يُخفَّف حكم متعاطي المواد المخدرة من الحبس سنتين إلى ستة أشهر لخطأ في احتساب السابقة الجزائية – الطعن رقم 1539 لسنة 2024 جزائي

Published on October 20, 2026 at 10:35 AM

هل يجوز اعتبار جريمة تعاطي المخدرات المرتكبة قبل تعديل القانون سابقةً جزائية لتشديد العقوبة؟

دراسة المحامية نادية خالد

مقدمة

هل يجوز تشديد عقوبة متهم بتعاطي المواد المخدرة باعتبار الواقعة الحالية هي المرة الثالثة، إذا كانت إحدى الوقائع السابقة قد ارتُكبت قبل نفاذ التعديل التشريعي الذي نظم كيفية احتساب السابقة الأولى؟

تناولت المحكمة الاتحادية العليا هذا الإشكال في حكمها الصادر في الطعن رقم 1539 لسنة 2024 جزائي، بجلسة 24 يوليو 2025، وقررت أن جريمة التعاطي أو الاستعمال الشخصي للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وكذلك الحيازة أو الإحراز بقصد التعاطي، تُعد سابقة أولى وفق الضوابط الواردة في التعديل التشريعي، إذا ارتُكبت لأول مرة بعد نفاذه، ولا يُعتد بالواقعة المرتكبة قبل ذلك التاريخ باعتبارها سابقة لتطبيق أحكام العود.

ويكشف الحكم عن أهمية التمييز بين تاريخ ارتكاب الجريمة وتاريخ صدور الحكم فيها، لما لذلك من أثر مباشر في تحديد الوصف القانوني للواقعة والعقوبة المقررة لها.

أولاً: وقائع القضية

تتحصل وقائع الدعوى، وفقاً لما ورد في الحكم، في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم ارتكاب جريمة تعاطي مؤثر عقلي من نوع الميثامفيتامين، وحيازته بقصد الاستعمال الشخصي دون ترخيص قانوني، فضلاً عن إيداع مبالغ بنفسه بقصد ارتكاب جرائم التعاطي، وذلك عن واقعة مؤرخة في 3 مايو 2024.

وأسندت إليه النيابة العامة هذه الأفعال باعتبارها مرتكبة للمرة الثالثة، وهو ما انعكس على الأساس القانوني للعقوبة التي قضت بها محكمة أول درجة.

غير أن المتهم تمسك بأن الواقعة السابقة الأولى تعود إلى عام 2001، وصدر الحكم فيها عام 2022، قبل إعمال أثر التعديل التشريعي الجديد، بينما ارتكب الواقعة التالية عام 2023، وهي الواقعة التي أدين عنها في الدعوى محل الطعن.

ومن ثم، انصب جوهر النزاع على مدى جواز الاعتداد بالواقعة القديمة سابقةً جزائية لتصنيف الواقعة محل المحاكمة على أنها المرة الثالثة، رغم الضابط التشريعي الذي استحدثه المرسوم بقانون اتحادي رقم 53 لسنة 2022.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة، بجلسة 25 يوليو 2024، حضورياً بإدانة المتهم ومعاقبته بالحبس لمدة سنتين، وتغريمه مبلغ مائة ألف درهم عن التهم المسندة إليه للارتباط، مع مصادرة المضبوطات.

فطعن المتهم على الحكم بالاستئناف رقم 372 لسنة 2024، فقضت محكمة الاستئناف بجلسة 9 سبتمبر 2024 بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً، وتأييد الحكم المستأنف.

ولم يرتضِ المتهم هذا القضاء، فطعن عليه بطريق النقض أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعياً على الحكم الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، تأسيساً على أن الواقعة الأولى سابقة على نفاذ التعديل التشريعي الذي ينظم احتساب السابقة، فلا يجوز الاعتداد بها لتشديد العقوبة باعتبار الواقعة محل المحاكمة هي المرة الثالثة.

وقد أبدت النيابة العامة رأيها بطلب نقض الحكم المطعون فيه والإحالة.

ثالثاً: الإشكالية القانونية

تتمثل الإشكالية القانونية في تحديد ما إذا كان يجوز احتساب جريمة تعاطي المواد المخدرة المرتكبة قبل نفاذ التعديل التشريعي سابقةً جزائية عند تحديد عدد مرات ارتكاب الجريمة اللاحقة، أم أن النص الخاص الذي نظم احتساب السابقة الأولى يمنع الاعتداد بالواقعة القديمة لهذا الغرض.

ويتفرع عن ذلك تحديد الأثر القانوني المترتب على الخطأ في وصف الواقعة بأنها ارتُكبت للمرة الثالثة، ومدى جواز تصحيح الحكم وتعديل العقوبة من محكمة النقض متى كان النزاع صالحاً للفصل فيه.

رابعاً: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة

استندت المحكمة إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم 53 لسنة 2022، الذي عدّل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 30 لسنة 2021 بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية.

ومؤدى النص الذي تناولته المحكمة أن جريمة التعاطي أو الاستعمال الشخصي للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، أو الحيازة أو الإحراز بقصد التعاطي، تُعتبر سابقة أولى إذا ارتُكبت لأول مرة بعد نفاذ التعديل في 3 أكتوبر 2022، ولو كان قد صدر ضد المتهم حكم نهائي في إحدى هذه الجرائم قبل تاريخ العمل به.

كما قرر النص عدم سريان أحكام العود المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات على الحالات التي نظمها هذا الحكم التشريعي الخاص.

ويترتب على ذلك ضرورة الالتزام بالضابط الزمني الذي قرره المشرع عند تحديد السابقة التي يُعتد بها قانوناً، وعدم الاكتفاء بمجرد وجود حكم جزائي سابق دون التحقق من مدى جواز الاعتداد بالواقعة السابقة وفق النص الخاص.

خامساً: حيثيات المحكمة ومنطوق الحكم

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن نعي الطاعن في محله، إذ تبين لها أن الواقعة الأولى المتعلقة بتعاطي المواد المخدرة تعود إلى عام 2001، وصدر الحكم فيها عام 2022 قبل إعمال أثر القانون الجديد، في حين ارتُكبت الواقعة التالية عام 2023، وأدين الطاعن في الدعوى محل المحاكمة عام 2024.

وبناءً على ذلك، انتهت المحكمة إلى أن الواقعة محل المحاكمة تُعد جريمة التعاطي للمرة الثانية، لا للمرة الثالثة، لعدم الاعتداد بالواقعة الأولى باعتبارها سابقة وفقاً للمرسوم بقانون اتحادي رقم 53 لسنة 2022.

ورأت المحكمة أن الحكم المستأنف، المؤيد بالحكم المطعون فيه، قد خالف هذا النظر وأخطأ في تطبيق القانون، بما يوجب نقضه.

ولما كان النزاع صالحاً للفصل فيه، تصدت المحكمة للموضوع وعدّلت الحكم المستأنف، مكتفية بحبس المتهم مدة ستة أشهر عن التهم المسندة إليه للارتباط.

واستندت في تحديد العقوبة إلى المادة 41/2 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 30 لسنة 2021، التي تقرر أنه إذا ارتكب الجاني الأفعال المنصوص عليها في البند السابق للمرة الثانية خلال مدة لا تجاوز ثلاث سنوات من تاريخ ارتكاب الفعل لأول مرة، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، أو الغرامة التي لا تقل عن ثلاثين ألف درهم ولا تزيد على مائة ألف درهم.

وهكذا صححت المحكمة التكييف القانوني لعدد مرات ارتكاب الجريمة، وعدّلت العقوبة تبعاً لذلك.

سادساً: المبدأ القانوني المستفاد من الحكم

يتمثل المبدأ الذي قررته المحكمة في أن تحديد عدد مرات ارتكاب جريمة التعاطي أو الاستعمال الشخصي للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، أو الحيازة أو الإحراز بقصد التعاطي، يجب أن يتم وفق الضابط الزمني الذي قرره المشرع في التعديل التشريعي، ولا يجوز احتساب الواقعة المرتكبة قبل نفاذه سابقةً لتشديد العقوبة على النحو الذي استبعده النص الخاص.

كما يؤكد الحكم أن الخطأ في احتساب السابقة الجزائية ليس مجرد خطأ شكلي، بل هو خطأ في تطبيق القانون متى أدى إلى إسناد وصف أشد إلى الواقعة، بما يستوجب تصحيح الحكم والعقوبة المترتبة عليه.

سابعاً: الأهمية العملية للحكم

تظهر الأهمية العملية لهذا الحكم في ضرورة فحص الأحكام الجزائية السابقة عند نظر قضايا تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وعدم الاكتفاء بعدد الإدانات المسجلة بحق المتهم.

فمن اللازم التحقق من تاريخ ارتكاب كل واقعة، وتاريخ نفاذ التعديل التشريعي، وطبيعة الجريمة السابقة، ومدى انطباق النص الخاص عليها، ثم تحديد عدد مرات ارتكاب الجريمة وفقاً لذلك.

كذلك يبرز الحكم أهمية مراجعة الأساس القانوني الذي اعتمدته محكمة الموضوع في تحديد العقوبة، إذ إن احتساب الواقعة على أنها المرة الثالثة بدلاً من الثانية قد يؤدي إلى تطبيق نظام عقابي مختلف عن النظام الذي يوجبه القانون.

ولا يعني ذلك أن كل واقعة سابقة على التعديل تُمحى أو يُلغى الحكم الصادر فيها، وإنما يتعلق الأمر تحديداً بمدى الاعتداد بها سابقةً عند تطبيق الأحكام التي نظمها النص التشريعي الخاص.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1539 لسنة 2024 جزائي أن احتساب السابقة في جرائم تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية يجب أن يخضع للضوابط التي قررها المشرع في المرسوم بقانون اتحادي رقم 53 لسنة 2022.

ولما كانت الواقعة الأولى في الدعوى قد ارتُكبت قبل نفاذ التعديل، فقد انتهت المحكمة إلى عدم الاعتداد بها سابقةً لاحتساب الواقعة اللاحقة باعتبارها المرة الثالثة، وصححت وصفها لتكون المرة الثانية، ثم عدّلت العقوبة إلى الحبس ستة أشهر.

ويؤكد الحكم أن التطبيق الصحيح للقانون يقتضي مراعاة النص الخاص وتحديد أثره الزمني بدقة، لأن الخطأ في احتساب السابقة قد يفضي إلى تشديد العقوبة على خلاف ما يقرره القانون.

المصدر القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1539 لسنة 2024 جزائي، جلسة 24 يوليو 2025.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1539 لسنة 2024 جزائي Docx Pdf

PDF – 152.8 KB 8 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.