تسقط لوحة إعلانية على امرأة فتُصاب بعاهة مستديمة.. هل تعفي القوة القاهرة المسؤول عن التعويض؟ الطعن رقم 551 لسنة 2025 مدني

Published on October 20, 2026 at 9:18 AM

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية

هل تكفي القوة القاهرة للإعفاء من التعويض؟ المحكمة الاتحادية العليا تحسم مسؤولية سقوط لوحة إعلانية وإصابة امرأة

هل يستطيع المسؤول عن تركيب لوحة إعلانية أن يتخلص من مسؤوليته المدنية بحجة وجود سبب أجنبي أو قوة قاهرة، إذا سقطت اللوحة على أحد الأشخاص وأصابته بأضرار جسدية؟ وهل يكفي التمسك بالقوة القاهرة لنفي المسؤولية، أم يتعين إثبات أن الحادث كان غير متوقع ويستحيل دفعه، وأنه السبب الوحيد في وقوع الضرر؟

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسائل في حكمها الصادر في الطعن رقم 551 لسنة 2025 مدني، بجلسة 24 سبتمبر 2025، مؤكدة أن تقدير قيام القوة القاهرة من عدمه يدخل في سلطة محكمة الموضوع، متى أقامت استخلاصها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق، وأن ثبوت خطأ المسؤول في عدم تثبيت اللوحة الإعلانية، وكون هذا الخطأ السبب المباشر في الإصابة، يحول دون قبول الدفع بالقوة القاهرة متى لم يثبت قيامها وتأثيرها في وقوع الضرر.

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع الدعوى في أن امرأة أقامت دعوى مدنية طالبت فيها بإلزام المدعى عليهما بالتضامن بأن يؤديا لها مبلغ ثلاثة ملايين درهم تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها، مع إلزامهما بالمصاريف.

وأوضحت المدعية أنها كانت برفقة ابنتها بعد مشاركتها في فعاليات أُقيمت في مقر إحدى الجهات، وعند خروجهما من مقر السباق سقطت على ساقها اليمنى لوحة إعلانية موضوعة أمام مضمار السباق وتحمل اسم وشعار إحدى المدعى عليهما.

وأرجعت المدعية الحادث إلى عدم اتخاذ الاحتياطات والإجراءات اللازمة لتثبيت اللوحة الإعلانية بالطريقة الصحيحة، الأمر الذي أدى إلى سقوطها وإصابتها بكسر في أسفل الساق اليمنى وكسر متحرك بالكعب الجانبي للشظية اليمنى.

كما أشارت إلى أنها تقدمت ببلاغ جزائي قُيد برقم 239 لسنة 2023 جزائي، إلا أنه حُفظ بسبب إعفاء الجهة الحكومية من التجريم وفق الاستثناء الوارد بالمادة 66 من قانون الجرائم والعقوبات، بحسب ما ورد في الحكم.

وأضافت المدعية أنها تكبدت نفقات علاجية باهظة، وعانت آلاماً جسدية وأضراراً معنوية أثرت في حياتها والتزامها بالعمل، وقدمت تأييداً لدعواها تقاريرها الطبية والفواتير العلاجية.

ثانياً: الإجراءات القضائية

1. أمام محكمة أول درجة

بتاريخ 21 نوفمبر 2024، قضت محكمة البداية برفض الدعوى.

2. أمام محكمة الاستئناف

لم ترتضِ المدعية بالحكم، فطعنت عليه بالاستئناف. وبتاريخ 13 فبراير 2025، أصدرت محكمة الاستئناف حكماً تمهيدياً بندب طبيب شرعي لفحص إصابات المدعية وبيان آثارها.

وانتهى تقرير الخبرة الطبية إلى أن المدعية تعرضت لإصابة رضية بأسفل الساق اليمنى، عولجت بدايةً تحفظياً، ثم خضعت لعملية جراحية تضمنت التصليح المفتوح والتثبيت الداخلي للكسر باستخدام شريحة معدنية ومسامير، مع متابعة العلاج الطبيعي.

كما أثبت التقرير وجود إعاقة متوسطة في عموم حركات مفصل الكاحل الأيمن، مصحوبة بتورم وألم موضعي مزمن، واعتبرها عاهة مستديمة قُدّر العجز الناتج عنها بنسبة 20% من القدرة الكلية للطرف السفلي الأيمن.

