يفصل في مخالفات الموظف العام رغم حسن نيته.. الطعن رقم 788 لسنة 2025 إداري

Published on October 20, 2026 at 9:25 AM

هل تعفي حسن النية الموظف العام من المسؤولية التأديبية عن مخالفاته الوظيفية؟

دراسة المحامية نادية خالد

أولاً: المبدأ القانوني الذي قررته المحكمة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المسؤولية التأديبية للموظف العام تقوم على ثبوت خطأ شخصي يشكل إخلالاً بواجبات الوظيفة أو خروجاً على مقتضياتها، وأن حسن النية لا يعفي الموظف من المسؤولية متى ثبت ارتكابه المخالفة، سواء نشأت عن العمد أو الإهمال.

كما قررت المحكمة أن توقيع الجزاء التأديبي يستلزم إجراء تحقيق إداري جدي يكفل للموظف حق مواجهة الاتهامات المنسوبة إليه وتحقيق دفاعه، وأن سلطة الإدارة في تقدير الجزاء تخضع لرقابة القضاء للتحقق من عدم وجود غلو أو عدم تناسب ظاهر بين المخالفة والجزاء.

ثانياً: وقائع الحكم

تتلخص وقائع الطعن في أن الموظف كان يشغل، خلال فترة المخالفات محل المساءلة، وظيفة المدير التنفيذي للخدمات المساندة بالندب، إلى جانب عمله مديراً لإدارة تقنية المعلومات لدى الجهة الإدارية المطعون ضدها.

وعقب تشكيل لجنة لدراسة أسباب المخالفات وحيثياتها، خضع الموظف للتحقيق بشأن مجموعة من التجاوزات الإدارية والمالية المتعلقة بإدارة العقود والمشتريات والصرف من الميزانية والتقيد بالصلاحيات المعتمدة والالتزام بأخلاقيات الوظيفة العامة.

وقد انتهت الجهة الإدارية إلى ثبوت مخالفات وصفت بالجسامة، وأصدرت قراراً بإنهاء خدمة الموظف. ولم يرتضِ الموظف هذا القرار، فطعن عليه أمام القضاء، إلا أن دعواه رُفضت، ثم طعن على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا.

ثالثاً: المخالفات الوظيفية محل النزاع

استعرضت المحكمة المخالفات التي استندت إليها الجهة الإدارية في إصدار قرار إنهاء الخدمة، ومن أبرزها:

1. مخالفات التعاقد والمشتريات: التعاقد بالأمر المباشر دون استيفاء الشروط المقررة للتعاقد مع المصدر الوحيد أو الحصري، وتجزئة العقود بالمخالفة للضوابط المنظمة للمشتريات الحكومية.

2. تجاوز الصلاحيات المالية: اعتماد أو صرف دفعات تعاقدية على نحو يتعارض مع منظومة الصلاحيات المعتمدة لدى الجهة الإدارية.

3. إصدار شهادات الإنجاز: إصدار شهادات إنجاز دون التأكد من تحقق مخرجات العقود ومطابقتها للمواصفات المتفق عليها.

4. المصروفات التشغيلية والمالية: تحميل ميزانية الدولة مصروفات تشغيلية غير معتمدة، وعدم اتباع الإجراءات المالية المقررة لتسوية السلف النثرية وبطاقات الائتمان، والصرف على بعض المكافآت والأعمال التشغيلية دون الالتزام بالضوابط المعمول بها.

5. استخدام الأنظمة المالية: السماح لبعض الموظفين باستخدام حسابات موظفين آخرين في نظام وزارة المالية بدلاً من استخراج التصاريح المؤقتة المقررة.

6. التخطيط المالي: عدم مطالبة المدير المالي بوضع خطة للصرف وإعادة ترتيب الأولويات، رغم وجود فوائض في الميزانية التشغيلية خلال السنوات من 2021 إلى 2023، مع طلب مبالغ إضافية لتغطية العجز خلال عام 2023.

واستندت الجهة الإدارية في قرارها إلى نتائج التحقيق وتوصيات لجنة تقصي الحقائق وما ورد من جهاز الإمارات للمحاسبة، ولم يقدم الطاعن، وفق ما أثبته الحكم، دليلاً يدحض المخالفات المنسوبة إليه.

رابعاً: الإجراءات القضائية وأسباب الطعن

تمسك الطاعن أمام المحكمة الاتحادية العليا بعدة أسباب، تمثلت في عدم التحقيق معه على النحو الذي يتطلبه القانون، وانتفاء السبب الذي يقوم عليه القرار الإداري، وعدم صحة المخالفات المنسوبة إليه.

كما دفع بعدم اختصاص مصدر قرار إنهاء الخدمة، تأسيساً على أن القرار كان يجب أن يصدر عن مجلس الوزراء، وببطلان التحقيق لعدم إجرائه في ديوان عام المحاسبة، فضلاً عن النعي على الحكم لإغفاله طلب ندب خبير.

وكان جوهر النزاع يتمثل في مدى مشروعية قرار إنهاء الخدمة، ومدى توافر الضمانات القانونية للتحقيق التأديبي، وحدود سلطة الجهة الإدارية في تقدير المخالفة والجزاء المناسب لها.

خامساً: الأساس القانوني الذي اعتمدته المحكمة

1. المسؤولية التأديبية مسؤولية شخصية

قررت المحكمة أن المسؤولية التأديبية لا تقوم لمجرد شغل الموظف وظيفة معينة أو وقوع خلل داخل الجهة الإدارية، وإنما يتعين إسناد فعل محظور أو امتناع مخالف للواجبات إلى موظف محدد، مع تحديد المخالفة بصورة دقيقة تسمح بمساءلته عنها.

ويترتب على ذلك ضرورة إثبات الخطأ المنسوب إلى الموظف، وعدم تحميله مسؤولية أخطاء لا تثبت نسبتها إليه.

2. حسن النية لا ينفي الخطأ التأديبي

أكدت المحكمة أن الدقة والأمانة من أهم واجبات الموظف العام، وأن عليه أداء العمل المكلف به بعناية الموظف الحريص، مع الالتزام بالقانون والتعليمات المنظمة للعمل وحدود الصلاحيات الممنوحة إليه.

ولا يكفي التمسك بحسن النية لنفي المسؤولية التأديبية إذا ثبت الإخلال بهذه الواجبات؛ فالخطأ التأديبي قد يتحقق بالعمد كما يتحقق بالإهمال.

والغاية من ذلك هي ضمان حسن سير المرفق العام بانتظام واطراد، والمحافظة على مشروعية التصرفات الإدارية والمالية.

3. التحقيق الإداري ضمانة جوهرية قبل توقيع الجزاء

استند الحكم إلى المادة (103) من اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون اتحادي رقم (49) لسنة 2022 بشأن الموارد البشرية في الحكومة الاتحادية، مقرراً أن توقيع الجزاء الإداري يقتضي إجراء تحقيق مع الموظف، تتاح له خلاله فرصة سماع أقواله وتحقيق دفاعه.

وأوضح الحكم أن التحقيق يجب أن يكون جدياً ومكتوباً، وأن يقوم على ضمانتين أساسيتين:

  • مواجهة الموظف بالأفعال والمخالفات المنسوبة إليه وبالأدلة التي تثبتها.

  • تمكينه من تقديم دفاعه والتحقق منه بما يسمح بتحديد مدى مسؤوليته عن المخالفة.

ويؤدي الإخلال بهاتين الضمانتين، أو بإحداهما، إلى بطلان التحقيق وعدم صلاحيته أساساً لتوقيع الجزاء.

4. سلطة الإدارة في اختيار الجزاء ليست مطلقة

أقرت المحكمة بأن للجهة الإدارية سلطة تقدير جسامة المخالفة الوظيفية والجزاء الذي يناسبها، إلا أن هذه السلطة ليست بمنأى عن الرقابة القضائية.

وتتدخل الرقابة القضائية عند وجود غلو في تقدير الجزاء، يتمثل في عدم التناسب الظاهر بين خطورة المخالفة ونوع الجزاء أو مقداره.

وبالتالي، فإن مشروعية القرار التأديبي تستلزم ثبوت المخالفة، وصحة استخلاصها من الوقائع والأدلة، وتناسب الجزاء معها.

5. اختصاص إصدار قرار إنهاء الخدمة

استندت المحكمة إلى المادتين (38) و(39) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (49) لسنة 2022، والمادتين (109) و(147) من لائحته التنفيذية، بشأن انتهاء خدمة الموظف بسبب المخالفة الإدارية والسلطة المختصة بإصدار القرار.

وانتهت إلى أن الطاعن لم يكن يشغل وظيفة مدير تنفيذي وقت صدور قرار إنهاء الخدمة، بل كان يشغل وظيفته الأصلية مديراً لإدارة تقنية المعلومات؛ ولذلك لم ينطبق عليه الحكم الخاص باشتراط صدور القرار من مجلس الوزراء.

