يتسبب إهمال إجراءات السلامة في وفاة عامل فتؤكد المحكمة الاتحادية العليا مسؤولية المدير الشخصية عن القتل الخطأ – الطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي

Published on October 20, 2026 at 2:30 PM

يُهمل صيانة آلة في المصنع فتسقط على عامل وتودي بحياته.. المحكمة الاتحادية العليا تؤكد مسؤولية المدير الشخصية عن القتل الخطأ – الطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يُسأل مدير المصنع شخصياً عن وفاة عامل إذا ثبت إهماله في توفير وسائل الأمن والسلامة واستخدام آلة متهالكة رغم وجود عيوب فنية فيها؟ وهل يُعفى المدير من المسؤولية الجزائية بحجة أن الواقعة تتصل بنشاط الشركة، أو لأن العامل المتوفى ساهم بخطئه في وقوع الحادث؟ وما أثر إيداع مبلغ الدية في خزينة المحكمة قبل صدور الحكم؟

أولاً: وقائع الدعوى

تعود وقائع القضية إلى حادث وقع بتاريخ 22 نوفمبر 2019 في أحد المصانع، حيث كان المتهم يعمل مديراً للشركة ومسؤولاً عن موقع العمل وتوفير احتياطات الأمن والسلامة.

ووفقاً لما ثبت في الحكم، استُخدمت آلة لرص الطابوق وهي في حالة فنية سيئة، وبها عيوب فنية سبق الإبلاغ عنها للمسؤول عن العمل. وأثناء حمل الآلة، سقط الدينامو الخاص بها على العامل المجني عليه، فأصيب بالإصابات التي أثبتها التقرير الطبي، والتي أودت بحياته.

واستند الاتهام إلى أن المدير أخل بما تفرضه عليه أصول مهنته من توفير سبل الأمن والسلامة، ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لمعالجة العيوب الفنية في الآلة، رغم إبلاغه بها.

وقد استمعت المحكمة إلى أقوال الشهود، الذين أفادوا بأن الحادث وقع نتيجة سقوط الدينامو من أعلى على جسم العامل، وأن سبب سقوطه يرجع إلى وجود عيوب فنية في آلة رص الطابوق، وأن المدير المسؤول أُبلغ بتلك العيوب، إلا أنه طلب من العاملين مواصلة العمل وعدم النقاش.

كما استند الحكم إلى تقرير فحص الحالة الفنية للمصنع، الذي خلص إلى وجود تشققات وتآكل في جدران المبنى وحديد التسليح، وإلى التقرير الطبي الذي ربط إصابات المجني عليه بسقوط الآلة عليه.

ثانياً: الإجراءات القضائية

أحالت النيابة العامة المتهم إلى المحاكمة الجزائية عن واقعة التسبب بخطئه في وفاة العامل، لكونه مديراً للشركة ومسؤولاً عن الموقع وعن توفير احتياطات الأمن والسلامة.

وبتاريخ 17 أبريل 2025، قضت محكمة أول درجة بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة سنة، وتغريمه مبلغ خمسة آلاف درهم، مع وقف تنفيذ عقوبة الحبس لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من تاريخ تنفيذ الحكم، وإلزامه بدفع الدية الشرعية بمبلغ 200,000 درهم لورثة المتوفى.

فاستأنف المتهم الحكم بالاستئناف رقم 765 لسنة 2025 جزاء، وقضت المحكمة الاتحادية الاستئنافية بتاريخ 22 مايو 2025 بتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنف بالرسوم.

ولم يرتضِ المتهم بهذا القضاء، فطعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا بالطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي، متمسكاً بعدة أوجه، من بينها الخطأ في تطبيق القانون، والفساد في الاستدلال، وعدم مسؤوليته الشخصية عن الواقعة، والاعتراض على إلزامه بالدية رغم إيداع مبلغها في خزينة المحكمة.

ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — هل يُسأل المدير شخصياً عن جريمة وقعت أثناء ممارسة الشركة لنشاطها؟

تمسك الطاعن بأن الواقعة تتعلق بنشاط الشركة، وأن مسؤوليته لم تكن شخصية، ودفع بأن عقوبة الحبس لا يجوز الحكم بها على الشخص الاعتباري، الذي لا يُعاقب، وفقاً لما أثاره، إلا بالغرامة.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رفضت هذا الدفاع، وقررت أن لمحكمة الموضوع السلطة في تكييف وقائع الدعوى وإسباغ الوصف القانوني الصحيح عليها، وتحديد مدى مسؤولية المتهم وطبيعة تلك المسؤولية، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق.

وفي الدعوى محل الطعن، لم تُقم المحكمة مسؤولية المدير على مجرد صفته الوظيفية، وإنما على أفعال شخصية نُسبت إليه، تمثلت في الإخلال بواجباته المهنية المتعلقة بتوفير وسائل الأمن والسلامة، والسماح باستخدام آلة في حالة فنية سيئة رغم وجود عيوب فيها.

