تُثبت المراسلات والإيصالات حقوق الشريكة في الشركة رغم تجاهل الأدلة – الطعن رقم 27 لسنة 2026 مدني

Published on October 20, 2026 at 3:18 PM

هل يجوز للمحكمة أن تقضي برفض طلبات أحد الخصوم دون تمحيص المحررات والمراسلات الإلكترونية والإقرارات والإيصالات البنكية التي يتمسك بها لإثبات حقوقه المالية في الشركة؟ وهل يكفي أن تعلن المحكمة اطمئنانها إلى بعض القرائن، دون أن تواجه الأدلة الكتابية المؤثرة في النزاع برد سائغ؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 27 لسنة 2026 مدني أن محكمة الموضوع ملزمة بالإحاطة بأدلة الدعوى وتمحيص الدفاع الجوهري والرد عليه. فإذا أغفلت أدلة كتابية ومراسلات إلكترونية وإقرارات ومستندات بنكية من شأنها التأثير في نتيجة النزاع، شاب حكمها القصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق، بما يوجب نقضه.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى في أن المدعية أقامت الدعوى رقم 1918 لسنة 2024 مدني عجمان ضد المدعى عليهما، طالبةً الحكم بصورية ملكية المدعى عليه الثاني لشركة تعمل في مجال خدمات العمالة المساعدة، وإثبات شراكتها مع المدعى عليه الأول مناصفةً في الشركة، ومخاطبة دائرة التنمية الاقتصادية بعجمان لنقل ملكية الشركة إليهما.

كما طلبت إلزام المدعى عليهما بالتضامن بأن يؤديا لها مبلغ 500,000 درهم تعويضًا عن الاستيلاء على حصتها في الشركة، ورد المستندات والأموال والمنقولات التي قالت إنهما استوليا عليها من مقر الشركة.

واحتياطيًا، طلبت إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات الوقائع الواردة في صحيفة الدعوى، أو ندب خبير حسابي.

وأسست المدعية دعواها على أنها اتفقت شفهيًا مع المدعى عليه الأول، وهو عمها بحسب ما ورد في الحكم، على إنشاء شركة لخدمات العمالة المساعدة، على أن تكون الشراكة بينهما مناصفةً، بينما يكون المدعى عليه الثاني كفيلًا للشركة مقابل مبلغ مالي سنوي.

وذكرت أنها حولت مبلغ 500,000 درهم إلى حساب المدعى عليه الثاني لتغطية الضمان الحكومي للشركة، وأنها سددت مبالغ تتعلق بتأسيس الشركة وتشغيلها، بما في ذلك جزء من مقابل الكفالة والإيجار ورسوم الترخيص.

كما تمسكت بأنها كانت تتولى إدارة الشركة، وقدمت مستندات ومراسلات وإيصالات قالت إنها تثبت مساهماتها المالية وحقوقها في الشركة.

ثانياً: الأدلة التي استندت إليها المدعية

تمسكت المدعية بمجموعة من الأدلة الكتابية والإلكترونية لإثبات حقيقة العلاقة بين الأطراف والمبالغ التي دفعتها، ومن أبرزها:

  • المحررات والمستندات المتعلقة بالاتفاق على إنشاء الشركة وترتيب العلاقة بين الأطراف.

  • المراسلات الإلكترونية التي تمسكت بدلالتها على حقيقة دور المدعى عليه الثاني، باعتباره كفيلًا للرخصة، وعلى طلب مبلغ 500,000 درهم لتنفيذ الضمان.

  • إيصالات الإيداع البنكي وأصول الشيكات والمستندات التي قالت إنها تثبت سدادها المبالغ الخاصة برخصة الشركة والإيجار ورسوم الترخيص.

  • ما تمسكت به من إقرار في الرسائل الإلكترونية بشأن صفة المدعى عليه الثاني ككفيل للرخصة.

  • اليمين المتممة التي أشارت إليها في دفاعها.

كما تمسكت المدعية بأن المدعى عليهما لم يقدما دليلًا على قيامهما بسداد رأسمال الشركة أو الإيجار ورسوم الترخيص، وطلبت إحالة الدعوى للتحقيق لتأكيد الأدلة التي قدمتها.

ثالثاً: الإجراءات والأحكام السابقة

بعد تداول الدعوى أمام محكمة أول درجة، صدر حكم بتاريخ 27 فبراير 2025 بإلزام المدعى عليه الأول بأن يدفع للمدعية مبلغ 638,916.67 درهم، مع إلزامه بالمصروفات ورفض ما عدا ذلك من طلبات.

استأنف المدعى عليهما الحكم، فقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 25 يونيو 2025 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.

ثم طعن المدعى عليه الأول على الحكم بالنقض، فقضت محكمة النقض بتاريخ 24 سبتمبر 2025 بنقض الحكم وإحالة القضية إلى المحكمة التي أصدرته لنظرها بهيئة مغايرة.

وبعد إعادة نظر الدعوى، قضت محكمة الاستئناف بتاريخ 30 ديسمبر 2025 بإلغاء الحكم المستأنف وعدم قبول طلب الإلزام.

طعنت المدعية على الحكم الأخير بالنقض، وتمسكت بأن المحكمة أغفلت أدلة الإثبات الجوهرية التي قدمتها، وأن ما انتهت إليه لا يتفق مع الثابت في الأوراق.

رابعاً: المسألة القانونية محل الفصل

تمحور النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا حول مدى التزام محكمة الموضوع ببحث الأدلة الكتابية والإلكترونية المقدمة في الدعوى، وما إذا كان إغفال هذه الأدلة والدفاع القائم عليها يشكل قصورًا في التسبيب وإخلالًا بحق الدفاع.

كما تناول الحكم حجية المحررات الرسمية والعرفية، والمراسلات المنسوبة إلى مرسلها، والدليل الإلكتروني، والإقرار غير القضائي، وأثر ذلك كله في واجب المحكمة في تكوين عقيدتها على أساس أدلة مطروحة وممحصة.

خامساً: حجية المحرر الرسمي في الإثبات

أوضحت المحكمة أن المحرر الرسمي هو المحرر الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، وفق الأوضاع القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه.

وإذا لم يستوفِ المحرر الشروط القانونية اللازمة لاعتباره رسميًا، فإنه تكون له حجية المحرر العرفي متى وقّعه ذوو الشأن بإمضاءاتهم أو أختامهم أو ببصمات أصابعهم.

كما قررت المحكمة أن المحرر الرسمي يكون حجة على الكافة فيما دونه محرره من أمور قام بها في حدود مهمته، أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره، ما لم يثبت تزويره بالطرق المقررة قانونًا. ويكون ما يذكره ذوو الشأن في المحرر حجة عليهم، ما لم يثبت خلاف ذلك.

ويؤكد هذا المبدأ أهمية التمييز بين حجية المحرر الرسمي وما يثبت فيه من وقائع، وبين ما يورده ذوو الشأن من بيانات أو أقوال تخضع للقواعد القانونية المنظمة لحجيتها.

سادساً: حجية المراسلات الإلكترونية والدليل الإلكتروني

قررت المحكمة أن المراسلات الموقعة أو الثابتة النسبة إلى مرسلها تكون لها حجية المحرر العرفي في الإثبات، ما لم يثبت المرسل أنه لم يرسلها بنفسه أو لم يكلف غيره بإرسالها.

كما أوضحت أن الدليل الإلكتروني يشمل البيانات والمعلومات التي تُنشأ أو تُخزن أو تُستخرج أو تُنسخ أو تُرسل أو تُبلّغ أو تُستقبل بوسائل تقنية المعلومات، متى كانت قابلة للاسترجاع بصورة يمكن فهمها.

ويدخل في ذلك السجل الإلكتروني، والمحرر الإلكتروني، والتوقيع الإلكتروني، والختم الإلكتروني، والمراسلات الإلكترونية، بما فيها البريد الإلكتروني ووسائل الاتصال الحديثة، وغيرها من الأدلة الإلكترونية.

وبناءً على ذلك، لا يجوز إغفال المراسلات الإلكترونية لمجرد كونها إلكترونية؛ بل يتعين بحثها وتقدير حجيتها وفق القواعد القانونية ذات الصلة، متى تمسك الخصم بدلالتها في النزاع.

سابعاً: الإقرار غير القضائي وحجيته في الإثبات

تناول الحكم كذلك أحكام الإقرار، موضحًا أنه قد يكون صريحًا أو ضمنيًا، ويصدر باللفظ أو بالكتابة.

أما إثبات الإقرار غير القضائي، فيخضع لقواعد الإثبات القانونية، بما في ذلك القاعدة التي تقضي بعدم جواز إثباته بالشهادة إلا في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك.

وفي النزاع محل الحكم، تمسكت المدعية بما قالت إنه إقرار في المراسلات الإلكترونية بشأن صفة المدعى عليه الثاني ككفيل للرخصة، وبطلبه منها سداد مبلغ 500,000 درهم لتنفيذ الضمان.

وكان يتعين على محكمة الموضوع بحث هذه المراسلات وتقدير دلالتها في ضوء بقية الأدلة، بدلًا من إغفالها رغم تمسك المدعية بأثرها في إثبات حقيقة العلاقة بين الأطراف.

ثامناً: وجوب بحث الدفاع الجوهري والرد عليه

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الموضوع ملزمة بالإحاطة بأدلة الدعوى، وأن تواجه الدفاع الجوهري الذي قد يتغير به وجه الرأي في النزاع.

فإذا أغفلت المحكمة مناقشة أدلة مؤثرة تمسك الخصم بدلالتها، ولم تمحصها بما يكشف عن إحاطتها بحقيقة الواقع، كان حكمها قاصرًا في التسبيب.

كما أن إغفال بحث دفاع جوهري أو الإعراض عنه دون تسبيب مقبول يعيب الحكم؛ إذ يجب أن يتضمن الحكم ما يطمئن المطلع عليه إلى أن المحكمة فهمت واقع الدعوى، وأحاطت بعناصرها وأدلتها، ومحصت دفاع الخصوم، وواجهته برد كافٍ وسائغ.

ولا يكفي في هذا المقام التمسك باطمئنان مجرد إلى قرينة معينة إذا كان هذا الاطمئنان يتعارض مع أدلة أخرى قاطعة مطروحة على المحكمة؛ لأن الاقتناع القضائي يجب أن يستند إلى أساس قانوني سليم.

تاسعاً: تطبيق المحكمة لهذه المبادئ على النزاع

عند تطبيق المبادئ السابقة، لاحظت المحكمة أن المدعية تمسكت بأدلة كتابية وإلكترونية، وبمراسلات تضمنت طلب مبلغ 500,000 درهم لتنفيذ الضمان، وبما قالت إنه إقرار بأن المدعى عليه الثاني مجرد كفيل للرخصة.

كما قدمت مستندات قالت إنها تثبت سدادها تكاليف رخصة الشركة والإيجار ورسوم الترخيص، بما في ذلك إيصالات الإيداع البنكي وأصول الشيكات، وتمسكت بعدم تقديم المدعى عليهما دليلًا على سداد رأسمال الشركة.

ورغم ذلك، انتهى الحكم المطعون فيه إلى إلغاء الحكم السابق وعدم قبول طلب الإلزام، دون بحث الدفاع الجوهري وتمحيص الأدلة بالقدر اللازم.

ورأت المحكمة أن إغفال هذه الأدلة، رغم تمسك المدعية بدلالتها، يشكل قصورًا في التسبيب ومخالفة للثابت بالأوراق، وأن الأسباب التي أقيم عليها الحكم لا تكفي لحمل قضائه.

عاشراً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن نعي المدعية سديد، وأن الحكم المطعون فيه شابه القصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق، بسبب تجاهله الأدلة الكتابية والإلكترونية والإقرارات والمستندات التي تمسكت بها المدعية.

وقضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.

ولا يعني النقض، في ذاته، أن المحكمة حسمت نهائيًا جميع المسائل الموضوعية المتعلقة بملكية الشركة أو الشراكة أو مقدار المبالغ المستحقة؛ وإنما يعني أن الحكم المطعون فيه لم يعالج الأدلة والدفاع الجوهري معالجة قانونية كافية، بما يستوجب إعادة نظر الدعوى وفق ما قررته المحكمة من مبادئ.

الحادي عشر: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من هذا الحكم في الآتي:

  1. المحرر الرسمي له حجية قانونية محددة: وفق طبيعة ما يثبته محرره وحدود اختصاصه، مع مراعاة الأحكام المتعلقة بما يذكره ذوو الشأن فيه.

  2. المراسلات الإلكترونية قد تكون دليلًا معتبرًا: متى ثبتت نسبتها إلى مرسلها، وتوافرت شروط حجيتها وفق القانون.

  3. الإقرار قد يكون صريحًا أو ضمنيًا، باللفظ أو بالكتابة: ويخضع إثبات الإقرار غير القضائي لقواعد الإثبات القانونية.

  4. بحث الأدلة المؤثرة واجب على محكمة الموضوع: ولا يجوز إغفال مستندات أو مراسلات قد تؤثر في النتيجة التي تنتهي إليها المحكمة.

  5. الدفاع الجوهري يستوجب ردًا سائغًا: فإذا كان من شأنه، لو صح، أن يغير وجه الرأي في الدعوى، فإن إغفاله قد يعيب الحكم بالقصور في التسبيب.

  6. نقض الحكم لا يعني بالضرورة الفصل النهائي في أصل الحق: فقد يكون سبب النقض قصور الحكم في بحث الأدلة، بما يستوجب إعادة الدعوى للفصل فيها وفقًا للمبادئ القانونية التي قررتها المحكمة.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 27 لسنة 2026 مدني أن الفصل في النزاع لا يصح أن يقوم على تجاهل الأدلة الكتابية والإلكترونية الجوهرية التي يتمسك بها الخصوم.

فالمراسلات الإلكترونية والإقرارات والإيصالات البنكية والمحررات المقدمة في الدعوى يجب أن تُبحث وتُمحص وفق القواعد القانونية المنظمة لحجيتها، متى كانت مؤثرة في النزاع.

كما شددت المحكمة على أن واجب محكمة الموضوع لا يقتصر على إعلان اطمئنانها إلى بعض القرائن، بل يمتد إلى إحاطتها بكافة الأدلة الجوهرية والرد على الدفاع المؤثر ردًا سائغًا، بما يضمن أن يكون الحكم قائمًا على أسباب كافية ومصدر قانوني سليم.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 27 لسنة 2026 مدني، جلسة 4 مارس 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 27 لسنة 2026 مدني Docx

Word – 59.8 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.