يحرر شيكًا بقيمة 38.5 مليون درهم ضمانًا لصفقة ذهب لم تتم فتُرفض مطالبته بتنفيذه – الطعن رقم 167 لسنة 2026 مدني

Published on October 20, 2026 at 4:13 PM

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يكفي تذييل الشيك بالصيغة التنفيذية حتى يصبح واجب التنفيذ الجبري في جميع الأحوال، أم يجوز للمدين أن ينازع في التنفيذ ويثبت أن الشيك حُرر على سبيل الضمان لمعاملة تجارية لم تتم، وليس أداة وفاء بدين مستحق؟

وهل يملك قاضي التنفيذ بحث حقيقة المديونية وأصل الحق عند نظر منازعة تنفيذ موضوعية بشأن الشيك؟ وما حدود توجيه اليمين الحاسمة إذا كانت الواقعة المطلوب الحلف عليها لا تتعلق بموضوع الشيك وقيمته؟

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسائل في الطعن رقم 167 لسنة 2026 مدني، مؤكدةً أن الشيك، وإن كان في الأصل أداة وفاء وقرينة على المديونية، يجوز دحض هذه القرينة وإثبات أن الشيك حُرر ضمانًا لمعاملة أخرى. كما أكدت أن التنفيذ الجبري لا يجوز إلا بسند تنفيذي مستوفٍ لشروطه القانونية، وأن قاضي التنفيذ يختص بالفصل في منازعات التنفيذ الموضوعية وفقًا للقانون.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى في أن الطاعنة حصلت على شيك من المطعون ضده بمبلغ قدره 38,500,000 درهم، وجرى تذييله بالصيغة التنفيذية، ثم تقدمت به للتنفيذ.

إلا أن المطعون ضده أقام منازعة تنفيذ موضوعية، طالبًا إلغاء القرار الصادر بوضع الصيغة التنفيذية على الشيك، وإلغاء إجراءات التنفيذ المترتبة عليه، بما في ذلك الإجراءات المتخذة على أمواله وممتلكاته.

وتمسك المطعون ضده بأن الشيك رقم (500364) لم يُحرر بوصفه أداة وفاء بدين مستحق، وإنما سُلّم إلى الطاعنة على سبيل الضمان في إطار صفقة تجارية تتعلق باستيراد الذهب، لم يتم تنفيذها.

وأوضح أن العلاقة التعاقدية نشأت بتاريخ 18 مايو 2025 بينه وبين الطاعنة وشخص ثالث، وأن الطاعنة كانت تؤدي دور الوسيط والضامن لتنفيذ بنود الاتفاق.

وبحسب دفاعه، فقد اتفق الأطراف على تحرير الشيك ضمانًا لحسن تنفيذ الالتزامات التعاقدية، على أن يُحتفظ به بوصفه وديعة ضمان، لا وسيلة لسداد دين مستحق.

وأضاف أن الصفقة لم تُنفذ، وأنه فوجئ لاحقًا باتخاذ إجراءات التنفيذ استنادًا إلى الشيك، بما في ذلك الحجز على أمواله وممتلكاته ومنعه من السفر.

ثانياً: طلبات المنازع وأسانيده

طلب المطعون ضده، بصفة أصلية، إلغاء الصيغة التنفيذية الموضوعة على الشيك، والقضاء مجددًا برفض طلب التنفيذ، وإلغاء الإجراءات التنفيذية المتخذة استنادًا إليه.

كما طلب إثبات أن الشيك حُرر على سبيل الضمان وليس أداة وفاء، وإلزام الطاعنة برد أصله إليه، وإلغاء الإجراءات التنفيذية المتخذة في ملف التنفيذ، بما فيها الحجز على الأموال وأمر المنع من السفر.

واحتياطيًا، طلب إحالة المنازعة إلى التحقيق لتمكينه من إثبات دفاعه بطرق الإثبات القانونية، وسماع الشهود، وإلزام الطاعنة بتقديم الاتفاقيات والمستندات والمراسلات المتعلقة بصفقة استيراد الذهب.

واستند في دفاعه إلى صورة الشيك والمحادثات الإلكترونية المتبادلة بين الطرفين، باعتبارها من المستندات التي يمكن أن تكشف عن الغرض الحقيقي من تحرير الشيك وطبيعة العلاقة التجارية بينهما.

ثالثاً: الأحكام الصادرة في الدعوى

بتاريخ 5 فبراير 2026، قضت المحكمة الابتدائية بإلغاء تذييل الشيك بالصيغة التنفيذية وإلغاء إجراءات التنفيذ، على أساس أن الشيك حُرر ضمانًا للصفقة التجارية التي لم تتم.

طعنت الطاعنة على الحكم بالاستئناف، إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتاريخ 24 مارس 2026 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف، مع إلزام الطاعنة بالمصاريف.

ولم ترتضِ الطاعنة هذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، والقصور في التسبيب وفساد الاستدلال.

كما نعت على الحكم عدم إحالة الدعوى إلى الخبرة وسماع الشهود، وعدم تحليف المطعون ضده اليمين الحاسمة بشأن ما ادعت أنه إقرار باستحقاقها مبلغ مليوني درهم.

رابعاً: المسألة القانونية الأولى — هل الشيك سند تنفيذي في جميع الأحوال؟

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن الأصل في الشيك أنه أداة وفاء تقوم مقام النقود في التعامل، وينطوي بذاته على سبب تسليمه للمستفيد، وهو الوفاء بدين مستحق، ما لم يثبت الساحب خلاف ذلك.

ويترتب على هذا الأصل نشوء قرينة قانونية على مديونية الساحب بقيمة الشيك، إلا أن هذه القرينة ليست قاطعة لا تقبل إثبات العكس.

فقد يجوز للمدين أن ينازع في حقيقة الدين، وأن يثبت أن الشيك لم يُحرر للوفاء بدين مستحق، وإنما سُلّم ضمانًا لمعاملة أخرى، أو أن المديونية المدعى بها غير قائمة كليًا أو جزئيًا.

وبذلك، فإن وجود الشيك وتذييله بالصيغة التنفيذية لا يمنعان من بحث حقيقة الالتزام الذي صدر الشيك بشأنه، متى أقيمت منازعة تنفيذ موضوعية مستوفية لشروطها.

خامساً: شروط التنفيذ الجبري للشيك

استندت المحكمة إلى المادة (212/1) من قانون الإجراءات المدنية، التي تقرر عدم جواز التنفيذ الجبري إلا بموجب سند تنفيذي اقتضاءً لحق:

  • محقق الوجود.

  • معين المقدار.

  • حال الأداء.

ومؤدى ذلك أن التنفيذ الجبري لا يقوم على مجرد وجود محرر يحمل صيغة تنفيذية، بل يتطلب توافر الشروط القانونية اللازمة للتنفيذ.

فإذا ثبت تخلف أحد هذه الشروط، أو ثبت أن الشيك لا يمثل دينًا مستحقًا وإنما حُرر ضمانًا لمعاملة أخرى، جاز بحث مدى صلاحيته سندًا للتنفيذ الجبري.

وأكدت المحكمة أن الشيك الذي يفقد طبيعته كأداة وفاء بسبب تحريره ضمانًا لمعاملة أخرى لا يُعامل بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها الشيك الصادر للوفاء بدين مستحق، متى ثبتت حقيقة الضمان وانتفت شروط التنفيذ.

سادساً: حجية الشيك المذيل بالصيغة التنفيذية

تناولت المحكمة المادة (667) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (50) لسنة 2022 بإصدار قانون المعاملات التجارية، التي تقرر أن الشيك المثبت عليه من قبل المسحوب عليه عدم وجود رصيد أو عدم كفايته يُعد سندًا تنفيذيًا، ويجوز لحامله طلب تنفيذه كليًا أو جزئيًا بالطرق الجبرية.

كما تقرر المادة اتباع أحكام وإجراءات وقواعد قانون الإجراءات المدنية في شأن طلب التنفيذ والمنازعة فيه.

وأوضحت المحكمة أن الشيك المذيل بالصيغة التنفيذية لا يصبح بذلك حكمًا قضائيًا يحوز حجية قاطعة تمنع إثبات عكس ما ورد فيه.

فالشيك، بحسب طبيعته، يمثل قرينة على المديونية، ويجوز دحضها من خلال منازعة تنفيذ موضوعية تتعلق بأصل الحق ومدى استحقاق المستفيد لقيمته.

وبالتالي، فإن الصيغة التنفيذية لا تمنع المدين من التمسك بأن الشيك حُرر ضمانًا، متى قدم ما يسند دفاعه وأُثبتت حقيقة المعاملة التي صدر الشيك في إطارها.

سابعاً: اختصاص قاضي التنفيذ بمنازعة التنفيذ الموضوعية

قررت المحكمة أن منازعات التنفيذ الموضوعية هي الخصومات التي يُطلب فيها حسم الاعتراض على التنفيذ من حيث صحة إجراءاته أو بطلانها.

ويختص قاضي التنفيذ، دون غيره، بالإشراف على تنفيذ السندات التنفيذية والفصل في منازعات التنفيذ، سواء كانت وقتية أو موضوعية، وبصرف النظر عن قيمتها، إلا ما استثني بنص خاص.

ويشمل ذلك المنازعة في الشيك المذيل بالصيغة التنفيذية عندما تتعلق بحقيقة المديونية ومدى أحقية المستفيد في اقتضاء قيمته.

وفي هذه الحالة، لا يقتصر دور قاضي التنفيذ على التحقق الشكلي من وجود الشيك، بل يجوز له بحث ما إذا كان السند مستوفيًا شروط التنفيذ الجبري، وما إذا كانت القرينة المستفادة منه قد دُحضت بالأدلة المقدمة في المنازعة.

ثامناً: الإجراءات المتبعة إذا كان إشكال التنفيذ منازعة موضوعية

أشارت المحكمة إلى المادة (239/3) من قانون الإجراءات المدنية، التي تنظم الحالة التي يتبين فيها لقاضي التنفيذ أن الإشكال المقدم يُعد منازعة تنفيذ موضوعية.

ففي هذه الحالة، يصرح القاضي لمقدم الإشكال بقيد المنازعة خلال سبعة أيام عمل من تاريخ التصريح، ويستمر التنفيذ ما لم يصدر قرار بوقفه.

ويكشف هذا التنظيم عن التمييز بين مجرد الإشكال الذي يُطرح في ملف التنفيذ وبين المنازعة الموضوعية التي تستهدف حسم النزاع حول صحة التنفيذ أو مدى استحقاق الحق محل التنفيذ.

وعليه، فإن إثارة أن الشيك حُرر ضمانًا لمعاملة لم تتم تقتضي عرض المنازعة وفق الإجراءات القانونية المقررة، حتى يُبحث أصل الحق ومدى صلاحية الشيك للتنفيذ.

تاسعاً: اليمين الحاسمة وحدود توجيهها

تمسكت الطاعنة أمام المحكمة بأن الحكم أخطأ عندما لم يحلف المطعون ضده اليمين الحاسمة بشأن ما ادعت أنه إقرار باستحقاقها مبلغ مليوني درهم.

وعرّفت المحكمة اليمين الحاسمة بأنها استشهاد بالله تعالى على صحة ما يدعيه الحالف أو عدم صحة ما يدعيه خصمه، وهي دليل إثبات يجوز لكل من الخصمين توجيهه إلى الآخر في أي مرحلة تكون عليها الدعوى، متى توافرت شروطه القانونية.

إلا أن هذا الحق ليس منفصلًا عن موضوع النزاع؛ إذ يجب أن تتعلق الواقعة المطلوب الحلف عليها بشخص من وُجهت إليه اليمين.

كما لا تملك المحكمة صرف النظر عن اليمين لمجرد عدم اقتناعها بها، ما لم يتبين لها أن الواقعة غير متعلقة بالخصم أو أن اليمين كيدية، على أن تستند في ذلك إلى أسباب تثبت وجه عدم القبول.

وفي القضية محل البحث، انتهت المحكمة إلى أن الواقعة التي طلبت الطاعنة توجيه اليمين بشأنها لا تتعلق بقيمة الشيك محل التنفيذ وموضوعه، ومن ثم لم ترَ أن عدم توجيهها يعيب الحكم المطعون فيه.

عاشراً: تطبيق المبادئ على النزاع

بعد الاطلاع على تقرير الخبير المنتدب، تبين للمحكمة وجود تعاملات مالية سابقة بين طرفي النزاع، إلا أن مبلغ الشيك البالغ 38,500,000 درهم لم يثبت بوصفه مبلغًا مستحقًا للطاعنة في ذمة المطعون ضده عن تلك التعاملات.

كما خلصت المحكمة إلى أن الشيك محل التنفيذ كان شيك ضمان للصفقة التجارية التي لم تتم، وليس أداة وفاء بدين مستحق.

وبناءً على ذلك، رأت أن الشيك انتفت عنه الشروط اللازمة لاعتباره سندًا تنفيذيًا صالحًا للتنفيذ الجبري في النزاع المعروض.

كذلك رأت أن الواقعة التي انصبت عليها طلبات اليمين الحاسمة لا تتعلق بقيمة الشيك وموضوعه، وأن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أسباب لها أصلها في الواقع والقانون.

ولذلك، لم تجد المحكمة أساسًا لنقض الحكم بسبب عدم إحالة المنازعة إلى التحقيق أو عدم توجيه اليمين الحاسمة وفق ما تمسكت به الطاعنة.

الحادي عشر: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن أسباب الطعن لا تقوم على سند صحيح من الواقع أو القانون، وأن الحكم المطعون فيه أصاب حين أيد إلغاء الصيغة التنفيذية للشيك وإجراءات التنفيذ، بعد ثبوت أنه شيك ضمان لا أداة وفاء بدين مستحق، وانتفاء الشروط اللازمة لتنفيذه جبريًا.

كما رأت أن الواقعة المطلوب الحلف عليها باليمين الحاسمة لا تتعلق بقيمة الشيك وموضوعه، فلا يعيب الحكم عدم توجيهها في هذه الحالة.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة برفض الطعن رقم 167 لسنة 2026 مدني، وأبقت على الحكم المطعون فيه القاضي بتأييد إلغاء الصيغة التنفيذية للشيك وإجراءات التنفيذ.

الثاني عشر: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:

  1. الأصل في الشيك أنه أداة وفاء: ويُنشئ قرينة على مديونية الساحب بقيمته، ما لم يثبت خلاف ذلك.

  2. قرينة المديونية قابلة لإثبات العكس: يجوز للمدين إثبات أن الشيك حُرر ضمانًا لمعاملة أخرى، وليس للوفاء بدين مستحق.

  3. الصيغة التنفيذية لا تجعل الشيك حكمًا قضائيًا: فلا تمنع منازعة التنفيذ الموضوعية في حقيقة الدين ومدى استحقاق قيمته.

  4. التنفيذ الجبري يتطلب سندًا مستوفيًا لشروطه: يجب أن يكون الحق محقق الوجود، معين المقدار، وحال الأداء.

  5. قاضي التنفيذ يختص بمنازعات التنفيذ الموضوعية: وله بحث حقيقة المديونية وصلاحية الشيك للتنفيذ في حدود النزاع المعروض.

  6. اليمين الحاسمة يجب أن تتعلق بموضوع النزاع: فلا يلزم قبول توجيهها إذا كانت الواقعة المطلوب الحلف عليها غير متعلقة بقيمة الشيك وموضوعه.

  7. العبرة بحقيقة العلاقة التي صدر الشيك في إطارها: فإذا ثبت أنه شيك ضمان لمعاملة لم تتم وانتفت شروط التنفيذ، جاز إلغاء الصيغة التنفيذية وإجراءات التنفيذ المترتبة عليه.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن الشيك، رغم كونه في الأصل أداة وفاء وقرينة على المديونية، لا يمنع منازعة التنفيذ الموضوعية في حقيقة الدين الذي صدر بشأنه.

فإذا ثبت أن الشيك حُرر ضمانًا لمعاملة تجارية لم تتم، ولم يمثل مبلغًا مستحقًا للمستفيد، جاز للمحكمة بحث مدى توافر شروط التنفيذ الجبري، ولا تكفي الصيغة التنفيذية وحدها لحسم النزاع في أصل الحق.

وفي القضية محل البحث، ثبت للمحكمة أن الشيك البالغ 38.5 مليون درهم كان شيك ضمان، وأن المبلغ لم يثبت دينًا مستحقًا للطاعنة عن التعاملات محل النزاع، كما أن واقعة اليمين الحاسمة لم تتعلق بموضوع الشيك وقيمته. لذلك رفضت المحكمة الطعن وأيدت النتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 167 لسنة 2026 مدني، جلسة 29 أبريل 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 167 لسنة 2026 مدني Docx

Word – 62.5 KB 7 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.