يطلب المقاصة القضائية بين دينين متقابلين فيُلزم القانون المحكمة ببحثها – الطعن رقم 36 لسنة 2026 تجاري

Published on October 20, 2026 at 3:12 PM

إذا كان كل طرف في الدعوى دائنًا ومدينًا للطرف الآخر، وتقدم أحدهما بطلب إجراء المقاصة القضائية بين الدينين، فهل يجوز للمحكمة رفض الطلب بحجة أن على الطرفين إثارة المقاصة أمام دائرة التنفيذ بعد صيرورة الحكم باتًا؟ أم يتعين عليها بحث الطلب والفصل فيه متى قُدم بالطريق الإجرائي الصحيح وتوافرت شروطه

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

القانونية؟

حسمت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسألة في الطعن رقم 36 لسنة 2026 تجاري، مؤكدةً أن المقاصة القضائية تتم بحكم من القاضي متى توافرت شروطها، وأن طلب إجرائها يجب أن يُبدى في صورة طلب عارض مستوفٍ لشروطه ورسومه، حتى تلتزم المحكمة بتحقيقه والفصل فيه.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا للحكم، في أن المدعي أقام دعوى طالبًا إلزام المدعى عليه بأن يؤدي له مبلغ 100,000 دولار أمريكي، أو ما يعادله بالدرهم الإماراتي، وقدره 367,000 درهم، مع الفائدة القانونية بنسبة 5% سنويًا.

وأوضح المدعي أنه تعاقد بتاريخ 23 نوفمبر 2015 على بيع ثلاث لوحات فنية مقابل مبلغ 300,000 دولار أمريكي، وأن المدعى عليه كان محامي طرفي العقد ووسيطًا بينهما، يتولى استلام اللوحات وتسليمها، واستلام الثمن وتسليمه إلى المدعي.

وبحسب الوقائع الواردة في الحكم، استلم المدعى عليه شيك الثمن، وأفاد في رسالة إلكترونية بتاريخ 8 ديسمبر 2015 بأنه سيتم صرفه بعد شهر. كما أقر باستلام اللوحات من المدعي بصفته ممثلًا للمشتري، بموجب محرر عرفي مؤرخ في 23 يناير 2016.

إلا أن المدعي تمسك بأن المدعى عليه امتنع عن سداد جزء من قيمة اللوحات، مقداره 100,000 دولار أمريكي، فأقام دعواه للمطالبة به.

ثانياً: الدعوى المتقابلة وطلب إجراء المقاصة

في المقابل، أقام المدعى عليه دعوى متقابلة طالب فيها بإلزام الطرف الآخر بأن يؤدي له مبلغ 187,050 دولارًا أمريكيًا، أو ما يعادله بالدرهم الإماراتي، وقدره 686,474 درهمًا، إضافة إلى الفائدة القانونية بنسبة 5% وفقًا لما ورد في طلباته.

كما طلب إجراء المقاصة فيما قد يُقضى به لكل طرف في مواجهة الآخر، بما يسمح بتحديد صافي المبلغ المستحق بعد احتساب الدينين المتقابلين، وفقًا للشروط القانونية للمقاصة.

وتبرز أهمية هذه الواقعة في أن النزاع لم يعد مقتصرًا على مطالبة أصلية بدين واحد، بل أصبح يتضمن مطالبتين متقابلتين، يطلب كل طرف بموجبهما الحكم له بمبلغ في مواجهة الطرف الآخر.

ثالثاً: الأحكام الصادرة في الدعويين الأصلية والمتقابلة

قضت محكمة أول درجة، بجلسة 24 فبراير 2025، بإلزام المدعى عليه في الدعوى الأصلية بأن يؤدي للمدعي مبلغ 30,000 دولار أمريكي، أو ما يعادله بالدرهم الإماراتي، مع الفائدة القانونية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية وحتى السداد التام.

كما قضت في الدعوى المتقابلة بإلزام المدعى عليه فيها بأن يؤدي للمدعي تقابلًا مبلغ 70,000 دولار أمريكي، أو ما يعادله بالدرهم الإماراتي، مع الفائدة القانونية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية وحتى السداد التام.

وبجلسة 28 يوليو 2025، قضت محكمة ثاني درجة برفض الاستئنافين وتأييد الحكم المستأنف.

ثم صدر حكم بعدم قبول الطعن رقم 786 لسنة 2025 بتاريخ 24 سبتمبر 2025، وفقًا لما ورد في الأوراق.

وبتاريخ 28 يناير 2026، تقدم النائب العام بطعن لمصلحة القانون، على أساس أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون عندما رفض إجراء المقاصة القضائية رغم تقديم طلب بها، وأحال الطرفين إلى دائرة التنفيذ لإثارتها بعد صيرورة الحكم باتًا.

رابعاً: الطعن بالنقض لمصلحة القانون

تناول الحكم سلطة النائب العام في الطعن بالنقض أو التمييز لمصلحة القانون، وفقًا للمادة (176) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2024 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، كما ورد في الحكم.

ويجوز للنائب العام، وفقًا للنص الذي استندت إليه المحكمة، الطعن في الأحكام الانتهائية إذا كان الحكم مبنيًا على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، وذلك في الحالات التي حددها النص، ومنها الأحكام التي لا يجيز القانون للخصوم الطعن فيها، أو التي فات ميعاد الطعن عليها، أو نزل الخصوم عن الطعن فيها، أو قُضي بعدم قبول الطعن المرفوع بشأنها.

وأكدت المحكمة أن الطعن لمصلحة القانون يجب أن يستند إلى عيب قانوني في الحكم مرتبط بمنطوقه، بحيث يكون قضاؤه مؤسسًا على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله.

وفي الدعوى محل البحث، رأت المحكمة أن النعي الذي أثاره النائب العام في محله، لأن الحكم رفض إعمال المقاصة القضائية رغم تقديم طلب بها، مع توافر شروطها القانونية وفق ما انتهى إليه الحكم.

خامساً: ما المقصود بالمقاصة الجبرية؟

استندت المحكمة إلى المادة (370) من القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 بإصدار قانون المعاملات المدنية وتعديلاته، التي حددت شروط المقاصة الجبرية.

ويشترط لإجرائها أن يكون كل من الطرفين دائنًا ومدينًا للآخر، وأن يتماثل الدينان جنسًا ووصفًا واستحقاقًا وقوةً وضعفًا، وألا يترتب على المقاصة إضرار بحقوق الغير، سواء اتحد سبب الدينين أو اختلف.

ومؤدى ذلك أن مجرد وجود دينين متقابلين لا يكفي وحده لإجراء المقاصة الجبرية، بل لا بد من تحقق الشروط القانونية التي حددها النص.

سادساً: شروط المقاصة القضائية

قررت المحكمة، استنادًا إلى المادة (372) من قانون المعاملات المدنية المشار إليه، أن المقاصة القضائية تتم بحكم من القاضي متى توافرت شروطها، وبطلب أصلي أو عارض.

كما أكدت أن طلب إجراء المقاصة القضائية بين دينين يجب إبداؤه في صورة طلب عارض حتى تلتزم المحكمة بتحقيقه وإجرائه بين الدينين بمقدار الأقل، متى توافرت الشروط القانونية.

وعليه، فإن تقديم طلب المقاصة بالطريق الإجرائي الصحيح ليس مسألة شكلية يمكن إغفالها؛ بل هو الإجراء الذي يتيح للمحكمة بحث الطلب والفصل فيه وفق القواعد المنظمة له.

سابعاً: لماذا أخطأ الحكم المطعون فيه؟

ثبت للمحكمة أن الحكم المطعون فيه رفض إجراء المقاصة القضائية، رغم تقديم طلب بها، على أساس أن على الطرفين إثارة هذا الأمر أمام دائرة التنفيذ بعد صيرورة الحكم باتًا.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رأت أن هذا المسلك يخالف القواعد القانونية المنظمة للمقاصة القضائية، ما دام الطلب قد قُدم في الدعوى وتوافرت شروطه القانونية.

فالمقاصة القضائية، وفقًا للمادة (372)، تتم بحكم من القاضي، ولا يجوز رفض بحثها لمجرد إحالة الطرفين إلى مرحلة التنفيذ، متى كان الطلب قد عُرض على المحكمة بالطريق الصحيح وكانت شروطه متوافرة.

ولما كان الدينان متماثلين، وكان كل طرف دائنًا ومدينًا للطرف الآخر، وفق ما أثبته الحكم، فإن رفض المقاصة على ذلك الأساس يُعد خطأً في تطبيق القانون.

ثامناً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن نعي النائب العام لمصلحة القانون في محله، وأن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون عندما رفض إعمال المقاصة القضائية رغم توافر شروطها القانونية.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة.

ويعني ذلك أن المحكمة لم تكتفِ بتقرير القاعدة القانونية المتعلقة بالمقاصة، بل نقضت الحكم بسبب عدم مراعاته تلك القواعد، وأحالت القضية وفق منطوق الحكم.

تاسعاً: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من هذا الحكم في الآتي:

  1. المقاصة القضائية تتم بحكم من القاضي: متى توافرت شروطها القانونية، وبناءً على طلب أصلي أو عارض.

  2. ضرورة تقديم طلب عارض مستوفٍ لشروطه ورسومه: حتى تلتزم المحكمة بتحقيق المقاصة القضائية والفصل فيها.

  3. وجود دينين متقابلين يستلزم بحث شروط المقاصة: فلا يكفي مجرد تقابل المطالبات، بل يجب التحقق من الشروط القانونية اللازمة لإجرائها.

  4. لا يجوز إرجاء بحث المقاصة إلى مرحلة التنفيذ دون سند قانوني: إذا كانت المقاصة القضائية قد طُلبت أمام محكمة الموضوع بطريق صحيح وتوافرت شروطها.

  5. يجوز الطعن لمصلحة القانون في الأحوال التي حددها التشريع: متى كان الحكم النهائي مشوبًا بمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، وفق الضوابط المقررة.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 36 لسنة 2026 تجاري أن المقاصة القضائية ليست مجرد دفع يُترك بحثه بالضرورة إلى مرحلة التنفيذ، بل طلب قضائي يتعين على المحكمة بحثه متى قُدم بالطريق الإجرائي الصحيح وتوافرت شروطه القانونية.

ويؤكد الحكم أهمية التمييز بين المقاصة الجبرية التي تتوافر شروطها وفق المادة (370)، والمقاصة القضائية التي تتم بحكم القاضي وفق المادة (372) من قانون المعاملات المدنية.

كما يرسخ ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية عند طلب المقاصة، ويؤكد أن رفضها رغم تقديم طلب صحيح وتوافر شروطها قد يشكل خطأً في تطبيق القانون يستوجب نقض الحكم.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 36 لسنة 2026 تجاري، جلسة 10 مارس 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 36 لسنة 2026 تجاري 1 Docx

Word – 57.2 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.