمين في تنفيذ المعاملة وتأخرهما في رد المبلغ، دون أن يستجلي على نحو كافٍ اتجاه نيتهما إلى اختلاس المال والإضرار بصاحبه.

كما أن الحكم لم يمنح دفاع المتهمين بشأن الطبيعة المدنية للنزاع وانتفاء أركان جريمة النصب والاحتيال ما يستحقه من بحث وتمحيص، رغم جوهريته وإمكان تأثيره في النتيجة.

وانتهت المحكمة إلى أن الحكم شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، بما يوجب نقضه والإحالة.

سادساً: منطوق الحكم

قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة، تأسيساً على القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

سابعاً: الفائدة القانونية

تتمثل الفائدة القانونية للحكم في ضرورة التمييز بين الإخلال بالالتزامات التعاقدية وبين السلوك الذي تتوافر فيه أركان جريمة النصب والاحتيال.

فالتأخر في تنفيذ اتفاق أو رد مبلغ مالي لا يكفي بذاته لإثبات الاحتيال، كما أن رد المبلغ لاحقاً لا يُعد، بمفرده، دليلاً قاطعاً على انتفاء الجريمة. وإنما يتعين على المحكمة فحص ظروف الواقعة والأدلة المطروحة، وبيان الطرق الاحتيالية التي استُعملت، والتحقق من توافر القصد الجنائي، مع الرد على أوجه الدفاع الجوهرية.

ويؤكد الحكم أن الإدانة الجزائية لا يجوز أن تقوم على مجرد عدم الوفاء بالتزام مالي، دون استظهار العناصر القانونية اللازمة لقيام الجريمة، وأن تسبيب الحكم والرد على الدفاع الجوهري ضمانتان أساسيتان لصحة القضاء الجزائي.

الخلاصة: ليس كل إخلال باتفاق مالي جريمة نصب، وإنما يتحدد الوصف القانوني بحسب حقيقة الوقائع والأدلة ومدى توافر أركان الجريمة. كما لا يجوز إغفال دفاع جوهري قد يؤدي ثبوته إلى تغيير وجه الرأي في الدعوى.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعنان رقما 1222 و1284 لسنة 2024 جزائي، جلسة 20 مايو 2025.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعنان رقما 1222 ، 1284 لسنة 2024 جزائي Docx Pdf

PDF – 161.5 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.