إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال الإشكالي
هل تُرفض دعوى إلغاء القرار الإداري إذا رُفعت بعد انقضاء الميعاد المحسوب من تاريخ العلم بالقرار أو من تاريخ الرفض الضمني للتظلم، رغم أن الجهة الإدارية اتخذت مسلكًا إيجابيًا يوحي بجدية دراسة التظلم والاستجابة له؟ وهل يجوز للجهة الإدارية أن تفيد المتظلم بخلو ملفه من المخالفات، ثم تعود لاحقًا لمطالبته بمبالغ مالية مرتبطة بالمخالفة ذاتها، دون أن يُعتد بهذا المسلك عند حساب ميعاد الطعن القضائي؟
عالجت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسألة في الطعن رقم 84 لسنة 2026 إداري، وقررت أن المسلك الإيجابي الجاد للإدارة في سبيل الاستجابة للتظلم قد يمتد معه ميعاد رفع دعوى الإلغاء، بحيث يُحتسب من تاريخ إبلاغ المتظلم بالموقف النهائي للإدارة، بدلًا من تاريخ فوات ميعاد الرفض الضمني، متى توافرت الضوابط التي قررتها المحكمة.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى في أن الطاعنة أقامت الدعوى رقم 292 لسنة 2025 إداري كلي أبوظبي اتحادي بتاريخ 16 يوليو 2025، طالبةً إلغاء القرار الصادر باتهامها بالتوطين الصوري، وتحديث بيانات ملفها الإلكتروني بما يعكس وضعها القانوني الصحيح، وإلغاء المطالبة المالية برد مبالغ الدعم.
واستندت الطاعنة إلى أنها التحقت بالعمل لدى شركة بموجب عقد عمل رسمي وموثق، بنظام الدوام الجزئي، وأنها التزمت ببنود العقد وباشرت العمل فعليًا.
وذكرت أنه عند إجراء تفتيش على المنشأة التي تعمل بها، كان الموظف المسؤول الموجود حينها من الجنسية الصينية ولا يجيد التحدث بالعربية أو الإنجليزية، ثم فوجئت لاحقًا برسائل عبر تطبيق «واتساب» من منصة «نافس» ووزارة الموارد البشرية والتوطين تتضمن اتهامها بالتوظيف الصوري.
وقدمت الطاعنة تظلمًا رسميًا إلى منصة «نافس»، وأرفقت ما يفيد مباشرة عملها فعليًا في المنشأة، وتمسكت بأن الاتهام لا يعكس حقيقة وضعها الوظيفي.
ثانياً: التظلم ورد منصة «نافس»
أوضحت الطاعنة أنها تلقت بتاريخ 28 مارس 2025 رسالة من منصة «نافس» تفيد بأنه تم تحديث ملفها الشخصي، وأنه لا توجد مخالفة توطين صوري على ملفها.
واعتبرت الطاعنة أن هذا الرد يمثل استجابة لتظلمها، وأنه يؤكد أن الجهة المختصة راجعت وضعها وانتهت إلى عدم وجود المخالفة محل الاتهام.
إلا أنها تلقت لاحقًا، بتاريخ 17 يونيو 2025، رسالة من وزارة الموارد البشرية والتوطين تطالبها بسداد المبالغ المرتبطة بالمخالفة.
ورأت الطاعنة أن هذه المطالبة اللاحقة تتعارض مع الرسالة السابقة التي أفادتها بخلو ملفها من المخالفات، وأنه لا يجوز تجاهل هذا المسلك الإداري عند تحديد ميعاد رفع دعوى الإلغاء.
ثالثاً: الإجراءات والأحكام السابقة
بتاريخ 28 أكتوبر 2025، قضت محكمة أول درجة بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب عليه من آثار.
استأنف المطعون ضدهما الحكم بالاستئناف رقم 303 لسنة 2025، فقضت محكمة أبوظبي الاستئنافية بتاريخ 4 فبراير 2026 بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجددًا بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد.
ولم ترتضِ الطاعنة هذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بأن دعواها أُقيمت في الميعاد القانوني، بالنظر إلى المسلك الإيجابي الذي اتخذته الإدارة بعد تقديم التظلم، وما تلاه من مطالبة مالية جديدة بتاريخ 17 يونيو 2025.
رابعاً: المسألة القانونية الأولى — ميعاد دعوى إلغاء القرار الإداري
استندت المحكمة إلى المادة (3) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، التي تقرر أن دعوى إلغاء القرارات الإدارية لا تُقبل بعد مضي ستين يومًا من تاريخ نشر القرار المطعون فيه، أو إعلانه لصاحب الشأن، أو ثبوت علمه به علمًا يقينيًا.
كما تقرر المادة أن سريان الميعاد ينقطع بالتظلم أو الاعتراض أمام الجهة الإدارية المختصة وفق الإجراءات المقررة قانونًا.
ويتعين على الجهة الإدارية البت في التظلم خلال ستين يومًا من تاريخ تقديمه، وإذا صدر قرار بالرفض وجب أن يكون مسببًا. أما فوات ستين يومًا دون صدور قرار، فيُعد رفضًا ضمنيًا للتظلم، ويُحسب ميعاد رفع الدعوى من تاريخ الرفض الصريح أو الضمني بحسب الأحوال.
ويُفهم من ذلك أن المشرع وضع مواعيد محددة للطعن في القرارات الإدارية تحقيقًا لاستقرار المراكز القانونية، لكنه لم يغفل أثر التظلم وما قد يصدر عن الإدارة خلال دراسته.
خامساً: المسلك الإيجابي للإدارة وأثره في امتداد الميعاد
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن الأصل في مواعيد المرافعات، ومنها ميعاد دعوى الإلغاء، أنها لا تقبل الوقف أو المد أو الانقطاع إلا في الأحوال المنصوص عليها قانونًا.
ومع ذلك، استقر قضاؤها على أن الجهة الإدارية قد تتخذ مسلكًا إيجابيًا نحو الاستجابة للتظلم، حتى لو لم تصدر قرارها النهائي خلال الستين يومًا المقررة.
وفي هذه الحالة، يمتد ميعاد رفع دعوى الإلغاء ليُحتسب من التاريخ الذي تكشف فيه الإدارة عن موقفها النهائي من التظلم، بدلًا من تاريخ فوات ميعاد الرفض الضمني.
وتقوم علة هذا المبدأ على تجنب دفع المتظلم إلى مقاضاة الإدارة في وقت تكون فيه جادة في دراسة طلبه والعمل على إنصافه.
لكن هذا الأثر لا يترتب على أي إجراء إداري عابر أو روتيني؛ بل يجب أن يكون مسلك الإدارة واضحًا وجادًا، وأن يدل على أنها تبحث التظلم من جوانبه وتستكمل البيانات والمستندات اللازمة لتكوين رأيها بشأنه، أو تسعى فعليًا إلى الاستجابة للمتظلم عندما تستشعر أن له حقًا مهضومًا.
سادساً: تطبيق المبدأ على وقائع الدعوى
ثبت للمحكمة أن الطاعنة علمت بالقرار المطعون فيه بتاريخ 8 فبراير 2025، ثم قدمت تظلمها بتاريخ 10 فبراير 2025.
وبعد ذلك، تلقت رسالة من منصة «نافس» بتاريخ 28 مارس 2025 تفيد بخلو ملفها من أي جزاءات، وهو ما اعتبرته المحكمة مسلكًا إيجابيًا من الإدارة نحو الاستجابة لتظلمها.
ثم تلقت الطاعنة بتاريخ 17 يونيو 2025 رسالة من وزارة الموارد البشرية والتوطين تطالبها بسداد المبالغ المرتبطة بالمخالفة.
ورأت المحكمة أن هذه المطالبة اللاحقة، بعد سبق إفادة الطاعنة بخلو ملفها من الجزاءات، تمثل إجراءً مرتبطًا بالموقف الإداري النهائي الذي انكشف لها، ويبدأ منه ميعاد جديد للطعن في الظروف المعروضة.
ولما كانت الطاعنة قد أقامت دعواها بتاريخ 16 يوليو 2025، فقد اعتبرت المحكمة أنها أقامتها في الميعاد المقرر قانونًا.
وبذلك، أخطأ الحكم الاستئنافي حين قضى بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، دون الاعتداد بالمسلك الإيجابي الذي اتخذته الإدارة وبأثره في حساب الميعاد.
سابعاً: العذر الشرعي ووقف سريان التقادم
أشارت المحكمة في عرضها للمبادئ القانونية إلى حكم المادة (481) من القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 بشأن المعاملات المدنية، التي تقرر وقف مرور الزمان المانع من سماع الدعوى إذا وجد عذر شرعي يتعذر معه المطالبة بالحق، وألا تُحسب مدة قيام العذر ضمن المدة المقررة.
كما أكدت أن مواعيد المرافعات، ومنها ميعاد رفع دعوى الإلغاء، لها طبيعة خاصة، ولا تقبل الوقف أو المد أو الانقطاع إلا في الأحوال التي يقررها القانون.
ومن ثم، فإن أثر المسلك الإيجابي للإدارة في هذا الحكم لا يعني أن جميع المواعيد الإجرائية تقبل التمديد متى ادعى المتظلم وجود عذر، وإنما يرتبط بضوابط قضائية محددة تتعلق بجدية الإدارة في دراسة التظلم واتجاهها إلى الاستجابة له.
ثامناً: لماذا نقضت المحكمة الحكم الاستئنافي؟
انتهت المحكمة إلى أن الحكم الاستئنافي أخطأ في تطبيق القانون حين قضى بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، دون أن يعتد بأثر المسلك الإيجابي للإدارة المتمثل في إفادة الطاعنة بخلو ملفها من الجزاءات، ثم مطالبتها لاحقًا بسداد المبالغ.
وكان يتعين على المحكمة أن تضع في اعتبارها التسلسل الزمني للإجراءات الإدارية، وأن تحدد أثر الرسائل الصادرة عن الجهات المعنية في حساب ميعاد رفع الدعوى.
ولما كانت الدعوى قد أقيمت بتاريخ 16 يوليو 2025، بعد رسالة المطالبة المالية المؤرخة 17 يونيو 2025، فقد انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن الدعوى رُفعت في الميعاد المقرر قانونًا.
تاسعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية
قضت المحكمة الاتحادية العليا بقبول الطعن، وانتهت إلى أن الحكم المطعون فيه خالف القانون عندما قضى بعدم قبول دعوى الإلغاء لرفعها بعد الميعاد، رغم ثبوت المسلك الإيجابي للإدارة في التعامل مع تظلم الطاعنة.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
ولا يعني هذا الحكم أن المحكمة الاتحادية العليا فصلت نهائيًا في موضوع اتهام الطاعنة بالتوطين الصوري أو ألغت بنفسها المطالبة المالية من الناحية الموضوعية؛ بل قررت أن دعواها رُفعت في الميعاد القانوني، وأعادت القضية للفصل فيها وفقًا لما قررته من مبادئ.
عاشراً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل أهم المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:
-
ميعاد دعوى الإلغاء ستون يومًا: ويُحسب وفق الضوابط التي تحددها المادة (3) من قانون الإجراءات المدنية.
-
التظلم يؤثر في حساب الميعاد: ينقطع سريان الميعاد بالتظلم أمام الجهة المختصة، ويبدأ حسابه وفق تاريخ الرفض الصريح أو الضمني بحسب الأحوال.
-
المسلك الإيجابي الجاد للإدارة قد يمدد ميعاد الطعن: إذا كان واضحًا ويدل على دراسة فعلية للتظلم والسعي إلى الاستجابة له.
-
لا يُعتد بالإجراءات الروتينية وحدها: بل يجب أن يكشف سلوك الإدارة عن اتجاه جاد نحو إنصاف المتظلم.
-
تتابع الرسائل الإدارية قد يكون مؤثرًا في حساب الميعاد: إذا دلت ظروفها ومضمونها على أن الإدارة استجابت للتظلم ثم اتخذت موقفًا نهائيًا مغايرًا.
-
نقض الحكم لخطئه في حساب الميعاد لا يحسم أصل النزاع الإداري: بل يتيح بحث الموضوع بعد تقرير قبول الدعوى من حيث الميعاد.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن ميعاد دعوى الإلغاء لا يُحسب بمعزل عن المسلك الذي تتخذه الإدارة تجاه التظلم، متى كان هذا المسلك إيجابيًا وجادًا في سبيل الاستجابة لطلب المتظلم.
وفي القضية محل البحث، تلقت الطاعنة إفادة من منصة «نافس» بخلو ملفها من الجزاءات، ثم فوجئت بمطالبتها بالسداد لاحقًا. واعتبرت المحكمة أن هذا التسلسل الإداري يؤثر في حساب ميعاد رفع الدعوى، وأن دعواها التي أقامتها في 16 يوليو 2025 كانت مرفوعة في الميعاد القانوني.
لذلك قضت المحكمة بنقض الحكم الاستئنافي الذي انتهى إلى عدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، مع الإحالة للفصل فيها وفقًا للمبادئ القانونية التي قررتها.
المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 84 لسنة 2026 إداري، جلسة 22 أبريل 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments