يُدان بالبلاغ الكاذب دون بيان أركان الجريمة فيُنقض الحكم – الطعن رقم 1724 لسنة 2025 جزائي

Published on October 20, 2026 at 3:22 PM

هل يكفي لإدانة شخص بجريمة البلاغ الكاذب أن تستند المحكمة إلى أقوال الشاكي ونتائج قضايا أخرى، وتقرر أن البلاغ كاذب، دون بيان الوقائع التي تثبت كذب البلاغ، وأركان الجريمة، والأدلة التي استخلصت منها ثبوتها؟

وهل يجوز للمحكمة الاكتفاء بعبارات عامة ومجملة في حكم الإدانة، أم يتعين عليها توضيح الأساس الواقعي والقانوني الذي أقامت

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي
عليه قضاءها، بما يمكّن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون؟

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسائل في الطعن رقم 1724 لسنة 2025 جزائي، مؤكدةً أن حكم الإدانة يجب أن يتضمن بيانًا واضحًا ومفصلًا للواقعة المستوجبة للعقوبة، وأركان الجريمة وظروفها وأدلتها، وأن إغفال ذلك يشكل قصورًا في التسبيب يوجب نقض الحكم.

أولاً: وقائع الدعوى

تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا لما ورد في الحكم، في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم أنه أبلغ كذبًا الجهة الإدارية، وهي الشرطة، بواقعة على خلاف الحقيقة، مع علمه بذلك.

وتضمن الاتهام أن المتهم أبلغ عن واقعة يرغب في تقديم بلاغ بشأنها ضد الشاكي، وذكر أن الواقعة حدثت في إمارة معينة لفتح البلاغ فيها، في حين أنها حدثت في إمارة أخرى، وفقًا لما ورد في الاتهام.

واعتبرت النيابة العامة أن هذا التصرف يشكل جريمة البلاغ الكاذب، وطلبت معاقبة المتهم وفق النصوص القانونية الواردة في ملف الدعوى.

ثانياً: الأحكام الصادرة في الدعوى

بتاريخ 22 مايو 2025، قضت محكمة أول درجة حضوريًا بتغريم المتهم مبلغ 5,000 درهم عن الاتهام المسند إليه، مع إلزامه بأداء الرسوم القضائية، وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة.

ولم يرتضِ المحكوم عليه هذا الحكم، فاستأنفه بالاستئناف رقم 1084 لسنة 2025.

وبجلسة 22 سبتمبر 2025، قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.

ثم طعن المحكوم عليه على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكًا بالقصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والخطأ في تطبيق القانون وتأويله، والإخلال بحق الدفاع، ومخالفة الثابت بالأوراق.

ثالثاً: دفوع الطاعن أمام المحكمة الاتحادية العليا

تمسك الطاعن بأن الحكم المطعون فيه لم يبيّن على نحو كافٍ الوقائع التي تثبت ارتكابه جريمة البلاغ الكاذب، كما دفع بعدم اختصاص المحاكم المحلية التي نظرت الدعوى، وفقًا لما أورده في أسباب طعنه.

كما نازع في ثبوت قيامه شخصيًا بالإبلاغ، ودفع بأن البلاغ قد يكون مقدّمًا من مكتب المحاماة الوكيل عنه، وليس منه مباشرةً، وتمسك بانتفاء علمه بالبلاغات محل الاتهام.

ودفع كذلك بانتفاء أركان جريمة البلاغ الكاذب، وأشار إلى أن المجني عليه سبق أن تقدم ببلاغ يتعلق بالوقائع والاتهام نفسيهما، مستندًا إلى حكم البراءة الصادر في الدعوى المرتبطة، وفقًا لما ورد في أوراق الطعن.

وقد طلب الطاعن نقض الحكم، مستندًا بصفة أساسية إلى أن أسباب الإدانة لم تتضمن بيانًا كافيًا لعناصر الجريمة والأدلة التي تثبت توافرها في حقه.

رابعاً: المسألة القانونية محل الفصل

تمحور النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا حول مدى كفاية الأسباب التي أقام عليها الحكم إدانة الطاعن بجريمة البلاغ الكاذب.

فالمسألة لم تكن مجرد وجود بلاغ انتهت إجراءات مرتبطة به إلى نتيجة معينة، وإنما مدى ثبوت جميع الأركان القانونية للجريمة، ومدى بيان المحكمة للأدلة التي استندت إليها في استخلاص كذب البلاغ وتوافر القصد الجنائي.

كما بحثت المحكمة مدى التزام حكم الإدانة ببيان الوقائع والأدلة والأسانيد القانونية بصورة واضحة ومفصلة، بما يسمح بمراقبة سلامة تطبيق القانون.

خامساً: وجوب تسبيب حكم الإدانة تسبيبًا واضحًا ومفصلًا

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن كل حكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بيانًا تتحقق به أركان الجريمة والظروف التي وقعت فيها، والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها من المتهم.

ويتعين أن يوضح الحكم وجه استدلال المحكمة بالأدلة وسلامة اعتمادها عليها، وأن يحدد الأفعال والمقاصد التي تتكون منها الجريمة، والأسانيد والحجج التي بُني عليها قضاء الإدانة، سواء من حيث الواقع أو القانون.

والغاية من ذلك أن يكون الحكم واضحًا ومفصلًا بالقدر الذي يمكّن من الوقوف على الأسباب التي أدت إلى الإدانة، والتحقق من أن النتيجة التي انتهى إليها الحكم لها أساس واقعي وقانوني صحيح.

أما الاكتفاء بعبارات عامة أو مجملة، فلا يحقق الغرض من تسبيب الأحكام، ويحول دون تمكين محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون على الواقعة كما أثبتها الحكم.

سادساً: أركان جريمة البلاغ الكاذب

حددت المحكمة الاتحادية العليا خمسة أركان تقوم عليها جريمة البلاغ الكاذب، وهي:

1. فعل الإبلاغ

ويتمثل في صدور بلاغ عن واقعة إلى الجهة المختصة، وفقًا لما يتطلبه القانون.

2. أن تكون الواقعة المبلّغ عنها مما يستوجب العقوبة

يشترط أن يكون الأمر الذي جرى الإبلاغ عنه مما يستوجب عقوبة جنائية أو مجازاة إدارية، وفقًا لما قرره الحكم.

3. توجيه البلاغ إلى السلطة القضائية أو الجهة الإدارية

يتعين أن يكون البلاغ موجهًا إلى السلطة القضائية أو الجهة الإدارية، بحسب الأحوال.

4. ثبوت كذب البلاغ

لا يكفي مجرد انتهاء بلاغ سابق إلى نتيجة لا تحقق غرض المبلّغ؛ بل يتعين بيان كذب الواقعة المبلّغ عنها وفقًا للأدلة والوقائع الثابتة.

5. توافر القصد الجنائي

يتكون القصد الجنائي، وفقًا للحكم، من عنصرين أساسيين: علم المبلّغ بكذب الوقائع التي أبلغ عنها، واتجاه نيته إلى الإضرار بالشخص المبلّغ ضده.

وبالتالي، فإن ثبوت عدم صحة واقعة أو عدم كفاية الأدلة في بلاغ سابق لا يغني بذاته عن بحث بقية الأركان، وعلى الأخص علم المبلّغ بكذب الواقعة واتجاه نيته إلى الكيد والإضرار.

سابعاً: القصد الجنائي في جريمة البلاغ الكاذب

أكدت المحكمة أن استخلاص القصد الجنائي من سلطة محكمة الموضوع، بشرط أن تبيّن الحقيقة التي اقتنعت بها، وأن يكون استخلاصها قائمًا على أسباب سائغة.

فلا يكفي أن تقرر المحكمة أن البلاغ كاذب، بل يتعين أن تكشف أسباب حكمها عن الأساس الذي استخلصت منه علم المبلّغ بكذب الواقعة، واتجاه إرادته إلى الإضرار بالمبلّغ ضده.

ويقتضي ذلك أن يكون استخلاص القصد الجنائي مرتبطًا بوقائع وأدلة محددة في الدعوى، لا بمجرد استنتاج عام لا يوضح كيف توافرت عناصر الجريمة.

ومن ثم، فإن سلطة محكمة الموضوع في استخلاص القصد الجنائي لا تعفيها من واجب بيان الأسباب التي حملتها على هذا الاستخلاص.

ثامناً: لماذا اعتبرت المحكمة حكم الإدانة قاصرًا في التسبيب؟

بالرجوع إلى الحكم الابتدائي الذي أحال إليه الحكم المطعون فيه، تبين أن الإدانة أقيمت على عبارات عامة، من بينها أن الاتهام ثبت من أقوال الشاكي والقضايا التي صدر فيها حكم لصالح المجني عليه، وأن إنكار المتهم أمام المحكمة لا يعدو أن يكون محاولة للإفلات من العقاب.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذه العبارات لم توضّح بصورة كافية وقائع الدعوى، ولم تبيّن تحقق أركان جريمة البلاغ الكاذب، ولا الظروف التي وقعت فيها، ولا الأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت الجريمة في حق الطاعن.

كما لم يتناول الحكم بيان تحقق أركان الجريمة من الناحيتين الواقعية والقانونية على نحو يسمح بالتحقق من سلامة الاستدلال.

ولذلك، لم تتمكن محكمة النقض من بسط رقابتها على صحة تطبيق القانون، لأن الأسباب التي أقيمت عليها الإدانة جاءت مشوبة بالإبهام والإجمال والغموض.

تاسعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن نعي الطاعن بالقصور في التسبيب في محله، وأن الحكم المطعون فيه لم يبيّن أركان جريمة البلاغ الكاذب والأدلة التي استند إليها في الإدانة بيانًا كافيًا.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة.

ولا يعني النقض، في ذاته، أن المحكمة قررت براءة الطاعن أو حسمت نهائيًا انتفاء الجريمة؛ وإنما كان سبب النقض هو قصور الحكم في بيان أركان الجريمة وأدلتها على النحو الذي يمكّن من مراقبة صحة تطبيق القانون.

عاشراً: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:

  1. وجوب بيان الواقعة وأركان الجريمة في حكم الإدانة: فلا يكفي سرد الاتهام أو إعلان ثبوته بعبارات عامة.

  2. ضرورة بيان الأدلة ووجه الاستدلال بها: حتى يتضح الأساس الواقعي والقانوني الذي قامت عليه الإدانة.

  3. جريمة البلاغ الكاذب تقوم على خمسة أركان: تشمل فعل الإبلاغ، وطبيعة الواقعة المبلّغ عنها، وتوجيه البلاغ إلى جهة مختصة، وكذب الواقعة، والقصد الجنائي.

  4. القصد الجنائي يتطلب العلم بالكذب ونية الإضرار: ولا يكفي افتراضه دون أسباب سائغة تكشف عن توافر عنصريه.

  5. العبارات المجملة لا تحقق الغرض من تسبيب الأحكام: لأنها تعوق محكمة النقض عن مراقبة سلامة تطبيق القانون.

  6. نقض الحكم لقصور التسبيب لا يساوي الحكم بالبراءة: إذ قد يكون النقض بسبب عدم كفاية الأسباب التي بُنيت عليها الإدانة، مع إحالة الدعوى وفقًا لمنطوق الحكم.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1724 لسنة 2025 جزائي أن الإدانة بجريمة البلاغ الكاذب تستلزم بيانًا واضحًا لأركان الجريمة وظروفها والأدلة التي تثبتها، ولا يكفي الاكتفاء بعبارات عامة تفيد أن البلاغ كاذب أو أن أقوال الشاكي تؤيد الاتهام.

كما شددت على أن القصد الجنائي يتطلب ثبوت علم المبلّغ بكذب الواقعة واتجاه نيته إلى الإضرار بالمبلّغ ضده، مع ضرورة بيان الأساس الذي استخلصت منه المحكمة توافر هذين العنصرين.

وبما أن الحكم المطعون فيه لم يبيّن أركان الجريمة وأدلتها بصورة كافية، فقد قضت المحكمة بنقضه مع الإحالة، تأكيدًا لوجوب تسبيب أحكام الإدانة بما يسمح بالتحقق من سلامة تطبيق القانون.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1724 لسنة 2025 جزائي، جلسة 26 مارس 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1724 لسنة 2025 جزائي Doc

Word – 85.5 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.