تتعرض لحادث سير وتثبت تكاليف علاجها بالفواتير فتُضاف 30 ألف درهم إلى تعويضها – الطعن رقم 146 لسنة 2026 تجاري

Published on October 20, 2026 at 4:24 PM

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يجوز للمحكمة أن ترفض تعويض المصاب عن تكاليف العلاج رغم تقديم فواتير ومستندات رسمية تثبت ما تكبده من نفقات بسبب الحادث؟ وهل تملك محكمة الاستئناف إلغاء الفوائد التأخيرية التي قضت بها محكمة أول درجة دون بيان مسوغ قانوني لذلك؟

تؤكد المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 146 لسنة 2026 تجاري أن التعويض يجب أن يكون جابرًا لكافة عناصر الضرر المادي والأدبي متى ثبتت صلته بالفعل الضار، وأن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير التعويض، لكن هذه السلطة لا تبيح لها إطراح دليل جاد على أحد عناصر الضرر دون بيان أسباب ذلك. كما أكدت أن الفوائد التأخيرية تُستحق وفق ضوابط تتعلق بطبيعة الدين ومدى خضوعه لتقدير القضاء.

أولاً: وقائع الدعوى

تتحصل وقائع الدعوى في أن الطاعنة تعرضت لحادث سير بتاريخ 9 فبراير 2024، تسبب فيه قائد مركبة مؤمّن عليها لدى شركة التأمين المطعون ضدها.

وقد حُررت عن الحادث القضية الجزائية رقم 1251 لسنة 2024 جزاء مرور، وصدر حكم نهائي وبات بإدانة قائد المركبة المتسببة في الحادث.

وأثبت تقرير الطب الشرعي إصابة الطاعنة بعجز بنسبة 10% من القدرة الوظيفية للطرف العلوي الأيمن، وعجز بنسبة 15% من القدرة الكلية للصدر، فضلًا عن اضطرابات نفسية تمثلت في القلق والخوف والضغط النفسي والعصبي المرتبط بالحادث.

وبناءً على ذلك، تقدمت الطاعنة بشكواها رقم 3009 لسنة 2025 إلى لجنة تسوية وحل نزاعات التأمين، مطالبةً بإلزام شركة التأمين بأن تؤدي لها مبلغ 501,000 درهم تعويضًا شاملًا عن الأضرار الجسدية والمادية والأدبية، مع فائدة سنوية بنسبة 5% من تاريخ قيد المنازعة وحتى تمام السداد.

ثانياً: قرار لجنة تسوية وحل نزاعات التأمين

بتاريخ 30 أكتوبر 2025، أصدرت لجنة تسوية وحل نزاعات التأمين قرارها بإلزام شركة التأمين بأن تؤدي للطاعنة مبلغ 110,000 درهم، تعويضًا عن الأضرار المادية والمعنوية، مع فائدة بنسبة 5% سنويًا من تاريخ صيرورة القرار نهائيًا وحتى تمام السداد.

ولم يرتضِ الطرفان هذا القرار؛ إذ استأنفت شركة التأمين القرار بالاستئناف رقم 1174 لسنة 2025 مدني عجمان، كما استأنفت الطاعنة بالاستئناف رقم 1192 لسنة 2025 مدني عجمان.

وبتاريخ 25 فبراير 2026، قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الفائدة المحكوم بها وتعديل مبلغ التعويض ليصبح 90,000 درهم.

ولم تقبل الطاعنة هذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بأن الحكم أغفل تعويضها عن تكاليف العلاج والعملية الجراحية، رغم تقديم مستندات رسمية تثبت هذه النفقات، كما ألغى الفوائد التأخيرية دون مسوغ قانوني.

ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — التعويض عن الضرر المادي

استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى المواد 282 و292 و293/1 من قانون المعاملات المدنية، التي تقرر أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم فاعله بالتعويض، وأن التعويض يشمل الضرر المادي والضرر الأدبي.

ويجب أن يكون التعويض كاملًا وجابرًا لجميع عناصر الضرر متى كان الضرر نتيجة طبيعية للفعل الضار.

أما الضرر المادي المرتبط بالإخلال بمصلحة مالية للمضرور، فيُقدّر بمقدار ما لحقه من خسارة وما فاته من كسب، بشرط أن يكون الضرر محقق الوقوع، سواء كان قد تحقق بالفعل أو كان محققًا في المستقبل.

وبتطبيق ذلك على حوادث السير، فإن تكاليف العلاج والعمليات الجراحية والنفقات الطبية التي تكبدها المصاب بسبب الحادث قد تدخل ضمن عناصر الضرر المادي القابل للتعويض، متى ثبتت هذه النفقات وارتباطها بالإصابات الناتجة عن الحادث.

رابعاً: سلطة المحكمة في تقدير التعويض وحدودها

قررت المحكمة أن تقدير التعويض عن الضرر من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع.

إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة؛ فإذا قدم طالب التعويض دليلًا مقبولًا على أحد عناصر الضرر الذي يطالب بالتعويض عنه، ثم رأت المحكمة استبعاد هذا الدليل أو تقدير التعويض على خلافه، وجب عليها أن تبين أسباب عدم الأخذ به.

أما إغفال المستندات الجادة دون مناقشتها أو بيان سبب استبعادها، فيُعد قصورًا في التسبيب.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في أن تقدير التعويض لا يجوز أن يقوم على تقدير مجرد لا يواجه الأدلة المقدمة في الدعوى، بل يتعين على المحكمة أن تفحص المستندات المتعلقة بكل عنصر من عناصر الضرر، وتحدد مدى ثبوت الضرر وعلاقته بالفعل الضار.

خامساً: تطبيق المبدأ على تكاليف العلاج

تمسكت الطاعنة أمام محكمة الموضوع بأن الضرر المادي الذي أصابها لا يقتصر على الإصابات الجسدية والآثار المعنوية للحادث، بل يشمل أيضًا تكاليف العلاج والعملية الجراحية التي أجريت لها.

وقدمت كشفًا بمصاريف علاجها وفواتير صادرة من المستشفى الذي تلقت العلاج فيه، وبلغت قيمة النفقات المطالب بها 51,916 درهمًا.

إلا أن الحكم المطعون فيه لم يأخذ بهذه المستندات، ولم يضمّن تقديره للتعويض النفقات الطبية التي تمسكت الطاعنة بأنها تكبدتها بسبب الحادث.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن إغفال هذا الطلب والمستندات المؤيدة له يعيب الحكم بالقصور في التسبيب؛ إذ كان يتعين بحث تلك النفقات وتحديد مدى ثبوتها وصلتها بالحادث، ثم بيان أسباب قبولها أو استبعادها.

وبذلك، لم يكن العيب في مجرد اختلاف المحكمة مع تقدير الطاعنة لمبلغ التعويض، بل في عدم معالجة دليل جاد يتعلق بعنصر مستقل من عناصر الضرر المادي.

سادساً: المسألة القانونية الثانية — الفوائد التأخيرية

تناولت المحكمة طبيعة الفوائد التأخيرية، وقررت أنها تستحق بوصفها تعويضًا عن الضرر الذي يلحق الدائن نتيجة مماطلة المدين في الوفاء بالتزامه، سواء كان الالتزام مدنيًا أو تجاريًا.

وبيّنت أن تاريخ استحقاق هذه الفوائد يختلف بحسب طبيعة الدين:

  • إذا كان الدين معلوم المقدار ولا يخضع لتقدير القضاء، فإن الفوائد التأخيرية تُحسب من تاريخ المطالبة القضائية.

  • إذا كان تقدير الدين خاضعًا لسلطة القضاء، فإن الفائدة لا تستحق إلا من تاريخ صيرورة الحكم الصادر بالمبلغ نهائيًا، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

ويكشف هذا التمييز عن ضرورة النظر إلى طبيعة المبلغ المطالب به، ومدى إمكان تحديده دون تدخل قضائي، قبل تحديد بداية استحقاق الفوائد التأخيرية.

سابعاً: لماذا أخطأ الحكم في إلغاء الفوائد؟

كانت محكمة أول درجة قد قضت بالفوائد، إلا أن محكمة الاستئناف ألغتها دون مسوغ قانوني كافٍ.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن إلغاء الفوائد التأخيرية المحكوم بها دون سند يبرره يُعد خطأً في تطبيق القانون.

وأكدت أن الفوائد التأخيرية ليست مجرد إضافة تلقائية إلى أصل الدين، بل تعويض عن الضرر الناتج عن التأخر في الوفاء، ويجب تحديد استحقاقها وبداية سريانها وفقًا للقواعد القانونية المنظمة لها.

وفي القضية محل البحث، انتهت المحكمة إلى أن الحكم المطعون فيه أخطأ حين ألغى الفوائد التأخيرية، بما يستوجب نقضه جزئيًا في هذا الشق.

ثامناً: هل فصلت المحكمة العليا في مقدار التعويض؟

لم تكتفِ المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم جزئيًا وإعادة الدعوى إلى محكمة الموضوع، بل قررت أن موضوع الشق المنقوض صالح للفصل فيه.

واستندت إلى المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية، التي تجيز للمحكمة التصدي للفصل في الموضوع عندما يكون صالحًا لذلك.

وبعد الاطلاع على كشف مصاريف العلاج والفواتير المتعلقة بها، قدرت المحكمة للطاعنة مبلغ 30,000 درهم عن النفقات التي تكبدتها في سبيل علاجها.

وبناءً على ذلك، أضافت مبلغ 30,000 درهم إلى مبلغ التعويض الذي انتهت إليه محكمة الاستئناف، فارتفع إجمالي التعويض من 90,000 درهم إلى 120,000 درهم.

كما قضت بفائدة تأخيرية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ صدور حكم المحكمة الاتحادية العليا، وفقًا لما ورد في أسباب الحكم.

تاسعاً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن الحكم المطعون فيه شابه القصور في التسبيب عندما أغفل المستندات التي قدمتها الطاعنة لإثبات تكاليف علاجها، كما أخطأ في تطبيق القانون حين ألغى الفوائد التأخيرية المحكوم بها دون مسوغ قانوني.

ولأن موضوع الشق المنقوض كان صالحًا للفصل فيه، تصدت المحكمة للفصل في هذا الجزء من النزاع، وقضت بإضافة مبلغ 30,000 درهم عن تكاليف العلاج إلى التعويض المحكوم به.

وبذلك أصبح إجمالي التعويض 120,000 درهم، مع فائدة تأخيرية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ صدور الحكم، وفقًا لما ورد في الحكم المرفق.

عاشراً: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل أبرز المبادئ المستفادة من الحكم في الآتي:

  1. التعويض يجب أن يكون جابرًا للضرر: ويشمل الضرر المادي والأدبي متى ثبتت عناصره وصلته بالفعل الضار.

  2. تكاليف العلاج عنصر مستقل من عناصر الضرر المادي: متى ثبتت النفقات وارتباطها بالحادث.

  3. يجب بحث الفواتير والمستندات الجادة: ولا يجوز استبعادها دون بيان أسباب عدم الأخذ بها.

  4. سلطة المحكمة في تقدير التعويض مقيدة بالتسبيب: فإذا خالفت المحكمة دليلًا مؤثرًا، وجب أن توضح سبب ذلك.

  5. الفوائد التأخيرية تعويض عن التأخير في الوفاء: ويختلف تاريخ استحقاقها بحسب ما إذا كان الدين معلوم المقدار أو خاضعًا للتقدير القضائي.

  6. يجوز للمحكمة العليا التصدي للموضوع: إذا كان الشق المنقوض صالحًا للفصل فيه، وفقًا للمادة 186 من قانون الإجراءات المدنية.

  7. إغفال عنصر من عناصر الضرر قد يؤدي إلى نقض الحكم جزئيًا: دون أن يستلزم ذلك نقض جميع ما قضى به الحكم.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن التعويض عن حوادث السير يجب أن يشمل عناصر الضرر الثابتة، بما فيها النفقات الطبية التي تكبدها المصاب بسبب الحادث، وأن للمحكمة سلطة تقدير التعويض بشرط مناقشة الأدلة الجوهرية والرد عليها.

كما أكدت أن الفوائد التأخيرية تُستحق وفق طبيعة الدين والقواعد القانونية المنظمة لها، ولا يجوز إلغاؤها دون مسوغ قانوني.

وفي هذه القضية، أدى إغفال فواتير العلاج والخطأ في إلغاء الفوائد إلى نقض الحكم جزئيًا، ثم تصدت المحكمة للفصل في الشق المنقوض، وأضافت 30,000 درهم إلى التعويض، ليصبح إجماليه 120,000 درهم، مع فائدة تأخيرية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ صدور الحكم.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 146 لسنة 2026 تجاري، جلسة 21 أبريل 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 146 لسنة 2026 تجاري Doc

Word – 108.5 KB 7 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.