واستخلصت المحكمة من الأدلة أن هذا الإخلال أدى إلى سقوط الدينامو على العامل ووفاته، ومن ثم فإن المسؤولية الجزائية كانت مسؤولية شخصية عن الخطأ المنسوب إلى المدير، وليست مجرد مسؤولية عن تصرفات الشركة بوصفها شخصاً اعتبارياً.

المبدأ القانوني: العبرة في تحديد المسؤولية الجزائية ليست بمجرد صفة المتهم أو موقعه الوظيفي، وإنما بطبيعة الأفعال المنسوبة إليه ومدى ثبوت مسؤوليته الشخصية عنها وفقاً للأدلة المطروحة.

رابعاً: المسألة القانونية الثانية — هل يكفي وجود عيوب فنية في آلة المصنع لإثبات مسؤولية المدير؟

قررت المحكمة أن تقدير الخطأ الموجب للمسؤولية الجزائية يستلزم بحث الوقائع والأدلة، وتحديد ما إذا كان المتهم قد أخل بواجباته، وما إذا كان هذا الإخلال قد أدى إلى النتيجة التي وقعت.

وفي هذه القضية، استند الحكم إلى مجموعة من الأدلة المتساندة، شملت أقوال الشهود بشأن سقوط الدينامو وسبق إبلاغ المدير بالعيوب الفنية، وتقرير فحص الحالة الفنية للمصنع، والتقرير الطبي المتعلق بإصابات العامل وسبب وفاته.

وقد خلصت محكمة الموضوع إلى أن استخدام الآلة وهي في حالة سيئة، مع الإخلال بمتطلبات السلامة المهنية، أدى إلى سقوط الدينامو وإصابة العامل إصابات أودت بحياته.

ولم ترَ المحكمة الاتحادية العليا أن استخلاص محكمة الموضوع يشوبه خطأ قانوني، إذ كان قائماً على أدلة لها أصل ثابت في الأوراق وتكفي لحمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

وتبرز أهمية هذه المسألة في أن إثبات المسؤولية لا يقوم على وقوع الحادث وحده، بل يتطلب تحديد الخطأ المنسوب إلى المتهم، وبيان علاقته بالنتيجة، وفقاً لما تستخلصه المحكمة من الأدلة.

خامساً: المسألة القانونية الثالثة — هل يمكن إعفاء المدير من المسؤولية بحجة أن العامل المتوفى هو المخطئ؟

دفع الطاعن بأن الحكم حمّله كامل المسؤولية عن الحادث، في حين أن العامل المجني عليه، بحسب دفاعه، هو المخطئ ويتحمل المسؤولية عما أصابه.

غير أن المحكمة الاتحادية العليا أكدت أن فهم واقع الدعوى وتقدير أدلتها والترجيح بينها، واستخلاص الخطأ المستوجب للمسؤولية، وتحديد مدى توافر رابطة السببية بين الخطأ والضرر، من المسائل التي تستقل بها محكمة الموضوع.

ويشمل ذلك تقدير ما إذا كان الخطأ قد ارتكبه المتهم منفرداً أو شاركه فيه غيره، بشرط أن يكون استخلاص المحكمة سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت في الأوراق.

وفي القضية محل الطعن، استخلصت محكمة الموضوع مسؤولية المدير الشخصية من الأدلة التي أثبتت وجود عيوب فنية في الآلة، وسبق إبلاغه بها، وإخلاله بواجب توفير وسائل السلامة، وارتباط ذلك بسقوط الآلة ووفاة العامل.

ولذلك، اعتبرت المحكمة الاتحادية العليا أن الاعتراض على تقدير مسؤولية المدير في ضوء الأدلة المطروحة لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع، ولا يجوز إعادة طرحه أمام المحكمة العليا لمجرد عدم موافقة الطاعن على النتيجة التي انتهت إليها.

سادساً: المسألة القانونية الرابعة — ما حدود سلطة المحكمة العليا في مراجعة تقدير الأدلة؟

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الموضوع تستقل بتقدير الأدلة واستخلاص الخطأ وتحديد رابطة السببية، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق.

ولا تتحول المحكمة العليا إلى محكمة موضوع تعيد وزن الأدلة وموازنة أقوال الشهود من جديد، لمجرد أن المتهم يرى أن الأدلة كان ينبغي أن تؤدي إلى نتيجة مختلفة.

فإذا كان الحكم قد بيّن واقعة الدعوى وأركان الجريمة، وأورد الأدلة التي استند إليها، وأقام قضاءه على أسباب سائغة تكفي لحمله، فإن النعي على الحكم بالفساد في الاستدلال لا يكون مقبولاً إذا انصب في حقيقته على مجرد مجادلة محكمة الموضوع في تقديرها للأدلة.

وفي هذه القضية، رأت المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم المطعون فيه قد بيّن الواقعة وأدلتها، وأيد ما انتهى إليه الحكم المستأنف من ثبوت مسؤولية الطاعن الشخصية، ولم تجد في أوجه الطعن ما يغير من سلامة هذا الاستخلاص.

سابعاً: المسألة القانونية الخامسة — هل يجوز الحكم بالدية رغم إيداع مبلغها في خزينة المحكمة؟

تمسك الطاعن بأن الحكم خالف القانون عندما ألزمه بدفع الدية الشرعية البالغة 200,000 درهم، رغم أنه سبق أن أودع المبلغ في خزينة المحكمة.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا أوضحت أن الدية عقوبة أصلية لجريمة القتل الخطأ، ويتعين القضاء بها ولو لم يطلبها أولياء الدم.

كما فرقت المحكمة بين إيداع مبلغ في حساب المحكمة على سبيل الأمانة لحين الفصل في الدعوى، وبين صدور حكم قضائي بالدية الشرعية وتحديد استحقاقها لورثة المجني عليه.

فمجرد إيداع المبلغ لا يغني عن صدور الحكم بالدية، كما أن تسليم المبلغ إلى أولياء الدم المستحقين له يتعلق بمرحلة تنفيذ الحكم بعد صدوره وصيرورته باتاً.

وبناءً على ذلك، رفضت المحكمة هذا النعي، وقررت أن إلزام الطاعن بالدية رغم إيداع المبلغ لا يشكل مخالفة للقانون، لأن الإيداع المسبق لا يغني عن القضاء بها في الحكم الجزائي.

المبدأ القانوني: إيداع مبلغ الدية في خزينة المحكمة لا يمنع من صدور حكم قضائي بها، لأن الإيداع على سبيل الأمانة يختلف عن الحكم بالدية وتحديد استحقاقها للمستفيدين.

ثامناً: حكم المحكمة الاتحادية العليا

قضت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي، بجلسة 13 يناير 2026، برفض الطعن.

وأيدت المحكمة الحكم المطعون فيه الذي انتهى إلى ثبوت مسؤولية المدير الشخصية عن وفاة العامل، نتيجة الإخلال بواجبات السلامة المهنية واستخدام آلة رص الطابوق وهي في حالة فنية سيئة، بما أدى إلى سقوط الدينامو وإصابة العامل إصابات أودت بحياته.

كما رفضت المحكمة الدفع المتعلق بتحميل العامل المتوفى المسؤولية عن الحادث، معتبرة أن تقدير الخطأ ورابطة السببية من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع متى كان استخلاصها سائغاً.

ورفضت كذلك الاعتراض المتعلق بالدية الشرعية، مؤكدة أن إيداع المبلغ في خزينة المحكمة لا يغني عن الحكم بها.

وبذلك بقي الحكم الصادر بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة سنة مع وقف التنفيذ لمدة ثلاث سنوات، وتغريمه مبلغ خمسة آلاف درهم، وإلزامه بالدية الشرعية البالغة 200,000 درهم، قائماً وفقاً لما ورد في الحكم.

تاسعاً: الفائدة القانونية للمحامين وأصحاب المنشآت

يبرز الحكم أهمية التمييز بين مسؤولية الشركة كشخص اعتباري ومسؤولية المدير الشخصية عن الأفعال التي يرتكبها أو الإخلال بالواجبات المهنية المنوطة به.

فلا يكفي الدفع بأن الحادث وقع أثناء ممارسة نشاط الشركة لنفي مسؤولية المدير، إذا ثبتت أفعال شخصية تشكل خطأً موجباً للمسؤولية الجزائية.

كما يؤكد الحكم ضرورة الالتزام بمعايير الأمن والسلامة في مواقع العمل، والتعامل الجدي مع البلاغات المتعلقة بالعيوب الفنية في المعدات والآلات، وعدم السماح باستمرار تشغيل المعدات غير الآمنة دون اتخاذ التدابير اللازمة.

ومن الناحية العملية، ينبغي توثيق إجراءات الصيانة والفحص الدوري، والاحتفاظ بسجلات البلاغات الفنية، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بسلامة المعدات، واتخاذ إجراءات واضحة لإيقاف تشغيل الآلات التي تشكل خطراً على العاملين.

ويؤكد الحكم كذلك أهمية بناء أسباب الطعن على عيوب قانونية حقيقية في الحكم، بدلاً من الاقتصار على إعادة مناقشة الأدلة التي سبق لمحكمة الموضوع تقديرها.

وأخيراً، يجب التمييز بين إيداع مبلغ مالي لدى المحكمة وبين صدور حكم قضائي باستحقاقه، لأن لكل منهما أثراً قانونياً مختلفاً.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المدير قد يسأل جزائياً بصفته الشخصية عن جريمة القتل الخطأ متى ثبت إخلاله بواجباته المهنية، وكان هذا الإخلال سبباً في وفاة العامل وفقاً للأدلة التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع.

كما قررت أن تقدير الخطأ ورابطة السببية من سلطة محكمة الموضوع، متى كان استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أوراق الدعوى، وأن مجرد الاعتراض على وزن الأدلة لا يكفي لنقض الحكم.

وأكدت المحكمة أيضاً أن الدية الشرعية عقوبة أصلية لجريمة القتل الخطأ، وأن إيداع مبلغها في خزينة المحكمة لا يغني عن صدور الحكم القضائي بها.

بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا — الطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي — جلسة 13 يناير 2026 — رفض الطعن.

المصدر: الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا، وفقاً للمستند محل الدراسة.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1249 لسنة 2025 جزائي Docx

Word – 58.4 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.