هل يجوز الحكم بعدم قبول الاستئناف لعدم إيداع التأمين رغم أن نظام المحكمة الإلكتروني لم يطلب سداده؟
دراسة المحامية نادية خالد
المقدمة
تثير إجراءات الطعن في الأحكام القضائية إشكاليات عملية تتعلق بمدى التزام المتقاضي بالمتطلبات الشكلية التي يفرضها القانون، وحدود مسؤوليته عن استكمال الرسوم والتأمينات القضائية عند تقديم الطعن إلكترونياً. وقد تناولت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسألة في الطعن رقم 500 لسنة 2025 مدني، مؤكدةً أهمية التمييز بين الحالات التي يوجب فيها القانون إيداع التأمين، وبين الحالة التي لا تُقدَّر فيها الدعوى بقيمة مالية ولا يُشعَر فيها الطاعن إلكترونياً بسداد ذلك التأمين.
أولاً: وقائع الدعوى
تتلخص وقائع النزاع في إقامة المدعي دعوى أمام المحكمة الابتدائية، طالب فيها بالتحقيق في واقعة تزوير مدعى بها في شهادة ميلاد، وبطلان المحرر وردّه للتزوير، على خلفية منازعة تتعلق بإنكار واقعة الزواج والنسب.
وفي المقابل، أقام المدعى عليه دعوى متقابلة طالب فيها بالتعويض عن الأضرار الأدبية التي لحقت به نتيجة تكرار إنكار واقعة زواج والده من والدته ونسبه إلى أخيه.
وبتاريخ 23 يناير 2025، قضت المحكمة الابتدائية برفض الدعوى الأصلية، وبإلزام المدعى عليه تقابلاً بأن يؤدي للمدعي تقابلاً تعويضاً أدبياً قدره 20,000 درهم.
ثانياً: الإجراءات القضائية
طعن المحكوم عليه في الحكم أمام محكمة الاستئناف، إلا أن المحكمة قضت بتاريخ 17 أبريل 2025 بعدم قبول الاستئناف لعدم إيداع التأمين المنصوص عليه في المادة 160 من قانون الإجراءات المدنية، وقدره 2,000 درهم.
ولم يرتضِ الطاعن بهذا القضاء، فطعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكاً بأنه سجل استئنافه إلكترونياً خلال الميعاد القانوني، وسدد الرسوم التي حددها النظام الإلكتروني، وأن رابط الدفع الذي أُرسل إليه لم يتضمن خانة لسداد التأمين محل النزاع.
ثالثاً: الإشكالية القانونية
هل يجوز الحكم بعدم قبول الاستئناف لعدم إيداع التأمين المقرر بالمادة 160 من قانون الإجراءات المدنية، رغم أن الدعوى غير مقدرة القيمة، وأن الطاعن اتبع إجراءات التسجيل الإلكتروني والتزم بالمبالغ التي طلب منه النظام سدادها؟
رابعاً: الأساس القانوني الذي اعتمدته المحكمة
استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى أحكام المادتين 159 و160 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية.
فالمادة 159 تنظم حق الخصوم في استئناف الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الابتدائية، وتحدد نطاق نهائية الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف بحسب قيمة الدعوى، وفق النص الوارد في الحكم.
أما المادة 160، فقد نظمت حالات استئناف الأحكام والقرارات الصادرة في حدود النصاب الانتهائي، ومن بينها مخالفة قواعد الاختصاص المتعلقة بالنظام العام، أو وقوع بطلان في الحكم أو الإجراءات أثر فيه، أو صدور الحكم على خلاف حكم سابق لم يحز قوة الأمر المقضي. كما نصت على إيداع تأمين قدره 2,000 درهم في الحالات التي تنطبق عليها أحكامها.
وأوضحت المحكمة أن إجراءات الاستئناف الإلكتروني تمر بمراحل تبدأ بتقديم الطلب، ثم تدقيقه والموافقة على تسجيله، وإخطار الطاعن بالرسوم المستحقة وفتح بوابة الدفع الإلكتروني، ثم قيد الطعن وتسجيل تاريخه وإعلام الطاعن بالجلسة المحددة.
خامساً: مبدأ المحكمة بشأن ضمانات الأحكام القضائية
أكدت المحكمة أن الأحكام القضائية يجب أن تستوفي الضمانات التي أوجبها القانون، ومنها بيان أسباب الحكم وطلبات الخصوم وقيمة الدعوى ونوعها وتكييفها، والرد على الدفوع الجوهرية بما يكفي لحمل القضاء الذي انتهت إليه المحكمة.
كما قررت أن مجرد ترديد عبارة مخالفة القانون لا يكفي لتسبيب الحكم، ما لم يُبيَّن وجه المخالفة والأساس القانوني الذي تقوم عليه.
وأشارت كذلك إلى أن تقدير الدعوى يرتبط بالطلبات والمصلحة القانونية التي يسعى الخصم إلى تحقيقها، ولا يكون تقديرها متروكاً لمشيئة المحكمة إلا في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك، ومنها الارتياب في صحة التقدير.
سادساً: لماذا نقضت المحكمة الحكم؟
رأت المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم الاستئنافي أخطأ في تطبيق القانون عندما قضى بعدم قبول الاستئناف لعدم إيداع التأمين، رغم أن الدعوى غير مقدرة القيمة وفقاً لما استخلصته المحكمة من التشريع والنظام الإلكتروني المعمول به، ورغم عدم إشعار الطاعن إلكترونياً بسداد ذلك التأمين.
وثبت للمحكمة أن الطاعن سجل استئنافه إلكترونياً خلال الميعاد القانوني، والتزم بالرسوم المحددة له من خلال النظام الإلكتروني.
ومن ثم، فإن تحميله نتيجة عدم إيداع مبلغ لم يُطلب منه سداده عبر النظام المعمول به، في ظروف الدعوى المعروضة، لا يتفق مع التطبيق الصحيح للقانون.
وانتهت المحكمة إلى أن الحكم المطعون فيه خالف القواعد الإجرائية الآمرة المتعلقة بتنظيم التقاضي وقواعد العدالة، بما يوجب نقضه مع الإحالة.
سابعاً: منطوق الحكم
قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه، وإحالة القضية، تأسيساً على الخطأ في تطبيق القانون بشأن عدم قبول الاستئناف لعدم إيداع التأمين.
ثامناً: الفائدة القانونية والعملية
تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيد ضرورة مراعاة طبيعة الدعوى وإجراءات تسجيل الطعن الإلكتروني عند الفصل في مدى استيفاء متطلبات الاستئناف.
وعملياً، ينبغي للمحامي عند تقديم الاستئناف الاحتفاظ بإشعارات التسجيل والموافقة على الطلب، وإثبات سداد الرسوم المطلوبة، والاحتفاظ برابط الدفع الإلكتروني وما يظهر فيه من مبالغ وخيارات للسداد، حتى يمكن الرجوع إليها عند نشوء نزاع بشأن استيفاء الإجراءات.
كما يجب التحقق من انطباق المادة 160 على الحالة المعروضة، وعدم تعميم الحكم على جميع الاستئنافات؛ إذ إن المحكمة عالجت واقعة محددة ارتبطت بعدم تقدير الدعوى بالقيمة، وعدم إشعار الطاعن بسداد التأمين، والتزامه بالإجراءات الإلكترونية والميعاد القانوني.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن تطبيق المتطلبات الشكلية لقبول الطعن يجب أن يكون في حدود ما يوجبه القانون وما تقتضيه الإجراءات المعمول بها. وفي النزاع محل الحكم، لم يكن عدم إيداع التأمين سبباً صحيحاً للحكم بعدم قبول الاستئناف، في ظل عدم تقدير الدعوى بالقيمة وعدم إشعار الطاعن إلكترونياً بسداده، مع التزامه بالتسجيل والرسوم المطلوبة خلال الميعاد القانوني.
بيانات الحكم
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا – الدائرة المدنية.
رقم الطعن: 500 لسنة 2025 مدني.
تاريخ الجلسة: 24 سبتمبر 2025.
التشريع محل التطبيق: المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، وبوجه خاص المادتان 159 و160.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments