إذا صدر قانون جديد بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم بات، وكان يتضمن أحكامًا أصلح للمتهم بشأن الإبعاد عن الدولة، فهل يجوز الاستمرار في تطبيق الحكم السابق دون بحث مدى استفادة المحكوم عليه من التعديل التشريعي؟
وهل يصبح الإبعاد واجبًا في جميع الأحوال عند الإدانة بإحدى جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، أم أن القانون المعدل أجاز استثناء بعض الحالات متى توافرت شروط محددة؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
وعلى هذا السؤال الإشكال
أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسألة في الطعن رقم 1670 لسنة 2025 جزائي، مؤكدةً وجوب تطبيق القانون الأصلح للمتهم إذا صدر بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم بات، وانتهت إلى نقض الحكم وإحالة الدعوى لبحث مدى توافر شروط استثناء الطاعنة من تدبير الإبعاد.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا للحكم، في أن النيابة العامة أسندت إلى الطاعنة أنها بتاريخ 23 يناير 2025 ارتكبت عدة أفعال تتعلق بالمؤثرات العقلية، تمثلت في:
- تعاطي مؤثرات عقلية شملت الأمفيتامين والميثامفيتامين والبريجابالين في غير الأحوال المرخص بها قانونًا.
- حيازة مؤثرين عقليين بقصد التعاطي في غير الأحوال المرخص بها قانونًا.
- إيداع أموال بنفسها في حساب بنكي للغير بقصد ارتكاب جرائم التعاطي، وفقًا لما ورد في التحقيقات.
وطلبت النيابة العامة معاقبتها وفق أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وتعديلاته.
ثانياً: الأحكام الصادرة قبل الطعن بالنقض
بتاريخ 24 مارس 2025، قضت محكمة الجنح الاتحادية الابتدائية بإدانة المتهمة ومعاقبتها بغرامة قدرها 20,000 درهم عن التهم المسندة إليها للارتباط، مع مصادرة المضبوطات.
ثم استأنفت النيابة العامة الحكم، فقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 19 يونيو 2025 بتأييد العقوبة المقضي بها، مع إبعاد المتهمة عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة.
وعارضت المحكوم عليها في الحكم، إلا أن المحكمة قضت بتاريخ 21 أغسطس 2025 بقبول المعارضة الاستئنافية شكلًا ورفضها موضوعًا، وتأييد الحكم المعارض فيه.
ولما لم ترتضِ المحكوم عليها هذا القضاء، طعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت ضمن أسباب طعنها بأن تدبير الإبعاد لا ينبغي تطبيقه عليها، وأن إبعادها قد يلحق ضررًا جسيمًا باستقرار أسرتها.
ثالثاً: المسألة القانونية محل الفصل
تمحور النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا حول أثر صدور تعديل تشريعي بشأن الإبعاد بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل في الدعوى بحكم بات.
فقد صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وأصبح معمولًا به اعتبارًا من 1 يناير 2026.
وتضمن التعديل استثناءات من تدبير الإبعاد في حالات محددة، الأمر الذي استلزم بحث مدى انطباق هذه الاستثناءات على الطاعنة بدلًا من الاكتفاء بالحكم السابق الذي قضى بإبعادها.
رابعاً: مبدأ القانون الأصلح للمتهم
استندت المحكمة إلى الفقرة الأولى من المادة (14) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، التي تقرر أنه إذا صدر بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم بات قانون أصلح للمتهم، فإنه يطبق دون غيره.
ومؤدى هذا المبدأ أن المحكمة يتعين عليها مراعاة التعديل التشريعي الذي يكون أصلح للمتهم، متى تحققت شروط سريانه من حيث الزمان.
ولا يقتصر أثر القانون الأصلح على تعديل العقوبة الأصلية بالضرورة، بل قد يمتد إلى الأحكام القانونية المتعلقة بالتدابير التي تترتب على الإدانة، متى كان التعديل التشريعي يشملها ويحقق وضعًا أصلح للمتهم.
وفي القضية محل البحث، رأت المحكمة أن تعديل أحكام الإبعاد يُعد قانونًا أصلح للطاعنة، بما يستوجب بحث مدى استفادتها من الاستثناءات التي قررها المشرّع.
خامساً: تعديل أحكام الإبعاد في جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية
صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 بشأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، ونص على تعديل المادة (75) المتعلقة بتدبير الإبعاد.
وبموجب النص المعدل، تقضي المحكمة بإبعاد الأجنبي الذي حُكم بإدانته في إحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون، مع استثناء حالات محددة من تطبيق تدبير الإبعاد.
ومن أبرز هذه الحالات:
الحالة الأولى: الزوج أو القريب بالنسب من الدرجة الأولى لمواطن
يستثنى من الإبعاد من كان وقت ارتكاب الجريمة زوجًا لمواطن أو قريبًا له بالنسب من الدرجة الأولى، وفقًا للشروط الواردة في النص.
الحالة الثانية: فرد الأسرة المقيمة في الدولة
يجوز استثناء المحكوم عليه إذا كان فردًا في أسرة تقيم في الدولة، ورأت المحكمة أن إبعاده سيترتب عليه ضرر جسيم يمس استقرار الأسرة، أو يؤدي إلى حرمان أحد أفرادها من الرعاية أو الإعالة اللازمة، مع تحقق المحكمة من القدرة المالية للأسرة على توفير العلاج له.
وحدد النص المقصود بالأسرة، لأغراض تطبيق المادة، بالجد والجدة والأب والأم والأبناء والإخوة والأخوات.
وتُفهم هذه الاستثناءات في حدود الشروط التي قررها المشرّع؛ فلا يكفي مجرد وجود روابط أسرية داخل الدولة، بل يتعين التحقق من الحالة القانونية والوقائع المطلوبة لكل استثناء.
سادساً: لماذا اعتبرت المحكمة التعديل قانونًا أصلح للطاعنة؟
لاحظت المحكمة أن الحكم المطعون فيه قضى بإبعاد الطاعنة عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، في حين صدر أثناء سير المحاكمة وقبل الفصل في الدعوى بحكم بات تعديل تشريعي يتضمن استثناءات من تدبير الإبعاد.
ورأت المحكمة أن المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 2025 يمثل قانونًا أصلح واجب التطبيق على الواقعة، بما يقتضي بحث مدى توافر شروط استثناء الطاعنة من الإبعاد.
ولم تفصل المحكمة في أن هذه الشروط متوافرة بالفعل، وإنما قررت ضرورة إعادة بحث المسألة في ضوء النص المعدل.
وهنا تظهر أهمية الحكم: فصدور قانون أصلح لا يعني بالضرورة إعفاء المحكوم عليه تلقائيًا من التدبير، بل يوجب تطبيق النص الجديد والتحقق من انطباق شروطه على الحالة المعروضة.
سابعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، لبحث مدى توافر شروط تطبيق تدبير الإبعاد في حق الطاعنة من عدمه، وذلك دون حاجة إلى بحث بقية أوجه الطعن.
كما قضت برد مبلغ التأمين.
ويترتب على ذلك أن مسألة الإبعاد أُعيدت للبحث والفصل فيها وفق أحكام القانون المعدل، ولم يصدر في هذا الحكم تقرير نهائي بأن الطاعنة مستثناة من الإبعاد؛ إذ تركت المحكمة تحديد ذلك لبحث الشروط القانونية ذات الصلة.
ثامناً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:
- تطبيق القانون الأصلح للمتهم: إذا صدر قانون أصلح بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم بات، وجب تطبيقه دون غيره، وفقًا للمادة (14) من قانون الجرائم والعقوبات.
- التعديل المتعلق بالتدابير قد يكون أصلح للمتهم: فقد يمتد أثر القانون الأصلح إلى تدبير الإبعاد، إذا تضمن التعديل استثناءات لم تكن مقررة على النحو ذاته في النص السابق.
- استثناءات الإبعاد محددة بشروط قانونية: لا يكفي الادعاء بوجود أسرة في الدولة، بل يجب بحث الشروط التي نص عليها المشرّع لكل حالة.
- وجوب بحث أثر القانون الجديد قبل الفصل النهائي: يتعين على المحكمة مراعاة التعديل التشريعي الذي صدر قبل صيرورة الحكم باتًا، متى كان أصلح للمتهم.
- نقض الحكم لا يعني الإعفاء التلقائي من الإبعاد: فقد يكون أثر النقض إعادة الدعوى لبحث مدى توافر شروط الاستثناء، كما حدث في هذه القضية.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1670 لسنة 2025 جزائي أن صدور قانون أصلح للمتهم قبل الفصل في الدعوى بحكم بات يوجب تطبيقه، وأن تعديل أحكام الإبعاد في جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية يستلزم إعادة بحث مدى انطباق الاستثناءات القانونية على المحكوم عليه.
وقد قضت المحكمة بنقض الحكم مع الإحالة لبحث توافر شروط استثناء الطاعنة من الإبعاد، دون أن تحسم نهائيًا تحقق هذه الشروط.
ويؤكد الحكم أهمية متابعة التعديلات التشريعية حتى أثناء سير المحاكمات، وعدم تطبيق التدابير دون التحقق من أثر النصوص الجديدة الأكثر ملاءمة للمتهم.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 1670 لسنة 2025 جزائي، جلسة 25 مارس 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments