إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال الإشكالي
هل يجوز للمحكمة أن تجري المقاصة القضائية بين دينين متقابلين من تلقاء نفسها، استنادًا إلى تقرير الخبير، رغم عدم تقديم صاحب المصلحة طلبًا صريحًا بإجرائها؟ وهل يجوز لها إلغاء الفوائد التأخيرية التي قضت بها محكمة أول درجة دون بيان الأساس القانوني الذي يبرر إلغاءها؟
عالجت المحكمة الاتحادية العليا هاتين المسألتين في الطعنين رقمي 54 و55 لسنة 2026 مدني، مؤكدةً أن المقاصة القضائية لا تُجرى إلا بناءً على طلب صريح وجازم من صاحب الشأن، وأن إلغاء الفوائد التأخيرية يتطلب تسبيبًا يوضح الأساس القانوني للقضاء، وإلا شاب الحكم القصور في التسبيب بما يوجب نقضه.
أولاً: وقائع النزاع
تتحصل وقائع الدعوى في أن المدعي أقام الدعوى رقم 617 لسنة 2025 مدني، طالبًا إلزام المدعى عليه بأن يؤدي له مبلغ 492,288 درهمًا، مع الفائدة القانونية بنسبة 9% من تاريخ المطالبة القضائية حتى تمام السداد، بالإضافة إلى مبلغ مليوني درهم تعويضًا، مع الفائدة القانونية بنسبة 9% من تاريخ صيرورة الحكم نهائيًا حتى تمام السداد.
وأسس المدعي دعواه على اتفاق مؤرخ في 21 يناير 2022، يتعلق بعلاقة استثمار في الأموال والممتلكات بهدف تحقيق العوائد والأرباح.
وبموجب الاتفاق، حرر المدعى عليه للمدعي وكالة موثقة لدى الكاتب العدل، تخوله إدارة العقارات المسجلة باسم المدعى عليه أو المملوكة له في دولة الإمارات، والإشراف عليها والقيام بالتصرفات المحددة في الوكالة.
وبناءً على ذلك، تولى المدعي الإجراءات المتعلقة بشراء وحدتين عقاريتين وتسجيلهما باسم المدعى عليه لدى الجهة المختصة، كما قام بسداد مبالغ مالية من حسابه الشخصي نيابةً عنه.
ثانياً: المبالغ المالية محل المطالبة
ذكر المدعي أنه سدد مبلغ 387,779 درهمًا من حسابه الشخصي عن أقساط الوحدتين العقاريتين، بموجب تحويلات بنكية إلى حساب الشركة المطورة.
كما أفاد بأنه سدد مبلغ 66,488 درهمًا مقابل الصيانة والخدمات المتعلقة بالوحدتين، ليبلغ إجمالي المبالغ التي طالب باستردادها 454,267 درهمًا وفق هذه البنود.
وتناول تقرير الخبرة كذلك مبلغًا قدره 235,000 درهم يمثل القيمة الإيجارية للوحدتين التي اعتبرها التقرير مستحقة على المدعي.
وانتهى الحكم إلى إجراء مقاصة حسابية بين الدينين، واحتساب صافي مبلغ قدره 266,586 درهمًا لصالح المدعي، رغم عدم وجود طلب عارض صريح من صاحب المصلحة لإجراء المقاصة القضائية، وفق ما أثبتته المحكمة الاتحادية العليا.
ثالثاً: الإجراءات والأحكام السابقة
بعد تداول الدعوى وندب خبير لبحث عناصرها المالية، قضت محكمة عجمان الاتحادية الابتدائية بتاريخ 18 سبتمبر 2025 بإلزام المدعى عليه برد مبلغ 266,586 درهمًا إلى المدعي، وبأن يؤدي له تعويضًا قدره 200,000 درهم، مع الفائدة القانونية عن المبلغين بنسبة 5% من تاريخ تقديم الحكم للتنفيذ.
طعن الطرفان على الحكم بالاستئنافين رقمي 1031 و1041 لسنة 2025، وبعد ضمهما للارتباط، قضت محكمة استئناف عجمان الاتحادية بتاريخ 21 يناير 2026 بإلغاء الفائدة المحكوم بها ابتدائيًا، وتعديل مبلغ التعويض إلى 100,000 درهم، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك.
ولم يقبل الطرفان هذا القضاء، فطعنا عليه بالنقض بالطعنين رقمي 54 و55 لسنة 2026 مدني.
رابعاً: المسألة القانونية الأولى — شروط إجراء المقاصة القضائية
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن المقاصة القضائية يشترط لإجرائها أن يطلبها صاحب الشأن بدعوى أصلية أو في صورة طلب عارض.
كما يجب أن يكون الطلب العارض صريحًا وجازمًا، بما يكشف بوضوح عن إرادة صاحبه في طلب إجراء المقاصة القضائية.
ولا يجوز للمحكمة أن تُعمل المقاصة من تلقاء نفسها، لمجرد أن تقرير الخبير كشف عن وجود دينين متقابلين، إذ إن إجراءها دون طلب من صاحب المصلحة يُعد مخالفة للقانون.
وتستند أهمية هذا المبدأ إلى أن تقرير الخبير أداة فنية تساعد المحكمة على فهم الوقائع والمسائل الحسابية، لكنه لا يغني عن الطلب القضائي الذي يشترطه القانون لإجراء المقاصة.
خامساً: تطبيق شروط المقاصة على الدعوى
استخلص الحكم المطعون فيه من تقرير الخبرة أن للمدعي دينًا قدره 501,586 درهمًا، يتكون من المبالغ التي سددها عن أقساط الوحدتين ومصروفات الصيانة والخدمات.
وفي المقابل، حدد الحكم الدين الذي اعتبره مستحقًا على المدعي بمبلغ 235,000 درهم، نظير القيمة الإيجارية للوحدتين.
وأجرى الحكم المقاصة بين المبلغين، وخلص إلى أن صافي المبلغ المستحق للمدعي هو 266,586 درهمًا.
إلا أن المحكمة الاتحادية العليا لاحظت أن الأوراق خلت من طلب عارض صريح من المدعى عليه، باعتباره صاحب المصلحة في إجراء المقاصة المتعلقة بالدين المنسوب إليه.
وبالتالي، فإن اعتماد المحكمة على تقرير الخبرة لإجراء المقاصة لا يصحح غياب الطلب الذي يتطلبه القانون، ولا يجيز للمحكمة أن تقضي بما لم يطلبه الخصوم على هذا النحو.
وانتهت المحكمة إلى أن إجراء المقاصة دون طلب مستوفٍ لشروطه يمثل مخالفة للقانون.
سادساً: المسألة القانونية الثانية — الفوائد التأخيرية وطبيعتها القانونية
تناولت المحكمة كذلك مسألة الفوائد التأخيرية، وقررت أنها تُعد تعويضًا للدائن عن الضرر الناشئ عن تأخر المدين في الوفاء بالتزامه النقدي، سواء كان الالتزام مدنيًا أو تجاريًا.
وتحدد المحكمة نسبة الفائدة إذا لم يكن الطرفان قد اتفقا عليها، وتقوم الفوائد التأخيرية على افتراض تحقق الضرر الناتج عن التأخير، ما لم يثبت المدين خلاف ذلك.
ومؤدى هذا المبدأ أن الفصل في استحقاق الفوائد التأخيرية يجب أن يستند إلى الأساس القانوني والوقائع ذات الصلة، ولا يكفي إلغاؤها بمجرد القول بعدم وجود موجب لها دون بيان سبب هذا الاستنتاج.
سابعاً: لماذا اعتبرت المحكمة إلغاء الفوائد قصورًا في التسبيب؟
كانت محكمة أول درجة قد قضت بالفائدة القانونية بنسبة 5% عن المبالغ المحكوم بها، من تاريخ تقديم الحكم للتنفيذ.
إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الفائدة، وعللت ذلك بعدم وجود موجب للقضاء بها.
ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم المطعون فيه لم يبيّن المصدر الذي استقى منه هذا الاستنتاج، ولم يوضح الشروط القانونية التي تبرر إلغاء الفوائد التأخيرية.
وبذلك لم يقدم الحكم أسبابًا كافية تسمح بالتحقق من سلامة تطبيق القانون على مسألة استحقاق الفوائد.
وانتهت المحكمة إلى أن هذا الإغفال يشكل قصورًا في التسبيب، إلى جانب مخالفة القانون في إجراء المقاصة دون طلب من صاحب المصلحة.
ثامناً: أثر نقض الحكم في الطعن الأول على الطعن الثاني
نظرت المحكمة الاتحادية العليا الطعنين المرتبطين معًا، وقررت أنهما مرتبطان فعليًا وواقعيًا بسبب العلة المشتقة بينهما، التي يرجع مصدرها إلى اتفاقية 21 يناير 2022 وما ترتب عليها.
ولما انتهت المحكمة إلى نقض الحكم المطعون فيه في الطعن رقم 54 لسنة 2026 مدني، فقد ترتب على ذلك نقض الحكم المطعون فيه في الطعن رقم 55 لسنة 2026 مدني أيضًا، لارتباطه بالحكم ذاته الذي تقرر نقضه.
ويؤكد ذلك أن ارتباط الطعون بحكم واحد أو بعلة قانونية مشتركة قد يؤدي إلى امتداد أثر النقض إلى الطعن المرتبط، وفقًا لما تقرره المحكمة بحسب ظروف الدعوى.
تاسعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن النعي في الطعن الأول قائم على أساس صحيح، لأن الحكم المطعون فيه أجرى المقاصة القضائية دون طلب صريح من صاحب المصلحة، وألغى الفوائد التأخيرية دون بيان كافٍ للأساس القانوني الذي استند إليه.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة في الطعن رقم 54 لسنة 2026 مدني، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
كما قضت بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة في الطعن رقم 55 لسنة 2026 مدني، لارتباطه بالطعن الأول وقيامه على الحكم ذاته.
عاشراً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:
-
المقاصة القضائية لا تُجرى من تلقاء المحكمة: بل يشترط أن يطلبها صاحب الشأن بدعوى أصلية أو بطلب عارض صريح وجازم.
-
تقرير الخبرة لا يغني عن الطلب القضائي: حتى إذا كشف التقرير عن دينين متقابلين، فلا يجوز للمحكمة إجراء المقاصة دون استيفاء الإجراء الذي يتطلبه القانون.
-
الفوائد التأخيرية تعويض عن التأخر في الوفاء: ويجب أن يستند القضاء باستحقاقها أو إلغائها إلى أساس قانوني واضح.
-
إلغاء الفوائد دون تسبيب كافٍ يعيب الحكم: فلا يكفي القول بعدم وجود موجب لها دون بيان الشروط أو الأسباب القانونية التي بُني عليها هذا القضاء.
-
نقض الحكم في الطعن الأول قد يمتد إلى الطعن المرتبط: إذا كان الطعنان مرتبطين فعليًا وواقعيًا بالحكم ذاته والعلة القانونية المشتركة.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المقاصة القضائية إجراء لا تملكه المحكمة من تلقاء نفسها، بل يجب أن يطلبها صاحب الشأن بطلب أصلي أو عارض صريح وجازم.
كما أكدت أن الفوائد التأخيرية تقوم على تعويض الدائن عن الضرر المفترض الناشئ عن تأخر المدين في الوفاء بالتزام نقدي، وأن إلغاءها يتطلب بيان الأساس القانوني الذي يبرر ذلك.
ولما كان الحكم المطعون فيه قد أجرى المقاصة دون طلب من صاحب المصلحة، وألغى الفوائد التأخيرية دون تسبيب كافٍ، فقد قضت المحكمة بنقضه مع الإحالة في الطعنين المرتبطين.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعنان رقما 54 و55 لسنة 2026 مدني، جلسة 25 مارس 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments