إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال الإشكالي
هل يجوز للمحكمة أن تقبل الاستئناف وتفصل في موضوعه دون الرد على دفع جوهري بسقوط الحق في الاستئناف لرفعه بعد الميعاد؟ وإذا قضت ببطلان مستندات مصرفية بسبب التزوير، فهل يكفي ذلك لرفض المطالبة بكامل المديونية دون التحقق من نطاق التزوير والمبالغ التي تأثرت به؟
تؤكد المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 41 لسنة 2026 تجاري أن تسبيب الأحكام ليس إجراءً شكليًا، بل ضمانة للمحاكمة العادلة تقتضي الإحاطة بعناصر الدعوى، وتمحيص الأدلة والمستندات، والرد على الدفوع الجوهرية المؤثرة في النزاع. كما أن إغفال بحث الدفع بسقوط الاستئناف، وعدم تحديد مدى امتداد التزوير إلى المديونية، قد يشكل قصورًا في التسبيب ومخالفة للقانون يوجبان نقض الحكم والإحالة.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى في أن أحد البنوك أقام الدعوى رقم 1006 لسنة 2018 مدني كلي، مطالبًا بإلزام مؤسسة فردية وكفيلين بالتضامن والتكافل بأن يؤدوا له مبلغ 27,355,502.67 درهمًا، مع الفائدة التي طلبها بنسبة 12% من تاريخ قيد الدعوى حتى السداد التام.
وأسس البنك مطالبته على حصول المؤسسة على تسهيلات مصرفية بموجب اتفاق مؤرخ في 5 ديسمبر 2012، وملحق اتفاق ائتمان مالي مؤرخ في 10 مارس 2016، بضمان وكفالة المدعى عليهما الآخرين، وذلك من خلال الحساب الجاري لدى البنك، على أن تُسدد المبالغ وفق الأقساط المتفق عليها.
وذكر البنك أن المديونية ترصدت في ذمة المدعى عليهم، وأنهم امتنعوا عن السداد، الأمر الذي دفعه إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالمبلغ المستحق.
ثانياً: حكم محكمة أول درجة
بتاريخ 21 أبريل 2019، قضت محكمة أول درجة بإلزام المدعى عليهم بالتضامن والتكافل بأن يؤدوا للبنك مبلغ 27,355,502.67 درهمًا، مع فائدة بنسبة 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية حتى السداد التام، كما قضت بصحة الحجز وتثبيته.
ولم يرتضِ الخصوم هذا القضاء، فطُعن عليه بالاستئناف، وأثيرت أمام محكمة الاستئناف منازعات تتعلق بالتزوير في عدد من المستندات المصرفية والتوقيعات المنسوبة إلى بعض الخصوم.
ثالثاً: التزوير في المستندات المصرفية
تناول الحكم الاستئنافي طعونًا بالتزوير شملت مستندات تتعلق بالاعتمادات المستندية والتسهيلات الائتمانية والكفالات، ومن بينها:
-
طلبات اعتماد مستندي غير قابل للإلغاء.
-
مستندات متعلقة بتفويضات قيد قيمة الاعتمادات.
-
إيصال أمانة.
-
الشروط العامة للكفالات والكمبيالات والأوراق التجارية.
-
اتفاقيات التسهيلات الائتمانية العامة وملاحقها.
-
إقرار العميل بصحة الأرصدة.
-
مستندات أخرى مرتبطة بالحساب والتسهيلات المصرفية.
وقضت محكمة الاستئناف برد وبطلان مستندات وتوقيعات طُعن عليها بالتزوير، ثم ألغت الحكم المستأنف وقضت برفض الدعوى، وألزمت البنك بالمصروفات ومبلغ 50,000 درهم مقابل أتعاب المحاماة عن درجتي التقاضي.
ولم يقبل البنك هذا القضاء، فطعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا.
رابعاً: الدفع بسقوط الاستئناف لرفعه بعد الميعاد
تمسك البنك أمام محكمة الاستئناف بأن حق الخصوم في الاستئناف قد سقط لرفعه بعد الميعاد القانوني.
وأوضح في دفاعه أنه سبق إعلان الخصوم، وفق الإجراءات التي أشار إليها في مذكراته، وأنه كان يتعين على المحكمة التحقق من تاريخ الإعلان وتاريخ رفع الاستئناف، ثم الفصل في مدى قبوله شكلًا.
