يرفض استرداد مصاريف الخطبة لغياب الدليل على تسليم الأموال والهدايا – الطعن رقم 259 لسنة 2025 أحوال شخصية

Published on October 20, 2026 at 10:26 AM

هل يجوز استرداد مصاريف الخطبة بعد العدول عن الزواج؟ المحكمة الاتحادية العليا توضح ضوابط استرداد الهدايا وعبء الإثبات

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال القانوني

هل يحق للخاطب مطالبة مخطوبته باسترداد المبالغ التي يدعي إنفاقها خلال فترة الخطبة، لمجرد العدول عن إتمام الزواج؟ وهل يكفي الادعاء بتحمل مصاريف التجهيز والهدايا للحكم باستردادها، أم يتعين إثبات تسليم تلك الأموال وبيان طبيعتها والغرض منها؟

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسألة في حكمها الصادر في الطعن رقم 259 لسنة 2025 أحوال شخصية، بجلسة 7 يوليو 2025، مؤكدةً أهمية التمييز بين المهر والهدايا المقدمة أثناء الخطبة، وضرورة إقامة الدليل على الحق المطالب به، مع وجوب بحث دفاع الخصوم الجوهري قبل الفصل في الدعوى.

أولاً: وقائع النزاع

تتلخص وقائع الدعوى في أن أحد الأشخاص أقام دعوى أحوال شخصية ضد مخطوبته السابقة، طالباً إلزامها بأن تؤدي له مبلغاً قدره 195,426 درهماً، تعويضاً عن عدولها عن الخطبة دون سبب مشروع، بحسب ادعائه.

واستند المدعي إلى مطالبته باسترداد ما ذكر أنه أنفقه من مصاريف وطلبات وتجهيزات للسكن خلال فترة الخطبة، إلا أن المدعى عليها رفضت تلك المطالبة.

في المقابل، تمسكت المدعى عليها بأنها لم تتسلم الأموال التي يدعي المدعي دفعها، وأن ما قام به من مصروفات كان بإرادته المنفردة، وقبل إبرام عقد الزواج والاتفاق النهائي عليه، كما دفعت بعدم أحقية المدعي في استرداد الهدايا والمبالغ التي لم يثبت تسليمها أو الاتفاق على ردها.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة، بتاريخ 12 نوفمبر 2024، بإلزام المدعى عليها برد مبلغ قدره 80,000 درهم، مع الفوائد وفقاً لما ورد في أسباب الحكم ومنطوقه.

ولم ترتضِ المحكوم عليها بهذا القضاء، فطعنت عليه بالاستئناف. وبتاريخ 25 فبراير 2025، قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف فيما يتعلق بالفائدة، مع تأييده فيما قضى به من إلزامها برد مبلغ 80,000 درهم.

ثم طعنت المحكوم عليها على حكم الاستئناف أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً عليه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، لعدم ثبوت تسلمها الأموال المطالب بها، ولأن المصروفات التي يدعيها المدعي لم تكن، بحسب دفاعها، مبالغ سلمت إليها على سبيل المهر أو بموجب اتفاق ملزم بردها.

ثالثاً: المسألة القانونية محل الفصل

تمحور النزاع حول مدى أحقية الخاطب في استرداد المبالغ والمصروفات التي يدعي إنفاقها خلال فترة الخطبة، ومدى كفاية الادعاء بتلك المصروفات لإلزام المخطوبة بردها، في ظل عدم ثبوت تسلمها الأموال المدعى بها.

كما تناول النزاع القواعد التي تحكم استرداد الهدايا المقدمة أثناء الخطبة، والتمييز بينها وبين المهر، وأثر طبيعة المال المسلم والغرض منه، ومدى التزام المحكمة بالرد على الدفاع الجوهري الذي قد يتغير به وجه الرأي في الدعوى.

رابعاً: المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة

1. الخطبة وعد بالزواج وليست عقد زواج

قررت المحكمة أن الخطبة هي طلب الرجل الزواج بامرأة تحل له والوعد به، وأنها لا تعد زواجاً، ويجوز لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عنها.

ويترتب على ذلك أن مجرد العدول عن الخطبة لا يؤدي تلقائياً إلى استحقاق أحد الطرفين تعويضاً أو استرداد جميع ما أنفقه خلال تلك الفترة، بل يتعين تحديد طبيعة المبالغ المطالب بها ومدى توافر الأساس القانوني لاستردادها.

2. الأصل أن ما يقدم أثناء الخطبة يعد هدية

أوضحت المحكمة أن ما يقدمه الخاطب أو المخطوبة إلى الطرف الآخر خلال فترة الخطبة يعد هدية، ما لم يثبت أن ما قدمه الخاطب كان من المهر، أو أن العرف يجري باعتباره جزءاً منه.

ويقتضي ذلك عدم الخلط بين الهدايا التي تقدم بمناسبة الخطبة وبين المهر الذي يسلم بقصد الزواج؛ إذ تختلف الأحكام القانونية المترتبة على كل منهما، ولا يكفي وصف المبلغ بأنه مصروفات زواج أو تجهيز لإضفاء صفة المهر عليه.

3. استرداد الهدايا يخضع لضوابط محددة

بينت المحكمة أن الهدايا التي يجوز استردادها عند العدول عن الخطبة تشمل الهدايا المشروطة بإتمام الزواج، والهدايا الثمينة التي تزيد قيمة كل منها على 25,000 درهم، متى كانت قائمة، أو بمثلها أو بقيمتها يوم قبضها وفق الأحوال التي أوردها الحكم، ما لم تكن مما يستهلك بطبيعته.

كما قررت أنه إذا انتهت الخطبة بالوفاة أو بسبب لا يد لأحد الطرفين فيه، فلا يسترد شيء من الهدايا.

وعليه، فإن استرداد الهدايا لا يقوم على مجرد انتهاء الخطبة، بل يرتبط بطبيعة الهدية وقيمتها وشرط تقديمها وبقاء عينها، مع مراعاة الاستثناءات التي قررها الحكم.

4. المهر يختلف عن الهدايا في أحكام الاسترداد

تناول الحكم حالة تسليم الخاطب مخطوبته مالاً قبل عقد الزواج على أنه مهر، ثم العدول عن إبرام العقد أو الوفاة قبل إتمامه.

وفي هذه الحالة، يحق للخاطب أو ورثته الرجوع فيما سلم بعينه إن كان قائماً، وإلا فبمثله أو بقيمته يوم القبض، وفقاً لما قررته المحكمة.

كما عالج الحكم حالة شراء المخطوبة بالمهر أو بعضه جهازاً لمصلحة الزواج وفقاً للعرف، مبيناً اختلاف الحكم بحسب الطرف الذي صدر عنه العدول وسببه، مع مراعاة الاتفاق بين الطرفين إن وجد.

وتبرز أهمية هذا التمييز في أن تحديد طبيعة المال المسلم والغرض منه يعد أمراً جوهرياً للفصل في طلب الاسترداد.

5. البينة على من ادعى الحق

أكدت المحكمة أن الإثبات حق للخصوم، وأن على المدعي إثبات حقه، وللمدعى عليه نفيه، استناداً إلى القاعدة الشرعية والقانونية: «البينة على المدعي».

ويتعين على من يطالب بمبلغ مالي أن يقيم الدليل على الوقائع المادية أو القانونية التي يستند إليها، متى كانت محل نزاع أو إنكار.

وبالتالي، فإن الادعاء بتحمل مصروفات أو تقديم أموال وهدايا لا يكفي وحده للحكم باستردادها، بل يتعين إثبات واقعة التسليم وتحديد الأموال المطالب بها وطبيعتها والأساس الذي يجيز استردادها.

6. الهدايا المقدمة في الزواج الصحيح لا تسترد لمجرد الطلاق

أشارت المحكمة إلى أن الهدية في النكاح الصحيح لا يجوز للزوج استردادها، ولو وقع الطلاق قبل الدخول، بخلاف الزواج الفاسد الذي يفسخ قبل الدخول، حيث يجوز استرداد ما بقي من الهدية قائماً بعينه وفقاً لما أورده الحكم.

ويؤكد هذا المبدأ ضرورة التمييز بين مرحلة الخطبة ومرحلة الزواج، وعدم تطبيق أحكام الهدايا في إحدى المرحلتين على الأخرى دون مراعاة طبيعة العلاقة القانونية القائمة.

خامساً: أسباب نقض الحكم

رأت المحكمة الاتحادية العليا أن النعي الموجه إلى الحكم المطعون فيه سديد، ذلك أن ملف الدعوى خلا من دليل يثبت تسليم المدعي للمدعى عليها المبالغ أو الهدايا التي طالب باستردادها.

كما لاحظت المحكمة أن المصاريف الأخرى التي استند إليها المدعي جاءت في صورة طلبات مجهلة لا تعرف تفاصيلها، وأن افتراض تسليم بعض المنقولات والأشياء الاستهلاكية والمثلية لا يكفي، بذاته، لإثبات حقه في استردادها.

وأوضحت المحكمة أن التصرفات التي تتم بإرادة منفردة، دون ثبوت أساس يلزم الطرف الآخر برد ما أنفق، لا تنشئ بمجردها حقاً في الاسترداد، وأن ما يقدم على سبيل التسامح والعطاء والتبرع والهبة دون قيد أو شرط أو عوض لا يجوز المطالبة باسترداده على النحو الذي انتهى إليه الحكم.

وانتهت المحكمة إلى أن الحكم المطعون فيه أغفل بحث دفاع جوهري تمسكت به الطاعنة، ولم يمحصه بالقدر اللازم، مما شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع ومخالفة الثابت بالأوراق.

ولما كان الموضوع صالحاً للفصل فيه، تصدت المحكمة للفصل في أصل النزاع.

سادساً: منطوق الحكم

حكمت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه، وإلغاء الحكم المستأنف، ورفض الدعوى.

وبذلك انتهى النزاع إلى رفض مطالبة المدعي بالمبلغ المحكوم به أمام محكمتي الموضوع، لعدم قيام الدليل الكافي على استحقاقه، وللأسباب القانونية التي أوردتها المحكمة في حكمها.

سابعاً: الفائدة القانونية والعملية

تتمثل الفائدة القانونية من هذا الحكم في أن المطالبة باسترداد الأموال التي أنفقت خلال الخطبة لا تقبل على إطلاقها، ولا يكفي فيها إثبات انتهاء العلاقة أو الادعاء بتحمل مصروفات الزواج.

بل يتعين تحديد طبيعة المال المطالب به: هل هو مهر أم هدية أم مصروفات أنفقها أحد الطرفين بإرادته المنفردة؟ وهل ثبت تسليم المال للطرف الآخر؟ وهل توجد شروط أو اتفاقات أو أدلة تؤسس لطلب الاسترداد؟

كما يوضح الحكم أن المحكمة ملزمة ببحث الدفاع الجوهري الذي من شأنه، لو صح، أن يؤثر في النتيجة التي تنتهي إليها، وأن إغفال هذا الدفاع قد يؤدي إلى نقض الحكم.

ومن الناحية العملية، ينبغي لمن يطالب باسترداد مبالغ مرتبطة بالخطبة أن يقدم مستندات واضحة تحدد المبالغ وتاريخ دفعها والجهة التي تسلمتها والغرض منها، مع بيان الأساس القانوني الذي يستند إليه في طلب الاسترداد.

وفي المقابل، يتعين على الطرف المدعى عليه أن يوضح طبيعة المبالغ محل المطالبة، وأن يتمسك بدفوعه المتعلقة بعدم التسليم أو بعدم ثبوت المديونية أو بكون ما قدم هدية أو تبرعاً، بحسب ما تؤيده وقائع الدعوى وأدلتها.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 259 لسنة 2025 أحوال شخصية أن العدول عن الخطبة لا يمنح أحد الطرفين حقاً مطلقاً في استرداد ما أنفقه، وأن التمييز بين المهر والهدايا والمصروفات أمر أساسي لتحديد الحكم القانوني الصحيح.

كما شددت على أن الحق المالي لا يثبت بمجرد الادعاء، بل يتطلب دليلاً يثبت أساسه ومقداره، وأن إغفال الدفاع الجوهري الذي قد يؤثر في نتيجة الدعوى يشكل قصوراً في التسبيب وإخلالاً بحق الدفاع.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 259 لسنة 2025 أحوال شخصية، جلسة 7 يوليو 2025.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 259 لسنة 2025 أحوال شخصية Doc Pdf

PDF – 198.6 KB 11 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.