واعتبرت المحكمة أن القرار صدر عن رئيس الجهة الاتحادية المختص، وفق النصوص القانونية المنظمة لاختصاصات الجهة المعنية.

6. عدم إجراء التحقيق في ديوان المحاسبة لا يؤدي تلقائياً إلى بطلانه

رفضت المحكمة الدفع ببطلان التحقيق لمجرد عدم إجرائه داخل ديوان عام المحاسبة، إذ تبين لها أن الجهة الإدارية أجرت التحقيق، وأنه استوفى مقومات التحقيق الإداري، ثم راجعه الديوان ووافق عليه.

واستندت المحكمة في ذلك إلى أن المشرع لم يرتب البطلان على مجرد عدم إجراء التحقيق في مقر الديوان، ما دام التحقيق قد أُجري وفق الضمانات المطلوبة وخضع للمراجعة اللازمة.

7. سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة وطلب الخبرة

أكدت المحكمة أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم وقائع الدعوى وتقدير الأدلة والقرائن واستخلاص الحقيقة منها، متى أقامت حكمها على أسباب سائغة تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها.

كما قررت أن المحكمة غير ملزمة بالاستجابة إلى طلب ندب خبير متى كانت أوراق الدعوى قد استوفت الغاية المطلوبة، وكان ما قدم فيها كافياً لتكوين عقيدتها بشأن المسؤولية عن المخالفات.

سادساً: حكم المحكمة الاتحادية العليا

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى عدم قبول الطعن في غرفة المشورة، بعد أن تبين لها أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أسباب سائغة، وأن قرار إنهاء الخدمة استند إلى مخالفات إدارية ثابتة من واقع التحقيق والأوراق.

ورفضت المحكمة ما أثاره الطاعن بشأن عدم التحقيق معه، وانتفاء سبب القرار، وعدم اختصاص مصدره، وبطلان التحقيق لعدم إجرائه في ديوان عام المحاسبة، كما رفضت النعي المتعلق بإغفال طلب ندب خبير.

واعتبرت أن بقية أسباب الطعن لا تعدو أن تكون جدلاً في سلطة محكمة الموضوع في فهم الواقع وتقدير الأدلة، وهي مسائل لا تمتد إليها رقابة المحكمة الاتحادية العليا متى كان استخلاص الحكم سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

سابعاً: الفائدة القانونية من الحكم

تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده أن الوظيفة العامة ترتب التزامات قانونية ومهنية لا يكفي للوفاء بها مجرد حسن النية، بل يتعين على الموظف الالتزام بالقوانين والتعليمات والصلاحيات المعتمدة، والتحقق من سلامة الإجراءات التي يتخذها، لا سيما في المسائل المالية والتعاقدية.

كما يوضح الحكم أن سلامة القرار التأديبي لا تتوقف على ثبوت المخالفة وحدها، وإنما تستلزم أيضاً إجراء تحقيق مستوفٍ للضمانات القانونية، وصدور القرار عن السلطة المختصة، ومراعاة التناسب بين المخالفة والجزاء.

ومن الناحية العملية، يبرز الحكم أهمية توثيق الإجراءات والموافقات المالية والتعاقدية، والالتزام بمصفوفة الصلاحيات، والإبلاغ كتابةً عن أي توجيه مخالف للقواعد المنظمة للعمل، مع الاحتفاظ بما يثبت ذلك.

وفي المقابل، فإن الموظف الذي يطعن على قرار تأديبي يتعين عليه أن يحدد أوجه عدم المشروعية بدقة، وأن يقدم ما يدعم دفاعه بشأن نسبة المخالفة إليه أو سلامة التحقيق أو اختصاص مصدر القرار أو تناسب الجزاء.

ثامناً: الخلاصة

رسخت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 788 لسنة 2025 إداري مبدأً مهماً مؤداه أن حسن نية الموظف العام لا تعفيه من المسؤولية التأديبية متى ثبت إخلاله بواجبات الوظيفة، وأن الإهمال قد يشكل خطأً تأديبياً شأنه شأن العمد.

وفي الوقت ذاته، أكد الحكم ضرورة احترام ضمانات التحقيق الإداري، واختصاص الجهة التي تصدر قرار إنهاء الخدمة، وخضوع الجزاء للرقابة القضائية من حيث مشروعيته وتناسبه مع المخالفة.

بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا – الطعن رقم 788 لسنة 2025 إداري – جلسة 24 سبتمبر 2025.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 788 لسنة 2025 إداري Docx Pdf

PDF – 189.6 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.