يتجاهل دفاع الأب عن عجزه المالي فيُقضى بنقض الحكم لقصور التسبيب | الطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية

Published on October 20, 2026 at 9:35 AM

هل يجوز زيادة نفقة الأبناء وإلزام الأب بتجديد إقاماتهم دون بحث قدرته المالية؟

الطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية – المحكمة الاتحادية العليا – جلسة 7 يوليو 2025

دراسة المحامية نادية خالد

مقدمة: متى يتحول إغفال دفاع الخصم إلى سبب لنقض الحكم؟

هل يكفي أن تقتنع محكمة الموضوع بطلبات أحد الخصوم حتى يكون حكمها صحيحاً، أم يتعين عليها أن تبحث دفاع الطرف الآخر متى كان من شأنه التأثير في النتيجة التي تنتهي إليها؟

يؤكد حكم المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية أن تسبيب الأحكام لا يتحقق بمجرد إعلان المحكمة اطمئنانها إلى ما انتهت إليه، بل يجب أن يكشف الحكم عن إحاطتها بوقائع الدعوى وأدلتها، وتمحيصها أوجه الدفاع الجوهرية، والرد عليها رداً كافياً ومقبولاً.

وتبرز أهمية الحكم في منازعات الأحوال الشخصية التي تتعلق بنفقات الأبناء وإقاماتهم، حين يتمسك الأب بعدم قدرته المالية على تنفيذ الالتزامات المقضي بها، ويطلب إثبات ذلك أمام المحكمة.

أولاً: وقائع النزاع

تتلخص وقائع الدعوى، وفقاً لما ورد في الحكم، في أن المدعية أقامت دعوى أحوال شخصية ضد المدعى عليه، طالبة إثبات حضانتها لأبنائها الثلاثة، وإلزام الأب بمجموعة من الالتزامات المالية والمتعلقة برعاية الأبناء، شملت أجرة الحاضنة، وتوفير مسكن للمحضونين، وسداد فواتير الكهرباء والماء والإنترنت، وتسجيل الأبناء في المدارس، وتوفير المواصلات، وتحمل مصاريف العلاج والتأمين الصحي، واستقدام خادمة وسداد أجرتها، فضلاً عن الرسوم والمصاريف القضائية.

واستندت المدعية إلى أنها مطلقة المدعى عليه وأم الأبناء، وأنها تتمسك بحقها في حضانتهم ورعايتهم، وذكرت في دعواها ظروفاً تتعلق بإلغاء الإقامات وتسفيرها مع الأبناء إلى موطنهم، والخلاف بشأن رعاية الأطفال ونفقاتهم.

في المقابل، تمسك المدعى عليه بعدد من الدفوع، منها دفوع تتعلق بالاختصاص القضائي، ووجود دعوى منظورة في موطن الأبناء، وعدم قبول الدعوى، وسقوط الحق في طلب الحضانة، كما تمسك برفض الدعوى موضوعاً.

وأرفق المدعى عليه مستندات تضمنت شهادة راتب تفيد بأن دخله الشهري يبلغ 3,500 درهم، إلى جانب مستندات أخرى تتعلق بإقامات الأبناء.

ثانياً: الإجراءات القضائية

بتاريخ 9 ديسمبر 2024، قضت محكمة أول درجة بإثبات حضانة الأم للأبناء الثلاثة، وإلزام الأب بنفقة شهرية قدرها 1,500 درهم للأبناء، شاملة المأكل والملبس والمشرب والمواصلات والعلاج، اعتباراً من تاريخ المطالبة، مع رفض باقي الطلبات.

وطعن الطرفان على الحكم بالاستئناف.

وبتاريخ 20 فبراير 2025، قضت محكمة الاستئناف بتعديل الحكم المستأنف، وزيادة نفقة الأبناء، وإضافة مصاريف الدراسة، وتجديد إقاماتهم في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع رفض استئناف الأب.

ولم يرتضِ الأب بهذا القضاء، فطعن عليه بالنقض أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكاً بأن الحكم لم يبحث دفاعه المتعلق بعدم قدرته المالية على إحضار الأبناء إلى الدولة وتجديد إقاماتهم.

ثالثاً: المسألة القانونية محل البحث

تتمثل المسألة القانونية في تحديد مدى التزام محكمة الموضوع ببحث دفاع الأب المتعلق بعجزه المالي عن تنفيذ الالتزامات الخاصة بالأبناء، ومدى تأثير إغفال هذا الدفاع في سلامة الحكم الذي يقضي بزيادة النفقة وتجديد الإقامات.

ويتفرع عن ذلك سؤال جوهري: هل يجوز للمحكمة أن تقضي بالتزامات مالية دون أن تناقش دفاعاً مؤيداً بالمستندات، من شأن ثبوته أن يؤثر في تقديرها للوقائع وفي النتيجة التي تنتهي إليها؟

رابعاً: دفاع الأب أمام المحكمة الاتحادية العليا

تمسك الطاعن بأن دخله الشهري لا يتجاوز 3,500 درهم، وأن ظروفه المالية والمعيشية لا تمكنه من إحضار الأبناء إلى دولة الإمارات.

وأوضح أنه يقيم في سكن مشترك مخصص للعزاب، وأن تنفيذ الالتزام بتجديد إقامات الأبناء يرتبط باشتراطات إدارية، أشار من بينها إلى متطلبات تتعلق بالدخل والسكن، وذكر أن هذه المتطلبات غير متوافرة لديه.

كما تمسك بأن الأبناء موجودون في موطنهم ويلتحقون بمدارسهم هناك، وأشار إلى وجود نزاع منظور في ذلك الموطن.

وطلب الطاعن إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات دفاعه، إلا أن الحكم المطعون فيه لم يبحث هذا الدفاع ولم يمحصه بالقدر اللازم، رغم تمسكه به.

وكان جوهر اعتراضه أن المحكمة قضت بزيادة النفقة وتجديد الإقامات دون معالجة أثر دخله وظروفه الفعلية في الالتزامات المقضي بها.

خامساً: الأساس القانوني الذي أقامت عليه المحكمة قضاءها

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الموضوع ملزمة بالإحاطة بالأدلة المطروحة عليها، وبحث دفاع الخصوم الجوهري الذي يمكن أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.

وأوضحت أن إغفال المحكمة مناقشة الأدلة المؤثرة في النزاع، رغم تمسك الخصم بدلالتها، وعدم تمحيصها بما يكشف عن فهم حقيقة الواقع واستنفاد الوسع في الوصول إلى وجه الحق، يؤدي إلى قصور الحكم.

كما قررت أن إغفال بحث دفاع جوهري أبداه الخصم، أو الإعراض عنه دون تسبيب مقبول، يشوب الحكم بالقصور الذي يرتب بطلانه.

وأكدت كذلك أن الحكم يجب أن يتضمن ما يطمئن المطلع عليه إلى أن المحكمة قد أحاطت بعناصر الدعوى وأدلتها، ومحصت دفاع الخصوم، وواجهته بالرد الكافي والسائغ والمقبول.

ولا يكفي في هذا المقام التمسك بالاطمئنان المجرد إلى قرينة أو دليل، إذا كان هذا الاطمئنان يتعارض مع أدلة أخرى مؤثرة في النزاع.

سادساً: أسباب نقض الحكم

رأت المحكمة الاتحادية العليا أن نعي الطاعن بشأن القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع نعي سديد.

فقد تبين لها أن الحكم المطعون فيه قضى بزيادة نفقات الأبناء وتجديد إقاماتهم في الدولة، في الوقت الذي تمسك فيه الأب بعدم قدرته المالية على إحضارهم، مستنداً إلى أن دخله لا يجاوز 3,500 درهم، وإلى ظروفه المعيشية، وإلى اشتراطات الإقامة والمتطلبات الإدارية التي ذكر أنها غير متوافرة لديه.

كما طلب الطاعن إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات دفاعه، إلا أن الحكم المطعون فيه تجاهل هذا الدفاع الجوهري ولم يبحثه أو يمحصه بالقدر اللازم.

واعتبرت المحكمة أن هذا الإغفال أدى إلى قصور في التسبيب، ومخالفة الثابت بالأوراق، وإخلال بحق الدفاع، فضلاً عن تأسيس القضاء على أسباب لا تكفي لحمله.

ومن ثم، لم يكن وجه الطعن مجرد اعتراض على تقدير المحكمة للنفقة، وإنما انصب على عدم معالجة دفاع جوهري كان يتعين بحثه قبل الفصل في النزاع.

سابعاً: منطوق الحكم

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن، مع إحالة الدعوى.

وبذلك قررت المحكمة أن إغفال بحث الدفاع الجوهري المتعلق بالقدرة المالية وظروف تنفيذ الالتزامات المقضي بها يشكل عيباً في التسبيب والإجراءات القضائية يستوجب نقض الحكم.

ولا يعني هذا القضاء، في حد ذاته، أن الأب غير ملزم بنفقة أبنائه أو أن طلبات الأم مرفوضة موضوعاً، وإنما يعني أن الحكم المطعون فيه لم يعالج الدفاع الجوهري معالجة كافية تبرر النتيجة التي انتهى إليها، وهو ما استوجب نقضه والإحالة.

ثامناً: المبدأ القضائي المستفاد

يستفاد من الحكم أن:

إغفال محكمة الموضوع بحث دفاع جوهري مؤيد بما يثيره من أدلة، وكان من شأنه لو صح أن يغير وجه الرأي في الدعوى، يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، ويوجب نقضه.

ويؤكد الحكم أن سلامة النتيجة القضائية لا تغني عن وجوب سلامة أسبابها، وأن المحكمة مطالبة بمناقشة أوجه الدفاع المؤثرة والرد عليها بما يكشف عن تمحيصها لعناصر النزاع.

تاسعاً: الأهمية العملية للحكم

تظهر أهمية هذا الحكم في عدة جوانب عملية.

1. بالنسبة إلى محاكم الموضوع: يتعين بحث الدفاع الجوهري الذي يمكن أن يؤثر في النتيجة، وعدم الاكتفاء بأسباب عامة أو بعبارات مجردة عن الاطمئنان.

2. بالنسبة إلى الخصوم: تبرز أهمية تقديم المستندات المؤيدة للدفاع، وبيان وجه تأثيرها في النزاع، مع التمسك صراحة بطلبات التحقيق متى كانت لازمة لإثبات الوقائع محل الخلاف.

3. في منازعات النفقة: يوضح الحكم أهمية بحث الوقائع المتعلقة بالقدرة المالية والالتزامات محل النزاع متى أثيرت بصورة جوهرية، دون أن يعني ذلك إعفاء الأب تلقائياً من التزاماته تجاه أبنائه.

4. في الالتزامات المتعلقة بالإقامة: يؤكد الحكم ضرورة معالجة الدفاع المرتبط بظروف تنفيذ الالتزام ومتطلباته الواقعية والإدارية، متى كان هذا الدفاع مؤثراً في النزاع ومطروحاً على المحكمة.

5. في الطعن بالنقض: يقدم الحكم مثالاً على أن القصور في التسبيب لا يقتصر على غياب الأسباب تماماً، بل قد يتحقق عندما تكون الأسباب غير كافية لحمل النتيجة بسبب إغفال دفاع جوهري.

عاشراً: التعليق القانوني والخلاصة

يكشف هذا الحكم عن أهمية التوازن بين الفصل في طلبات الأحوال الشخصية وبين الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حق الخصوم في عرض دفاعهم الجوهري ومناقشته والرد عليه.

ففي منازعات النفقة والحضانة والإقامة، لا يكفي أن تصدر المحكمة حكماً يتضمن التزامات محددة، بل يجب أن يبين تسبيب الحكم أنها درست عناصر النزاع ذات الصلة، ووازنت الأدلة المطروحة، وعالجت الدفاع الذي يمكن أن يؤثر في قضائها.

وتكمن القيمة القانونية للطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية في تأكيده أن إغفال دفاع جوهري ليس مسألة شكلية بسيطة، بل قد يحول دون الاطمئنان إلى سلامة الحكم ويبرر نقضه.

والخلاصة أن حق الدفاع لا يتحقق بمجرد السماح للخصم بعرض أقواله، وإنما يقتضي أن تتولى المحكمة بحث دفاعه الجوهري والرد عليه رداً سائغاً، متى كان من شأنه التأثير في الفصل في الدعوى.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية، جلسة 7 يوليو 2025.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 307 لسنة 2025 أحوال شخصية Doc Pdf

PDF – 145.6 KB 7 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.