إلا أن الحكم المطعون فيه لم يبحث هذا الدفع الجوهري ولم يرد عليه بأسباب خاصة، رغم أن الفصل فيه قد يؤثر في جواز نظر الاستئناف من الأساس.
وهنا برزت المسألة القانونية الأولى: هل يجوز للمحكمة الانتقال إلى بحث موضوع الاستئناف دون حسم الدفع المتعلق بميعاده؟
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن إغفال بحث هذا الدفع الجوهري والرد عليه يُعد قصورًا في أسباب الحكم الواقعية، لأن الدفع يتعلق بقبول الاستئناف شكلًا، وقد يترتب على الفصل فيه عدم جواز نظره إذا ثبتت صحته.
خامساً: وجوب التسبيب الكافي للأحكام القضائية
استندت المحكمة إلى الفقرة الثالثة من المادة (130) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، التي تقرر أن القصور في أسباب الحكم الواقعية، والنقص أو الخطأ الجسيم في أسماء الخصوم وصفاتهم، وعدم بيان أسماء القضاة الذين أصدروا الحكم، يترتب عليه بطلان الحكم.
وأوضحت المحكمة أن التسبيب الكافي للأحكام القضائية يُعد من ضمانات المحاكمة العادلة، إذ يبعث الطمأنينة في نفوس المتقاضين بأن نزاعاتهم نُظرت بعد دراسة واعية للوقائع، وإحاطة بالأدلة والقرائن، وتقدير متزن لما قدم فيها من دفاع ودفوع.
ولا يتحقق التسبيب الكافي بمجرد سرد الوقائع أو ذكر النتيجة التي انتهت إليها المحكمة، بل يجب أن تكشف الأسباب عن فهم عناصر النزاع، ومناقشة الأدلة ذات الصلة، والرد على الدفوع الجوهرية المؤثرة في الفصل فيه.
وبالتالي، فإن إغفال دفع قد يغير وجه الرأي في الدعوى لا يُعد مجرد نقص شكلي، بل قد يؤدي إلى بطلان الحكم متى كان هذا الإغفال مؤثرًا في سلامة قضائه.
سادساً: التزام محكمة الموضوع ببحث الأدلة والدفوع الجوهرية
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الموضوع ملزمة بالإحاطة بجميع عناصر الدعوى، وبحث الأدلة وتمحيصها، ومناقشة المستندات، وإقامة حكمها على أسباب تكشف عن دراسة أوراق الدعوى عن بصر وبصيرة.
ويجب أن يتناول الحكم الطلبات والدفوع الجوهرية التي من شأنها التأثير في النتيجة التي ينتهي إليها، وأن يرد عليها ردًا سائغًا ومقبولًا.
أما إذا أغفل الحكم دفاعًا جوهريًا أو لم يبحث مستندات مؤثرة في النزاع، فإنه يكون مشوبًا بالقصور المبطل، خصوصًا إذا كان الدفاع متعلقًا بشرط إجرائي لازم للفصل في الموضوع أو بمسألة تؤثر في تحديد مقدار الحق المطالب به.
وفي النزاع محل الطعن، لم يقتصر العيب الذي لاحظته المحكمة على عدم الرد على الدفع بسقوط الاستئناف، بل امتد إلى عدم التحقق من نطاق التزوير ومدى تأثيره في المديونية المصرفية.
سابعاً: أثر التزوير على المديونية المصرفية
تمثلت المسألة القانونية الثانية في مدى امتداد التزوير إلى كامل المديونية المطالب بها، أو اقتصاره على مستندات ومبالغ محددة.
فقد قضى الحكم الاستئنافي برد وبطلان عدد من المستندات والتوقيعات، ثم انتهى إلى إلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى البنك.
إلا أن المحكمة الاتحادية العليا لاحظت أن الحكم لم يتحقق مما إذا كان التزوير الذي تناولته إجراءات الاستكتاب قد امتد إلى كامل المديونية منذ فتح الحساب الجاري، ولم يحدد المبلغ الذي طاله التزوير.
وهذا التحقق جوهري؛ لأن ثبوت تزوير بعض المستندات لا يجيب، بمفرده، عن جميع الأسئلة المتعلقة بأصل المديونية ومقدارها، ولا يغني عن تحديد أثر المستندات المطعون عليها في الحسابات والمبالغ محل المطالبة.
وكان يتعين على المحكمة أن تبحث نطاق التزوير، وتحدد المستندات التي تأثرت به، وتتحقق من مدى انعكاس ذلك على المديونية المطالب بها، بدلًا من الاكتفاء بنتيجة عامة لا توضح أثر التزوير في كامل المطالبة.
ثامناً: لماذا قضت المحكمة بنقض الحكم؟
رأت المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم المطعون فيه أغفل بحث الدفع الجوهري بسقوط الاستئناف لرفعه بعد الميعاد، ولم يرد عليه بأسباب كافية.
كما لم يتحقق من مدى امتداد التزوير إلى كامل المديونية منذ فتح الحساب الجاري، ولم يحدد المبلغ الذي طاله التزوير.
وبذلك، لم تكن أسباب الحكم كافية لحمل النتيجة التي انتهى إليها، وشابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، فضلًا عن الخطأ في فهم الواقع وتقدير الأدلة ومخالفة القانون.
ولما كانت هذه العيوب مؤثرة في سلامة الحكم، فقد انتهت المحكمة إلى نقضه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
تاسعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن نعي البنك قائم على أساس صحيح، لأن الحكم المطعون فيه لم يبحث دفعه بسقوط الاستئناف لرفعه بعد الميعاد، كما لم يتحقق من مدى امتداد التزوير إلى كامل المديونية والمبلغ الذي تأثر به.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
ولا يعني هذا القضاء أن المحكمة الاتحادية العليا حسمت أصل المديونية لصالح البنك أو قررت صحة جميع المستندات المصرفية؛ وإنما أوجبت إعادة بحث المسائل التي أغفل الحكم السابق التحقق منها، والفصل فيها على أساس أسباب كافية ومعالجة الدفوع والأدلة ذات الصلة.
عاشراً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل أهم المبادئ القانونية المستفادة من الحكم في الآتي:
-
التسبيب الكافي ضمانة للمحاكمة العادلة: يجب أن تكشف أسباب الحكم عن فهم الوقائع وتمحيص الأدلة والرد على الدفاع المؤثر.
-
وجوب الفصل في الدفع بسقوط الاستئناف: إذا تمسك الخصم بأن الاستئناف رُفع بعد الميعاد، تعين على المحكمة بحث الدفع والرد عليه بأسباب واضحة.
-
لا يجوز إغفال الدفوع الجوهرية: إغفال دفاع قد يؤثر في قبول الدعوى أو الاستئناف أو في النتيجة النهائية قد يشكل قصورًا مبطلًا.
-
يجب تحديد نطاق التزوير وأثره: لا يكفي إثبات التزوير في بعض المستندات دون بحث مدى امتداده إلى المديونية والمبالغ محل المطالبة.
-
تحديد المبلغ المتأثر بالتزوير مسألة جوهرية: ينبغي بيان أثر المستندات المطعون عليها في الحسابات والرصيد المطالب به.
-
النقض مع الإحالة لا يحسم أصل الحق تلقائيًا: بل يعيد المسائل التي شابها القصور إلى المحكمة المختصة لتبحثها وتفصل فيها وفق القانون.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن سلامة الحكم القضائي لا تتحقق بمجرد الوصول إلى نتيجة، بل تستلزم بحث الدفوع الجوهرية ومناقشة الأدلة والمستندات والرد على الدفاع المؤثر في النزاع.
وفي المنازعات المصرفية التي يُدفع فيها بالتزوير، يجب على المحكمة تحديد المستندات التي ثبت تزويرها، والتحقق من مدى امتداد التزوير إلى المديونية، وتحديد المبلغ الذي تأثر به، قبل استخلاص النتيجة بشأن المطالبة المالية.
ولما كان الحكم المطعون فيه قد أغفل الدفع بسقوط الاستئناف لرفعه بعد الميعاد، ولم يحدد نطاق التزوير وأثره على المديونية، فقد قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقضه مع الإحالة.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 41 لسنة 2026 تجاري، جلسة 5 مايو 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments