يُدان بجريمة إلكترونية قبل نفاذ قانونها الجديد.. فتنقض المحكمة الاتحادية العليا الحكم للخطأ في تطبيق القانون
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
هل يجوز إدانة متهم بموجب قانون جزائي لم يكن قد دخل حيز النفاذ وقت ارتكاب الواقعة؟
تثير هذه المسألة إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وحدود تطبيق القوانين الجزائية من حيث الزمان، ومدى جواز تطبيق تشريع جزائي على وقائع سابقة على تاريخ نفاذه.
وفي حكمها الصادر بتاريخ 15 يوليو 2025 في الطعن رقم 1384 لسنة 2024 جزائي، أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن تطبيق قانون جزائي على واقعة سابقة على نفاذه يُشكّل خطأً في تطبيق القانون يستوجب نقض الحكم والإحالة، متى كان القانون المطبق لم يكن سارياً وقت ارتكاب الواقعة.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى، وفقاً لما ورد في الحكم، في إحالة النيابة العامة المتهم والطاعن وآخر إلى المحاكمة الجزائية، على سند من اتهامهما بالاستيلاء على مبالغ مالية مملوكة للمجني عليه، باستخدام طرق احتيالية تمثلت في انتحال صفة موظف في البنك المركزي وطلب تحديث البيانات البنكية والحصول عليها باستخدام وسائل تقنية المعلومات.
وطلبت النيابة العامة معاقبتهما بموجب المادتين (40) و(56) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية.
وقد أورد الحكم تاريخ الواقعة في سياق عرض الاتهام بتاريخ 1 ديسمبر 2021، كما أشار في أسبابه القانونية إلى ارتكابها بتاريخ 21 ديسمبر 2021. وفي الحالتين، كانت الواقعة سابقة على تاريخ نفاذ المرسوم بقانون المشار إليه، الذي بدأ العمل به في 2 يناير 2022.
ثانياً: الإجراءات القضائية
قضت محكمة أول درجة، بتاريخ 29 فبراير 2024، بحبس كل من المتهمين سنة عن التهمة المسندة إليه، مع مصادرة الأجهزة المستخدمة، وحذف البيانات أو المعلومات، والإبعاد عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، وإلزامهما برسوم الدعوى.
ثم عُدّلت العقوبة في الاستئناف رقم 283 لسنة 2024 إلى الحبس ستة أشهر بالنسبة إلى المتهم الآخر، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك.
أما الطاعن، فقد عارض في الحكم، فقُبلت معارضته شكلاً ورُفضت موضوعاً مع تأييد الحكم المعارض فيه. ثم استأنف الحكم في الاستئناف رقم 590 لسنة 2024، فقضت المحكمة الاستئنافية بتعديل عقوبة الحبس إلى ثلاثة أشهر، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك بشأن المصادرة والإبعاد.
ولم يرتضِ الطاعن هذا القضاء، فأقام طعنه أمام المحكمة الاتحادية العليا، التي انتهت إلى نقض الحكم للخطأ في تطبيق القانون من حيث الزمان.
ثالثاً: الإشكالية القانونية
تتمثل الإشكالية القانونية في تحديد القانون الجزائي الواجب التطبيق على واقعة ارتُكبت قبل دخول المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية حيز النفاذ.
وهل يجوز للمحكمة تطبيق أحكام هذا التشريع على واقعة سابقة على تاريخ العمل به، أم أن ذلك يخالف القواعد الدستورية المقررة بشأن سريان القوانين الجزائية من حيث الزمان؟
رابعاً: الأساس الدستوري والتشريعي للحكم
استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى المادة (112) من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقرر أن أحكام القوانين لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما يقع قبل هذا التاريخ، مع جواز النص على خلاف ذلك في غير المواد الجزائية.
ويترتب على ذلك أن القوانين الجزائية لا يجوز تطبيقها بأثر رجعي على الوقائع السابقة على نفاذها، سواء أدى ذلك إلى تجريم فعل لم يكن مجرّماً وقت ارتكابه، أم إلى تشديد العقوبة المقررة له.
كما أكدت المحكمة أن هذا المبدأ يجد سنده في المادة (12) من قانون العقوبات السابق، والمادة (13) من قانون الجرائم والعقوبات الحالي، فيما تقررانه من أن العقاب على الجريمة يكون وفقاً للقانون النافذ وقت ارتكابها.
وبذلك، فإن تحديد تاريخ ارتكاب الواقعة وتاريخ نفاذ النص الجزائي المطبق عليها يُعدّ مسألة جوهرية في تحديد القانون الواجب التطبيق.
خامساً: أسباب حكم المحكمة الاتحادية العليا
أوضحت المحكمة أن الحكم المطعون فيه عاقب الطاعن بموجب المادتين (40) و(56) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، رغم أن الواقعة المنسوبة إليه حدثت قبل تاريخ نفاذ هذا التشريع في 2 يناير 2022.
واعتبرت المحكمة أن تطبيق أحكام قانون لم يكن سارياً وقت ارتكاب الواقعة يُشكّل خطأً في تطبيق القانون، لأن القانون الجزائي الواجب التطبيق هو القانون النافذ عند وقوع الفعل، وفقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
ولم تقف المحكمة عند حدود نقض الحكم بالنسبة إلى الطاعن، بل قررت امتداد أثر النقض إلى الحكم الصادر ضد المحكوم عليه الآخر في الاستئناف رقم 283 لسنة 2024، لاتحاد الواقعة وتحقيقاً لحسن سير العدالة.
كما قررت أن الخطأ في تطبيق القانون حال دون تمحيص الواقعة بجميع أوصافها وتكييفاتها القانونية وإنزال حكم القانون الصحيح عليها، الأمر الذي استوجب أن يكون النقض مقروناً بالإحالة، دون حاجة إلى بحث بقية أسباب الطعن.
سادساً: منطوق الحكم والنتيجة القضائية
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى، مع امتداد أثر النقض إلى الحكم الصادر ضد المحكوم عليه الآخر في الاستئناف رقم 283 لسنة 2024، لوحدة الواقعة وحسن سير العدالة.
ولم تفصل المحكمة في بقية أسباب الطعن، بعدما وجدت أن الخطأ في تطبيق القانون من حيث الزمان كافٍ لنقض الحكم وإحالة الدعوى.
سابعاً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل الفائدة القانونية الأساسية لهذا الحكم في تأكيد أن مشروعية الإدانة الجزائية لا تتوقف على ثبوت الواقعة وحده، وإنما تستلزم أيضاً تطبيق النص القانوني الصحيح الذي كان نافذاً وقت ارتكابها.
ويترتب على ذلك ضرورة التحقق من ثلاثة عناصر عند نظر الدعاوى الجزائية: تاريخ ارتكاب الفعل، وتاريخ نفاذ النص القانوني الذي تستند إليه سلطة الاتهام أو المحكمة، ومدى انطباق ذلك النص على الواقعة من الناحية الزمنية.
كما يبرز الحكم أهمية الرقابة القضائية على سلامة تطبيق القانون، إذ لا يكفي الاستناد إلى نص تشريعي نافذ وقت المحاكمة إذا كانت الواقعة سابقة على نفاذه، بل يتعين تحديد القانون الواجب التطبيق وفقاً للقواعد الدستورية والتشريعية المنظمة لسريان القانون الجزائي من حيث الزمان.
ويؤكد الحكم كذلك أن الخطأ في اختيار القانون الواجب التطبيق قد يستوجب نقض الحكم والإحالة، متى حال دون تمحيص الواقعة وإنزال حكم القانون الصحيح عليها.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1384 لسنة 2024 جزائي أن تطبيق قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على واقعة سابقة على تاريخ نفاذه يُشكّل خطأً في تطبيق القانون، بما يوجب نقض الحكم والإحالة.
ويُجسّد هذا القضاء أهمية الالتزام بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وضرورة مراعاة النطاق الزمني لسريان النصوص الجزائية، باعتباره ضمانة أساسية لصحة الأحكام الجزائية وحماية الحقوق والحريات.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1384 لسنة 2024 جزائي، جلسة 15 يوليو 2025.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments