يطالب المقاول من الباطن بمستحقاته بعد تسييل الضمان البنكي فتؤكد محكمة التمييز أثر شرط السداد التتابعي – الطعن رقم 1 لسنة 2025 طعن تجاري

Published on October 20, 2026 at 2:23 PM

يطالب المقاول من الباطن بأكثر من 8.4 مليون درهم بعد تسييل ضمانه البنكي فتفصل محكمة التمييز في شرط السداد التتابعي – الطعن رقم 1 لسنة 2025 طعن تجاري

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يستحق المقاول من الباطن مستحقاته عن الأعمال المنفذة بمجرد إنجاز المشروع، أم يجوز تعليق استحقاقها على تحصيل المقاول الأصلي مستحقاته من صاحب المشروع؟ وما أثر قيام المقاول الأصلي بتسييل ضمان بنكي صادر عن المقاول من الباطن دون وجه حق، وهل تلتزم المحكمة بندب خبير جديد متى اعترض أحد الخصوم على تقرير الخبرة؟

أولاً: وقائع الدعوى

تتحصل وقائع النزاع في أن شركة الصباح العالمية للمقاولات الكهروميكانيكية ذ.م.م – فرع الشارقة، بصفتها مقاولاً من الباطن، أقامت الدعوى رقم 1828 لسنة 2024 تجاري أمام المحكمة الابتدائية ضد شركة ريم كابيتال للمقاولات ش.ذ.م.م، وضد شركة داماك للتطوير العقاري ذ.م.م، طالبة إلزامهما بالتضامن والتضامم بأداء مبلغ 8,437,155.93 درهماً، مع الفائدة القانونية بواقع 5% من تاريخ إقامة الدعوى وحتى السداد التام.

واستندت المدعية إلى اتفاقية مقاولة من الباطن أبرمتها مع شركة ريم كابيتال، لتنفيذ أعمال التوريد والتركيب الميكانيكية والكهربائية وأعمال السباكة في مشروع عقاري بمنطقة قرية جميرا في دبي، مملوك لشركة داماك للتطوير العقاري.

وبموجب عقد المقاولة وملحقه، أصدرت المدعية خطابي ضمان بنكيين، قيمة كل منهما 3,650,000 درهم، أحدهما لضمان الدفعة المقدمة والآخر لضمان حسن تنفيذ المشروع، على أن يُسترد الضمان المتعلق بحسن التنفيذ عند تسليم المشروع وفقاً لشروط العقد.

وسبق أن نشأ نزاع بين الطرفين بشأن مستحقات الأعمال المنفذة، وأُحيل إلى الخبرة الهندسية والحسابية، وانتهى تقرير الخبرة المودع في الدعوى رقم 681 لسنة 2019 تجاري كلي إلى أن المقاول من الباطن أنجز 99% من الأعمال المتعاقد عليها والأعمال الإضافية، وأنه يستحق مبلغ 4,787,155.93 درهماً، مع إعادة أحد خطابي الضمان البنكيين.

إلا أن الحكم الصادر في الاستئناف رقم 1718 لسنة 2020 تجاري انتهى إلى إلغاء الحكم الابتدائي والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، وأُيد ذلك في الطعن رقم 477 لسنة 2021 تجاري.

وفي مرحلة لاحقة، قامت شركة ريم كابيتال بتسييل خطاب الضمان البنكي المتعلق بحسن تنفيذ المشروع، والبالغ 3,650,000 درهم، رغم ما تمسك به المقاول من عدم أحقية الشركة في الاحتفاظ بقيمته. واضطرت شركة الصباح العالمية إلى سداد قيمة الضمان للبنك، إضافة إلى الفائدة المستحقة عليه.

وعقب ذلك، أُقيمت منازعات تعيين خبرة، من بينها النزاع رقم 250 لسنة 2023 تعيين خبرة والنزاع رقم 466 لسنة 2023 تعيين خبرة، وانتهت تقارير الخبرة إلى أن مبلغ 8,437,155.93 درهماً يترصد لصالح المقاول من الباطن في ذمة المقاول الأصلي، شاملاً مستحقات الأعمال المنفذة وقيمة الضمان البنكي الذي جرى تسييله.

وبناءً على ذلك، أقيمت الدعوى محل الطعن للمطالبة بالمبلغ المذكور.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى شركة داماك للتطوير العقاري لرفعها على غير ذي صفة، وفي موضوع الدعوى بإلزام شركة ريم كابيتال للمقاولات بأن تؤدي للمدعية مبلغ 8,437,155.93 درهماً، إضافة إلى الفائدة المقضي بها.

فاستأنفت الشركة المحكوم عليها الحكم بالاستئناف رقم 1869 لسنة 2024 تجاري، إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتاريخ 4 ديسمبر 2024 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.

ولم ترتضِ شركة ريم كابيتال بهذا القضاء، فطعنت عليه بالتمييز بالطعن رقم 1 لسنة 2025 طعن تجاري، طالبة نقض الحكم، وتمسكت بعدة أوجه، من بينها الخطأ في تطبيق القانون، والقصور في التسبيب، والإخلال بحق الدفاع، والاعتراض على تقارير الخبرة، ورفض طلب استدعاء الخبراء لمناقشتهم أو ندب خبرة جديدة.

ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — هل يجوز تعليق سداد مستحقات المقاول من الباطن على تحصيل المقاول الأصلي مستحقاته من صاحب المشروع؟

تمسكت الطاعنة بأن استحقاق المقاول من الباطن لمستحقاته مرتبط بتحصيل المقاول الأصلي مستحقاته من صاحب المشروع، وأن هذا الشرط لم يتحقق، بما يجعل الدعوى مرفوعة قبل الأوان.

وفي هذا السياق، قررت محكمة التمييز أن اتفاق المقاول الأصلي مع المقاول من الباطن على عدم سداد مستحقات الأخير إلا بعد استلام المقاول الأصلي تلك المستحقات من صاحب العمل، يترتب عليه تعليق التزام المقاول الأصلي على شرط واقف، يظل معه نفاذ الالتزام متوقفاً إلى حين تحقق الواقعة المشروطة.

وأوضحت المحكمة أن المقاول من الباطن يحق له المطالبة بمستحقاته متى تحقق الشرط الواقف، وأن عبء إثبات تحقق الشرط يقع على الدائن المطالب بالحق.

كما أكدت أن استخلاص تحقق الشرط الواقف من عدمه يدخل في سلطة محكمة الموضوع، ولا رقابة عليها في ذلك متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق.

ويُفهم من هذا المبدأ أن شرط السداد التتابعي، المعروف في التعاملات التجارية باسم «Back-to-Back»، لا يُحسم أثره بمجرد التمسك به، بل يتعين فحص صياغة الاتفاق، وطبيعة الشرط، والوقائع والمستندات التي تثبت تحققه أو عدم تحققه.

رابعاً: المسألة القانونية الثانية — ما أثر إنجاز المشروع وانتهاء فترة الصيانة على الدفع بعدم استحقاق المبلغ؟

استندت محكمة الاستئناف، وفقاً لما أورده حكم التمييز، إلى أن المشروع صدرت له شهادة إنجاز بتاريخ 5 يوليو 2018، وأن فترة الصيانة انتهت بتاريخ 4 يوليو 2019.

واعتبرت المحكمة أن فترة السنوات الخمس التي تمسكت بها الطاعنة انتهت بتاريخ 4 يوليو 2024، وأنه لم يثبت استمرار وجود مبالغ مستحقة للمقاول الأصلي لدى شركة داماك عن المشروع محل النزاع، وفقاً لتقارير الخبرة التي أخذت بها.

كما أشارت المحكمة إلى أن تقارير الخبرة انتهت إلى أن المقاول الأصلي تسلم مستحقاته المتعلقة بالمشروع من المالك، وأن مبلغ المطالبة يترصد في ذمته لصالح المقاول من الباطن.

ومن ثم، رأت محكمة التمييز أن الأسباب التي استند إليها الحكم المطعون فيه في رفض الدفع برفع الدعوى قبل الأوان كانت سائغة، ومستمدة من أوراق الدعوى، وكافية لحمل قضائه.

ويكشف ذلك عن أهمية التمييز بين مجرد وجود شرط تعاقدي يعلق السداد على واقعة معينة، وبين ثبوت تحقق تلك الواقعة فعلياً من خلال المستندات وتقارير الخبرة.

خامساً: المسألة القانونية الثالثة — هل يتحمل المقاول الأصلي مسؤولية قيمة الضمان البنكي الذي قام بتسييله؟

تمثل جزء من المطالبة في قيمة خطاب الضمان البنكي البالغ 3,650,000 درهم، الذي قامت شركة ريم كابيتال بتسييله بتاريخ 27 أغسطس 2020.

وبحسب ما ورد في تقارير الخبرة التي اعتمدتها المحكمة، فإن المقاول من الباطن اضطر إلى سداد قيمة الضمان للبنك، إضافة إلى الفائدة المستحقة عليه، رغم ما انتهت إليه الخبرة من عدم أحقية المقاول الأصلي في الاحتفاظ بقيمة الضمان.

وقد أُدرجت قيمة الضمان ضمن المبلغ الإجمالي المحكوم به، والبالغ 8,437,155.93 درهماً، إلى جانب مستحقات الأعمال المنفذة.

وتبرز أهمية هذه المسألة في ضرورة فحص الغرض من إصدار الضمان البنكي، وشروط تسييله، والالتزامات التي يكفلها، ومدى توافر الأساس التعاقدي والقانوني لاستعماله.

ولا يكفي مجرد وجود خطاب ضمان للقول بأحقية المستفيد في تسييله في جميع الأحوال؛ إذ يتعين تقييم المطالبة في ضوء شروط الضمان والعلاقة التعاقدية والوقائع التي ثبتت في النزاع.

سادساً: المسألة القانونية الرابعة — هل يجوز للمقاول الأصلي مطالبة صاحب المشروع بمستحقاته دون اختصامه في دعوى المقاول من الباطن؟

تمسكت الطاعنة بأن صاحب المشروع، شركة داماك للتطوير العقاري، لم يسدد لها كامل الرصيد الختامي المستحق عن الأعمال المنفذة، وأن لها دعوى أخرى للمطالبة بمستحقاتها في مواجهته.

إلا أن المحكمة ميزت بين العلاقة التعاقدية القائمة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن، وبين العلاقة التي تربط المقاول الأصلي بصاحب المشروع.

وأوضحت تقارير الخبرة أن شركة داماك لم تكن طرفاً في عقد المقاولة من الباطن المبرم بين شركة ريم كابيتال وشركة الصباح العالمية، وأن الاتفاق بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن كان ينظم طريقة سداد المستحقات بينهما.

كما قررت محكمة التمييز عدم قبول الطعن في مواجهة شركة داماك، لعدم وجود خصومة قائمة بينها وبين الطاعنة في النزاع المطروح، وعدم توجيه طلبات متقابلة من إحداهما إلى الأخرى أمام محكمة الموضوع، وفقاً لما ثبت بالأوراق.

وتؤكد هذه النتيجة أهمية تحديد أطراف العلاقة التعاقدية، والتمييز بين الالتزام الناشئ عن عقد المقاولة من الباطن والالتزامات الناشئة عن العقد المبرم بين المقاول الأصلي وصاحب المشروع.

سابعاً: المسألة القانونية الخامسة — هل تلتزم المحكمة بندب خبير جديد عند الاعتراض على تقرير الخبرة؟

تمسكت الطاعنة بأن تقرير الخبرة الذي اعتمد عليه الحكم لم يبحث جميع مستنداتها واعتراضاتها بصورة كافية، وطلبت استدعاء الخبراء لمناقشتهم أو ندب خبير جديد.

غير أن محكمة التمييز أكدت أن تقدير عمل الخبراء من المسائل التي تستقل بها محكمة الموضوع، باعتبار الخبرة عنصراً من عناصر الإثبات في الدعوى.

وللمحكمة أن تأخذ بتقرير الخبرة متى اطمأنت إلى سلامة الأسس التي بُني عليها، واتفق مع الواقع الثابت في الأوراق، وأدى إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

كما قررت أن المحكمة ليست ملزمة بالرد استقلالاً على كل مستند أو تقرير استشاري أو اعتراض يقدمه الخصوم، متى كان أخذها بتقرير الخبرة الذي اطمأنت إليه يتضمن الرد الضمني على ما يخالفه من دفاع.

وأضافت أن الخبير ليس ملزماً باتباع أسلوب فني واحد دون غيره في أداء مهمته، طالما التزم بحدود المأمورية المسندة إليه، وأن رأيه يظل خاضعاً لتقدير محكمة الموضوع.

وبناءً على ذلك، لا يُعد رفض طلب ندب خبير جديد أو استدعاء الخبير لمناقشته إخلالاً بحق الدفاع بمجرده، إذا وجدت المحكمة في الأوراق والتقرير القائم ما يكفي لتكوين عقيدتها والفصل في النزاع.

ثامناً: حكم محكمة التمييز بدبي

انتهت محكمة التمييز بدبي، في الطعن رقم 1 لسنة 2025 طعن تجاري، بجلسة 16 يونيو 2025، إلى رفض الطعن وإلزام الطاعنة بمصروفاته، وبمبلغ ألفي درهم مقابل أتعاب المحاماة، مع الأمر بمصادرة التأمين.

وأقامت المحكمة قضاءها على أن الحكم المطعون فيه استند إلى أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق، وأن تقارير الخبرة التي أخذ بها أثبتت استحقاق المقاول من الباطن للمبلغ المحكوم به، شاملاً مستحقات الأعمال المنفذة وقيمة الضمان البنكي الذي جرى تسييله.

كما رأت أن ما أثارته الطاعنة بشأن شرط السداد التتابعي وطلب ندب خبرة أخرى لا ينال من سلامة الحكم، في ضوء الوقائع التي ثبتت أمام محكمة الموضوع والأسباب التي أقامت عليها قضاءها.

وبذلك استقر الحكم المطعون فيه، وبقي إلزام المقاول الأصلي بأداء مبلغ 8,437,155.93 درهماً قائماً.

تاسعاً: الفائدة القانونية للمحامين والمتعاملين في قطاع المقاولات

يقدم الحكم مجموعة من الدلالات العملية المهمة عند صياغة عقود المقاولة من الباطن وإدارة المنازعات الناشئة عنها.

أولاً، ينبغي صياغة شرط السداد التتابعي بصورة واضحة، مع تحديد الواقعة التي يتوقف عليها استحقاق المقاول من الباطن، وآلية إثبات تحققها، وأثر عدم تحصيل المقاول الأصلي مستحقاته من صاحب المشروع.

ثانياً، يجب على المقاول من الباطن الاحتفاظ بالمستندات التي تثبت إنجاز الأعمال، وشهادات الإنجاز والاستلام، والمستخلصات المعتمدة، والمراسلات المتعلقة بالمستحقات، وأي مستندات تخص الضمانات البنكية.

ثالثاً، عند تسييل ضمان بنكي، ينبغي فحص شروطه والغرض من إصداره، والتحقق من مدى أحقية المستفيد في استعماله، وتوثيق ما يترتب على ذلك من مبالغ وفوائد وأضرار قابلة للمطالبة.

رابعاً، لا ينبغي بناء الاعتراض على تقرير الخبرة على مجرد عدم الاتفاق مع النتيجة التي انتهى إليها. بل يتعين تحديد أوجه القصور الفنية أو الحسابية، والمستندات التي لم تُبحث، وأثر ذلك في النتيجة، مع تقديم اعتراضات محددة ومؤيدة بالأدلة.

خامساً، يجب التحقق من الصفة والخصومة قبل توجيه المطالبات إلى صاحب المشروع أو المقاول الأصلي أو غيرهما، مع مراعاة أن لكل علاقة تعاقدية أطرافها والتزاماتها الخاصة.

الخلاصة

أكدت محكمة التمييز بدبي أن الاتفاق على تعليق سداد مستحقات المقاول من الباطن على تحصيل المقاول الأصلي مستحقاته من صاحب المشروع قد ينشئ شرطاً واقفاً يتوقف عليه نفاذ الالتزام، وأن عبء إثبات تحقق هذا الشرط يقع على الدائن المطالب بالحق.

كما أكدت أن تقدير تقارير الخبرة من سلطة محكمة الموضوع، وأنها ليست ملزمة بندب خبير جديد أو استدعاء الخبراء لمناقشتهم متى وجدت في أوراق الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها.

وفي النزاع محل الدراسة، رفضت المحكمة الطعن وأبقت الحكم بإلزام المقاول الأصلي بأداء مبلغ 8,437,155.93 درهماً للمقاول من الباطن، شاملاً مستحقات الأعمال المنفذة وقيمة الضمان البنكي الذي جرى تسييله.

بيانات الحكم: محكمة التمييز بدبي — الطعن رقم 1 لسنة 2025 طعن تجاري — جلسة 16 يونيو 2025 — رفض الطعن.

المصدر: الحكم المنشور على الموقع الرسمي لمحاكم دبي، والمرفق بهذه الدراسة.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

2 Ab 40 D 5 C 0 F 99 4 E 6 A 93 F 2 65 A 44905 C 910 Pdf

PDF – 242.9 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.