وبتاريخ 30 أبريل 2025، قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف، وبإلزام الطاعن بأن يؤدي للمدعية مبلغ 80,000 درهم تعويضاً جابراً للأضرار التي لحقت بها.

3. أمام المحكمة الاتحادية العليا

طعن المحكوم عليه على حكم الاستئناف بالنقض، ناعياً عليه الخطأ في تطبيق القانون وتأويله، ومخالفة الثابت بالأوراق، وفساد الاستدلال، والقصور في التسبيب، والإخلال بحق الدفاع.

وتمسك بانتفاء أركان المسؤولية المدنية في حقه، مستنداً إلى وجود السبب الأجنبي والقوة القاهرة، وطالب بنقض الحكم الصادر بالتعويض.

ثالثاً: المسألة القانونية محل البحث

تمثلت المسألة القانونية الجوهرية في مدى توافر شروط القوة القاهرة أو السبب الأجنبي الذي يمكن أن ينفي العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، ويترتب عليه انتفاء المسؤولية المدنية.

كما تمثلت في حدود سلطة محكمة الموضوع في تقدير ما إذا كان الحادث يشكل قوة قاهرة أو حادثاً استثنائياً، وفي مدى كفاية الأسباب التي يستند إليها الحكم لإثبات الخطأ وعلاقته المباشرة بالضرر.

رابعاً: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة

استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، وإلى المادتين 249 و273/1 من قانون المعاملات المدنية، في بيان الأحكام المتعلقة بالحوادث الاستثنائية العامة والقوة القاهرة وآثارها القانونية.

1. الحوادث الاستثنائية العامة والظروف الطارئة

أوضحت المحكمة أن الحوادث الاستثنائية العامة التي لم يكن في الوسع توقعها عند التعاقد، والتي يترتب عليها أن يصبح تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين ويهدده بخسارة فادحة، قد تجيز للقاضي، بحسب الظروف وبعد الموازنة بين مصالح الطرفين، رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول وفقاً لمقتضيات العدالة.

ويشترط لذلك أن تكون الحوادث استثنائية وغير متوقعة، وأن يترتب عليها إرهاق جسيم في تنفيذ الالتزام، ولا يكفي مجرد وقوع صعوبات عادية أو ظروف كان من الممكن توقعها.

2. القوة القاهرة واستحالة التنفيذ

قررت المحكمة أن القوة القاهرة التي تؤدي إلى انقضاء الالتزام المقابل وانفساخ العقد في العقود الملزمة للجانبين، وفقاً للمادة 273/1 من قانون المعاملات المدنية، تفترض أن يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً بسبب حادث غير متوقع الحصول وقت التعاقد ويستحيل دفعه أو درء نتائجه.

وأشارت إلى أمثلة للحوادث التي قد تتوافر فيها هذه الشروط، ومنها الحروب والزلازل والحرائق والفيضانات والعواصف والكوارث الطبيعية، بحسب ظروف كل واقعة.

وإذا كانت القوة القاهرة هي السبب الوحيد في وقوع الضرر، انتفت العلاقة السببية ولم تتحقق المسؤولية على هذا الأساس.

3. سلطة محكمة الموضوع في تقدير القوة القاهرة

أكدت المحكمة أن تقدير ما إذا كان الحادث يشكل قوة قاهرة أم لا، هو من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، بشرط أن يكون استخلاصها سائغاً، وله أصل ثابت في الأوراق، وكافياً لحمل قضائها.

وبالتالي، فإن مجرد ادعاء القوة القاهرة لا يكفي بذاته للإعفاء من المسؤولية، بل يتعين أن تؤيد الوقائع والأدلة هذا الادعاء، وأن تكون النتيجة التي انتهت إليها المحكمة قائمة على أسباب مقبولة قانوناً.

خامساً: أسباب رفض الطعن

رفضت المحكمة الاتحادية العليا النعي الموجه إلى حكم الاستئناف، بعدما تبين لها أن الحكم المطعون فيه أحاط بوقائع الدعوى، واستعرض الأدلة المقدمة فيها، وناقش دفوع الطرفين إيراداً ورداً.

واستخلصت محكمة الاستئناف، وفق ما أقرته المحكمة الاتحادية العليا، أن الطاعن أخفق في تثبيت اللوحة الإعلانية التي سقطت على المدعية، وأن هذا الخطأ كان السبب الرئيسي والمباشر والمنتج للضرر.

كما لم يثبت قيام حوادث استثنائية عامة أو قوة قاهرة أو حادث فجائي مؤثر يفسر وقوع الإصابة على نحو ينفي مسؤولية الطاعن.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن الأسباب التي أقام عليها الحكم قضاءه بالتعويض لها أصلها الثابت في الأوراق، وتكفي لحمل النتيجة التي انتهى إليها، وأن ما أثاره الطاعن لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في فهم الواقع ووزن الأدلة وتقدير أركان المسؤولية المدنية، وهي مسائل تدخل في سلطة محكمة الموضوع متى مارستها في الحدود القانونية.

وانتهت المحكمة إلى رفض الطعن بجميع محاوره.

سادساً: المبدأ القانوني المستفاد من الحكم

يستفاد من هذا الحكم أن التمسك بالقوة القاهرة لا يؤدي تلقائياً إلى الإعفاء من المسؤولية المدنية، وإنما يتوقف أثره على توافر شروطه القانونية وثبوت تأثيره في الواقعة محل النزاع.

فإذا ثبت أن الضرر نتج مباشرة عن خطأ يتمثل في عدم اتخاذ التدابير اللازمة لتثبيت لوحة إعلانية، ولم يثبت قيام قوة قاهرة أو حادث استثنائي مؤثر، جاز للمحكمة ترتيب المسؤولية المدنية والتعويض عن الضرر متى توافرت بقية أركان المسؤولية.

كما يؤكد الحكم أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة وتحديد مدى قيام القوة القاهرة والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر، ولا يُقبل النعي على استخلاصها متى كان سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

سابعاً: الفائدة القانونية والتطبيق العملي

تظهر أهمية هذا الحكم في المنازعات الناشئة عن الحوادث التي تصيب الأشخاص نتيجة عدم تأمين المنشآت أو المعدات أو اللوحات الإعلانية أو غيرها من الأشياء التي تستلزم اتخاذ تدابير السلامة المناسبة.

ففي دعاوى التعويض، لا يكفي إثبات وقوع الإصابة وحده، بل يتعين بحث الخطأ والضرر والعلاقة السببية، مع تقييم أي دفع بوجود سبب أجنبي أو قوة قاهرة في ضوء ظروف الحادث والأدلة المقدمة.

ومن الناحية العملية، تبرز أهمية الاحتفاظ بالتقارير الطبية والفواتير العلاجية والصور والتسجيلات المتاحة وشهادات الشهود والمستندات المتعلقة بتركيب اللوحة وصيانتها وتثبيتها، بحسب ما يتصل بموضوع النزاع، لإثبات الواقعة وتحديد مصدر الخطأ ومدى ارتباطه بالضرر.

ويبين الحكم كذلك أن تقدير التعويض يرتبط بالأضرار التي تثبت أمام المحكمة، وأن تقارير الخبرة الطبية قد تؤدي دوراً مهماً في بيان طبيعة الإصابة وآثارها والعجز المستديم الناشئ عنها.

الخلاصة: لا يكفي وصف الحادث بأنه قوة قاهرة لنفي المسؤولية المدنية. العبرة بثبوت شروط القوة القاهرة وأثرها في الواقعة، وبما تستخلصه محكمة الموضوع من الأدلة بشأن الخطأ والضرر والعلاقة السببية. وفي هذه القضية، ثبت أن عدم تثبيت اللوحة الإعلانية كان السبب المباشر للإصابة، ولم يثبت وجود قوة قاهرة مؤثرة، فاستقر قضاء التعويض ورفضت المحكمة الاتحادية العليا الطعن.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 551 لسنة 2025 مدني، جلسة 24 سبتمبر 2025.

تنبيه توثيقي: تستند هذه الدراسة إلى نص الحكم المرفق. وقد عُرضت المبادئ القانونية في حدود ما ورد فيه، دون افتراض وقائع أو مستندات إضافية غير واردة بالحكم.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 551 لسنة 2025 مدني Docx Pdf

PDF – 168.3 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.