إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال الإشكالي
هل يجوز للمحكمة رفض طلب الزوجة الخلع لمجرد عدم ثبوت الضرر وفق المعايير المطلوبة في دعاوى التطليق للضرر أو الشقاق، رغم تمسكها باستحالة استمرار الحياة الزوجية، ووجود خلافات مستمرة بين الزوجين، ورفض الزوج قبول بدل الخلع تعنتًا؟
وهل يحق للزوج أن يرفض الخلع ويتمسك باستمرار الزواج رغم بذل الزوجة العوض المالي، أم يجوز للمحكمة الحكم بالمخالعة مقابل بدل مناسب تقدره إذا تعذر الصلح وثبت تعنت الزوج؟
حسمت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسائل في الطعن رقم 109 لسنة 2026 أحوال شخصية، مؤكدةً أن الخلع له أحكامه وشروطه المستقلة عن التطليق للضرر أو الشقاق، وأنه إذا تعذر الإصلاح بين الزوجين وثبت تعنت الزوج في رفض بدل الخلع، وجب على المحكمة بحث ظروف النزاع وتقدير بدل مناسب بأسباب سائغة، دون تحميل الزوجة عبء إثبات كراهتها لزوجها باعتبارها أمرًا وجدانيًا.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا للحكم، في أن الزوجة أقامت دعوى أمام محكمة أول درجة ضد زوجها، طلبت فيها الحكم بالتفريق بينهما خلعًا، استنادًا إلى خشيتها من عدم إقامة حدود الله، واستحالة استمرار الحياة الزوجية في ظل ما ذكرته من سوء المعاملة.
وذكرت الزوجة أن الزوج يسيء معاملتها من خلال الإهانة والضرب والقذف والسب واستخدام الألفاظ البذيئة، فضلًا عن عدم العدل بين الزوجات، وهجرها وتهديدها المستمر بالطرد عند حدوث الخلافات، وإهانتها أمام أبنائها.
كما تضمنت طلباتها ما يتعلق بحضانة الأبناء وضمهم إليها والنفقات، وفقًا لما ورد في صحيفة الدعوى.
وتمسكت الزوجة بأن استمرار العلاقة الزوجية في ظل هذه الظروف أصبح متعذرًا، وأنها تخشى ألا تتمكن من إقامة حدود الله في الحياة الزوجية، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء إلى القضاء بطلب الخلع.
ثانياً: موقف الزوج وبدل الخلع
تقدم الزوج بمذكرة جوابية طلب في ختامها قبول المخالعة بشرط أن تؤدي الزوجة إليه كامل المهر، وأن تتنازل عن جميع حقوقها الشرعية.
وهنا ظهرت المسألة الجوهرية في النزاع: هل يجوز ربط قبول الخلع بالتنازل عن جميع الحقوق الشرعية، أم أن بدل الخلع يخضع للضوابط التي حددها قانون الأحوال الشخصية، ولا يجوز أن يمتد إلى إسقاط حقوق الأبناء في النفقة أو الحضانة؟
وقد تناولت المحكمة هذه المسألة في ضوء أحكام قانون الأحوال الشخصية رقم 41 لسنة 2024، الذي نظم طبيعة الخلع وشروطه والبدل المالي المرتبط به، وحدد الإجراءات التي يتعين اتباعها عند رفض الزوج قبول بدل الخلع تعنتًا.
ثالثاً: الإجراءات والأحكام السابقة
بتاريخ 25 سبتمبر 2025، قضت محكمة أول درجة برفض دعوى الزوجة.
ولم ترتضِ الزوجة هذا الحكم، فطعنت عليه بالاستئناف، إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتاريخ 10 فبراير 2026 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.
ثم طعنت الزوجة على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بأن الحكم خالف أحكام الشريعة الإسلامية والقانون، وأغفل الأدلة والقرائن التي تؤيد استمرار الخلافات بين الزوجين وتعذر استمرار الحياة الزوجية.
كما تمسكت بأن الزوج يتعنت في طلب بدل الخلع، وأن الحكم لم يحقق دفاعها الجوهري بشأن استمرار النزاع، ولم يبحث الأدلة التي قدمتها لإثبات الظروف التي دفعتها إلى طلب الخلع.
رابعاً: المسألة القانونية محل الفصل
تمحور النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا حول التمييز بين الخلع والتطليق للضرر أو الشقاق، ومدى التزام المحكمة ببحث شروط الخلع إذا تمسكت الزوجة به، ورفض الزوج قبول البدل المالي الذي عرضته.
كما تناول الحكم أثر تعنت الزوج في رفض بدل الخلع، ومدى جواز أن تحكم المحكمة بالمخالعة مقابل بدل مناسب تقدره إذا تعذر الصلح بين الطرفين ولم يتفقا على مقدار البدل.
وكان على المحكمة كذلك أن تبحث الأدلة المقدمة بشأن الخلافات المستمرة بين الزوجين، ومدى تعذر دوام العشرة بالمعروف، وأثر ذلك في طلب الخلع، بدلًا من الاقتصار على رفض الدعوى دون الإحاطة بجميع عناصرها.
خامساً: الأساس الشرعي لطلب الخلع
استعرضت المحكمة الأحكام الشرعية المتعلقة بالخلع، مستندةً إلى قوله تعالى:
«الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ».
كما استندت إلى قوله تعالى:
«وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ».
وتناولت المحكمة حديث امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما، الذي طلبت فيه الزوجة مفارقة زوجها رغم عدم اعتراضها على خلقه أو دينه، فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى رد الحديقة التي كانت مهرًا لها، وأمر الزوج بقبولها وتطليقها.
واستخلصت المحكمة من هذه الأصول أن الخلع مشروع للمرأة التي تخشى ألا تقيم حدود الله في استمرار الحياة الزوجية، وأن لها أن تطلب المفارقة مقابل عوض مالي وفق الضوابط الشرعية والقانونية.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن طلب الخلع يُقبل دون مراعاة شروطه، بل يتعين بحث طبيعة الطلب، والعوض المبذول، ومدى تعذر الإصلاح، وما إذا كان رفض الزوج للبدل قائمًا على أسباب جدية أم ينطوي على تعنت.
سادساً: الفرق بين الخلع والتطليق للضرر أو الشقاق
أكدت المحكمة أن الخلع يختلف عن التطليق للضرر أو الشقاق من حيث الأساس القانوني وطبيعة الإثبات.
ففي دعوى التطليق للضرر أو الشقاق، يكون البحث منصبًا على الضرر أو الشقاق وفق الشروط القانونية المقررة لهذا النوع من الدعاوى.
أما الخلع، فإن العلة الأساسية لطلبه تتمثل في كراهية الزوجة لزوجها وخشيتها من عدم القدرة على استمرار الحياة الزوجية على الوجه المشروع، وهو أمر وجداني لا يتصور تكليفها بإثباته بالطريقة ذاتها المطلوبة لإثبات الضرر.
وبناءً على ذلك، قررت المحكمة أن الزوجة التي تطلب الخلع لا تُلزم بإثبات كراهيتها لزوجها بالبينة، كما لا يلزمها إثبات الضرر أو الشقاق باعتبارهما شرطين لطلب الخلع ذاته، خلافًا لدعوى التطليق للضرر أو الشقاق.
ومع ذلك، فإن المحكمة تظل ملزمة ببحث شروط الخلع، والسعي إلى الصلح، والتحقق من تعذر الإصلاح، وتحديد البدل وفقًا للقانون إذا تعنت الزوج في رفضه.
سابعاً: أحكام الخلع وفق قانون الأحوال الشخصية رقم 41 لسنة 2024
استندت المحكمة إلى أحكام قانون الأحوال الشخصية رقم 41 لسنة 2024، التي عرّفت الخلع بأنه فراق بين الزوجين بطلب الزوجة وموافقة الزوج على العوض الذي تبذله الزوجة أو غيرها.
ويترتب على الخلع وقوع طلقة بائنة بينونة صغرى.
كما قرر القانون أن كل ما صح اعتباره مالًا صح أن يكون بدلًا في الخلع. وإذا كان بدل الخلع هو المهر، فيقتصر الأمر على رد ما قبضته الزوجة من المهر، ويسقط ما بقي منه ولو كان مؤجلًا، وفقًا لما قرره النص.
ولا يجوز التراضي على أن يكون بدل الخلع إسقاط أي حق من حقوق الأولاد، سواء في نفقتهم أو حضانتهم.
وتكمن أهمية هذا الحكم في أنه يميز بين العوض المالي الذي يرتبط بالخلع وبين حقوق الأبناء المستقلة، فلا يجوز جعل حقوقهم في النفقة أو الحضانة محل تنازل مقابل الخلع.
ثامناً: ماذا يحدث إذا رفض الزوج بدل الخلع تعنتًا؟
قررت الفقرة الرابعة من المادة (66) من قانون الأحوال الشخصية رقم 41 لسنة 2024 أنه إذا رفض الزوج قبول بدل الخلع تعنتًا، حكمت المحكمة بالمخالعة مقابل بدل مناسب تقدره.
وقد فسرت المحكمة هذا النص على أن المشرّع لم يجعل رفض الزوج نهاية حتمية لطلب الخلع، بل أتاح للزوجة الرجوع إلى المحكمة إذا بذلت العوض ورفض الزوج قبوله تعنتًا.
وفي هذه الحالة، يتعين على المحكمة اتباع خطوات محددة:
-
السعي إلى الصلح بين الزوجين أولًا.
-
إذا تعذر الصلح، السعي إلى الاتفاق بين الطرفين على بدل الخلع.
-
عرض البدل الذي بذلته الزوجة على الزوج لبيان موقفه منه.
-
إذا لم يتفق الطرفان على بدل معين، وثبت تعنت الزوج في رفض الخلع، جاز للمحكمة الحكم بالمخالعة مقابل بدل مناسب تقدره.
-
يجب أن يكون تقدير البدل قائمًا على أسباب واضحة وسائغة تكفي لحمل الحكم.
وبذلك لا يُترك مصير طلب الخلع لإرادة الزوج وحدها إذا ثبت تعنته وتوافرت الشروط القانونية، بل تتدخل المحكمة لتحقيق التوازن بين حقوق الطرفين، مع مراعاة أحكام القانون.
تاسعاً: تطبيق المبادئ على وقائع الدعوى
عند نظر الطعن، تبين للمحكمة الاتحادية العليا أن الخلافات بين الزوجين مستمرة منذ عام 2010، وأن النزاع بينهما تفاقم مع مرور الوقت، وظهرت مظاهره في التنافر والخلافات المستمرة والدعاوى المتكررة والشكاوى الجزائية.
كما أشارت المحكمة إلى وجود أدلة وقرائن في الأوراق، منها المحررات الرسمية والشهادة والقرائن والإقرار الضمني، بما كان يستوجب بحثها عند الفصل في طلب الخلع.
ورأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه لم يحيط بالقواعد الشرعية والقانونية المنظمة للخلع، ولم يأخذ في الاعتبار الطبيعة الرضائية لعقد الزواج، واستمرار الشقاق بين الزوجين، والظروف النفسية والصعبة التي يمران بها.
كما لاحظت المحكمة أن الحكم لم يحل الدعوى للتحقيق لبحث حالة تعنت الزوج، رغم تمسك الزوجة بهذا الدفاع.
ولذلك، اعتبرت المحكمة أن الحكم شابه القصور في التسبيب والخطأ في تقدير الواقع، وأنه لم يعالج دفاع الزوجة الجوهري معالجة كافية.
عاشراً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن نعي الزوجة على الحكم المطعون فيه سديد، وأن الحكم لم يطبق القواعد الشرعية والقانونية المنظمة للخلع على نحو صحيح، كما لم يبحث الأدلة والوقائع الجوهرية المتعلقة باستمرار الشقاق وتعذر دوام العشرة بالمعروف.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
ولا يعني النقض أن المحكمة قضت نهائيًا بالخلع أو حددت بدل الخلع المستحق؛ وإنما أعادت الدعوى للفصل فيها في ضوء المبادئ التي قررتها بشأن شروط الخلع، وواجب السعي إلى الصلح، وبحث تعنت الزوج، وتقدير بدل مناسب إذا توافرت شروط ذلك.
الحادي عشر: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:
-
للزوجة طلب الخلع عند وجود ما يدعو إليه شرعًا وقانونًا: ولا تُلزم بإثبات كراهيتها لزوجها بالبينة، باعتبارها أمرًا وجدانيًا.
-
الخلع يختلف عن التطليق للضرر أو الشقاق: فلا يجوز الخلط بين شروط كل منهما أو فرض متطلبات إثبات الضرر على طلب الخلع ذاته.
-
تعنت الزوج لا يمنع المحكمة من الحكم بالخلع: إذا تعذر الصلح، وفشل الاتفاق على البدل، وثبت تعنت الزوج في رفضه.
-
تقدير بدل الخلع يجب أن يكون مسببًا: ويتعين على المحكمة بيان الأسس التي اعتمدتها في تحديد البدل المناسب.
-
حقوق الأبناء لا تكون بدلًا للخلع: فلا يجوز إسقاط حقوقهم في النفقة أو الحضانة مقابل العوض المالي.
-
يجب بحث الأدلة والدفاع الجوهري: وإغفال الخلافات المستمرة والأدلة المؤثرة في طلب الخلع قد يؤدي إلى قصور الحكم في التسبيب.
-
نقض الحكم لا يعني الفصل النهائي في أصل الطلب: فقد تكون الإحالة لازمة لإعادة بحث الشروط والوقائع وتقدير البدل وفقًا للقانون.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 109 لسنة 2026 أحوال شخصية أن الخلع حق مقرر للمرأة وفق شروطه الشرعية والقانونية، وأنه يختلف عن التطليق للضرر أو الشقاق.
كما قررت أن رفض الزوج قبول بدل الخلع تعنتًا لا يمنع المحكمة من الحكم بالمخالعة مقابل بدل مناسب تقدره، بعد السعي إلى الصلح ومحاولة الاتفاق على البدل، وبشرط أن يكون الحكم قائمًا على أسباب سائغة.
ولما كان الحكم المطعون فيه قد أغفل الأدلة والظروف الجوهرية المتعلقة باستمرار الشقاق، ولم يبحث دفاع الزوجة بشأن تعنت الزوج، فقد قضت المحكمة بنقضه مع الإحالة.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 109 لسنة 2026 أحوال شخصية، جلسة 22 أبريل 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments