ينازع في تنفيذ حكم بريطاني لنقل ملكية عقارين في دبي فتقضي محكمة التمييز برفض طعنه – الطعن رقم 592 لسنة 2023 مدني

Published on October 20, 2026 at 4:28 PM

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يجوز تنفيذ حكم صادر من محكمة أجنبية يقضي بنقل ملكية أو المصلحة النافعة في عقارين واقعين في إمارة دبي، إذا كان الحكم قد صدر في سياق نزاع يتعلق بالآثار المالية للطلاق؟ وهل ينعقد الاختصاص الحصري لمحاكم دبي لمجرد أن العقارين يقعان داخل الإمارة، أم أن العبرة بطبيعة الطلب المعروض على قاضي التنفيذ، وما إذا كان المطلوب الفصل في أصل الحق العقاري أم تنفيذ حكم أجنبي سبق صدوره؟

تناولت محكمة التمييز بدبي هذه المسائل في الطعن رقم 592 لسنة 2023 مدني، الصادر بجلسة 25 يناير 2024، وانتهت إلى رفض الطعن وتأييد الأمر بتنفيذ الحكم الأجنبي، بعد بحث شروط التنفيذ والدفوع المتعلقة بالاختصاص والنظام العام والقانون الواجب التطبيق.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا لما ورد في الحكم، في أن المطعون ضدها تقدمت بطلب على عريضة إلى قاضي التنفيذ في دبي، قُيد برقم 87 لسنة 2023 مدني، طالبةً وضع الصيغة التنفيذية على حكم صادر بتاريخ 6 أكتوبر 2021 من محكمة العدل العليا في بريطانيا، في الدعوى رقم (fD20f00029)، والمعتمد من القاضي مصدره بتاريخ 26 نوفمبر 2021.

وتضمن الحكم الأجنبي موافقة الطاعن على نقل حصته ومصلحته في عقارين يقعان في دبي إلى المطعون ضدها، في إطار الآثار المالية المترتبة على العلاقة الزوجية وفق الإجراءات التي جرت أمام المحاكم البريطانية.

وكان العقاران مسجلين لدى دائرة الأراضي والأملاك بدبي باسم الطاعن، وهو أجنبي، وقد استند طلب التنفيذ إلى ما انتهى إليه الحكم البريطاني من التزامه بنقل ملكيته ومصلحته النافعة في العقارين لصالح المطعون ضدها.

وبتاريخ لاحق، أصدر قاضي التنفيذ أمرًا بوضع الصيغة التنفيذية على الحكم الأجنبي والأمر بتنفيذه وفق الإجراءات القانونية.

ثانياً: إجراءات الدعوى أمام محاكم دبي

لم يرتضِ الطاعن أمر التنفيذ، فطعن عليه بالاستئناف. وبتاريخ 8 نوفمبر 2023، قضت المحكمة برفض الاستئناف وتأييد الأمر المستأنف.

ثم طعن على الحكم بطريق التمييز، طالبًا نقضه، وتمسك بعدة أوجه، كان أبرزها الدفع باختصاص محاكم دبي اختصاصًا حصريًا بالنزاع، لأن الحكم الأجنبي يتعلق بنقل ملكية عقارين يقعان داخل الإمارة.

كما دفع بأن الحكم الأجنبي يتصل بالآثار المالية للطلاق، وأن القانون الواجب التطبيق على الزواج وآثاره المالية هو قانون دولة باكستان، وليس القانون الإنجليزي، بالنظر إلى أن الزواج تم في باكستان، وأن توثيقه في بريطانيا جاء لاحقًا.

وأثار الطاعن كذلك اعتراضات تتعلق بالنظام العام في دولة الإمارات، وبمدى جواز تنفيذ الحكم الأجنبي الذي يرتب نقل ملكية عقارات مسجلة باسمه في دبي.

ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — شروط تنفيذ الحكم الأجنبي

بحثت محكمة التمييز مدى توافر الشروط القانونية اللازمة لتنفيذ الأحكام الأجنبية في الدولة.

واستندت المحكمة إلى المادة (222) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، التي تنظم إجراءات طلب تنفيذ الأحكام الصادرة من بلد أجنبي.

وبحسب ما أورده الحكم، يتعين على طالب التنفيذ تقديم عريضة إلى قاضي التنفيذ مستوفية البيانات المطلوبة، ويصدر القاضي أمره بالتنفيذ خلال خمسة أيام عمل على الأكثر من تاريخ تقديمها متى توافرت الشروط القانونية.

ومن أبرز هذه الشروط:

  1. ألا تكون محاكم الدولة مختصة اختصاصًا حصريًا بالمنازعة التي صدر فيها الحكم الأجنبي.
  2. أن تكون المحكمة الأجنبية التي أصدرت الحكم مختصة به وفق قواعد الاختصاص القضائي الدولي المقررة في قانونها.
  3. أن يكون الحكم صادرًا من محكمة وفقًا لقانون البلد الذي صدر فيه، ومصدقًا عليه وفق الأصول.
  4. أن يكون الخصوم قد كُلّفوا بالحضور ومُثّلوا تمثيلًا صحيحًا.
  5. أن يكون الحكم قد حاز قوة الأمر المقضي وفق قانون المحكمة التي أصدرته، أو أن يكون قابلًا للتنفيذ وفق الضوابط التي يقررها القانون.
  6. ألا يتعارض الحكم مع حكم أو أمر سبق صدوره من محكمة في الدولة.
  7. ألا يتضمن الحكم ما يخالف النظام العام أو الآداب في دولة الإمارات.

وتؤكد هذه الشروط أن تنفيذ الحكم الأجنبي لا يعني إعادة نظر موضوع النزاع من البداية، بل إخضاع الحكم للضوابط القانونية التي تسمح بإعمال آثاره داخل الدولة.

رابعاً: هل ينعقد الاختصاص الحصري لمحاكم دبي لمجرد وقوع العقار داخل الإمارة؟

تمسك الطاعن بأن النزاع يتعلق بعقارين يقعان في دبي، وأن نقل ملكيتهما جبراً إلى المطعون ضدها يدخل في الاختصاص الحصري لمحاكم الإمارة.

إلا أن محكمة التمييز رفضت هذا الدفع، وميّزت بين دعوى يكون محلها الفصل في أصل حق عيني على عقار داخل الدولة، وبين طلب يرمي إلى تنفيذ حكم أجنبي سبق صدوره بشأن التزام بنقل ملكية أو مصلحة في العقار.

وأوضحت المحكمة أن الاختصاص الحصري لمحاكم الدولة بشأن الحقوق العينية العقارية لا يُحسم بمجرد النظر إلى موقع العقار وحده، بل يجب النظر إلى طبيعة الطلب المطروح على المحكمة.

فإذا كان المطلوب هو الفصل في أصل الحق العيني على العقار، ثار البحث في اختصاص محكمة موقع العقار. أما إذا كان الطلب منصبًا على تنفيذ حكم أجنبي، فإن المحكمة تنظر في شروط التنفيذ المقررة قانونًا، ولا يتحول طلب التنفيذ تلقائيًا إلى دعوى جديدة للفصل في أصل الحق العقاري.

وفي النزاع المعروض، رأت المحكمة أن محل الطلب هو تنفيذ الحكم الأجنبي المتعلق بنقل حصة الطاعن ومصلحته في العقارين لصالح المطعون ضدها، وفقًا لما ورد في الحكم البريطاني، وليس إقامة دعوى جديدة للفصل في أصل النزاع العقاري.

وبناءً عليه، لم تقبل المحكمة الدفع بأن وجود العقارين في دبي وحده يمنع تنفيذ الحكم الأجنبي.

خامساً: المسألة القانونية الثانية — هل يخالف الحكم الأجنبي النظام العام في الإمارات؟

دفع الطاعن بأن الحكم الأجنبي يخالف النظام العام في الدولة، بسبب تعلقه بتقسيم الثروة ونقل ملكية عقارات داخل دبي، وبسبب ارتباطه بالآثار المالية للطلاق.

وأكدت المحكمة أن تنفيذ الحكم الأجنبي مشروط بعدم مخالفته النظام العام أو الآداب في دولة الإمارات.

كما استعرضت القواعد المتعلقة بالقانون الواجب التطبيق على الآثار الشخصية والمالية للزواج والطلاق والتطليق والانفصال، في ضوء المادتين (13) و(27) من قانون المعاملات المدنية وتعديلاته، وفق ما أورده الحكم.

وبيّنت أن تطبيق القانون الذي تشير إليه قواعد الإسناد لا يكون جائزًا إذا كانت أحكامه تخالف الشريعة الإسلامية أو النظام العام أو الآداب في الدولة.

لكن المحكمة لم تجد في الحكم الأجنبي محل النزاع ما يبرر رفض تنفيذه لهذا السبب. فقد خلص الحكم المطعون فيه إلى أن نقل الملكية المطلوب تنفيذه لا يخالف أمرًا قطعيًا من أحكام الشريعة الإسلامية، وأنه لا يوجد حظر على تملك المطعون ضدها للعقارات محل الطلب.

كما أخذت المحكمة في الاعتبار أن الطاعن وافق أمام المحكمة البريطانية على نقل ملكيته ومصلحته النافعة في العقارين إلى المطعون ضدها، وأن تنفيذ الحكم الأجنبي في هذه الحدود لا يعدو أن يكون تنفيذًا لما التزم به أمام المحكمة الأجنبية.

ومن ثم، رفضت المحكمة الدفع بمخالفة النظام العام.

سادساً: هل يغيّر القانون الباكستاني الواجب التطبيق على الزواج من النتيجة؟

تمسك الطاعن بأن الزواج تم في جمهورية باكستان الإسلامية، وأن القانون الباكستاني هو الواجب التطبيق على الزواج وآثاره المالية، لا القانون الإنجليزي.

غير أن المحكمة رأت أن هذا الدفاع لا ينال من النتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه.

فقد أخذت في الاعتبار أن النزاع المعروض أمامها لا يتعلق بإعادة الفصل في جميع الآثار المالية للزواج، وإنما بطلب تنفيذ حكم أجنبي صدر في سياق إجراءات أمام المحاكم البريطانية، وانتهى إلى التزام الطاعن بنقل حصته ومصلحته في العقارين إلى المطعون ضدها.

كما أشار الحكم إلى أن الطاعن لم يعترض أمام المحاكم الإنجليزية على تطبيق القانون الإنجليزي، وأن الحكم الأجنبي المطلوب تنفيذه لم يثبت للمحكمة أنه يتضمن مخالفة للنظام العام أو الآداب في الدولة.

وبذلك لم ترَ المحكمة أن الدفع بالقانون الباكستاني، في حدود ما أثير في الطعن، يكفي لنقض الحكم الذي أيد أمر التنفيذ.

سابعاً: أثر موافقة الطاعن أمام المحكمة الأجنبية

كان من العناصر التي اعتمد عليها الحكم أن الطاعن وافق أمام المحكمة البريطانية على نقل ملكيته ومصلحته النافعة في العقارين لصالح المطعون ضدها.

ورأت المحكمة أن تنفيذ الحكم الأجنبي، في ضوء هذه الموافقة وما أثبته الحكم من أوراق الدعوى، يمثل تنفيذًا للالتزام الذي وافق عليه الطاعن أمام المحكمة الأجنبية.

وهذا لا يعني أن مجرد صدور حكم أجنبي أو مجرد موافقة أحد الأطراف أمام محكمة أجنبية يكفي وحده للتنفيذ في الدولة؛ بل يجب استيفاء شروط التنفيذ القانونية، بما فيها الاختصاص القضائي، وصحة الإجراءات، وقوة الحكم، وعدم التعارض مع حكم سابق، وعدم مخالفة النظام العام أو الآداب.

وفي القضية المعروضة، رأت المحكمة أن الشروط اللازمة قد توافرت، وأن أسباب الحكم المطعون فيه سائغة ولها أصل ثابت في الأوراق.

ثامناً: حكم محكمة التمييز

انتهت محكمة التمييز بدبي إلى أن النعي على الحكم المطعون فيه لا يقوم على أساس صحيح.

ورأت أن ما انتهى إليه الحكم من تأييد أمر قاضي التنفيذ بتنفيذ الحكم الأجنبي يستند إلى أسباب سائغة، تدخل في نطاق سلطة محكمة الموضوع، وتكفي لحمل قضائها، وتتضمن الرد على أوجه دفاع الطاعن.

كما رفضت المحكمة الدفع باختصاص محاكم دبي اختصاصًا حصريًا، على أساس أن محل الطلب هو تنفيذ حكم أجنبي، وليس الفصل ابتداءً في نزاع على أصل الحق العيني في العقارين.

وبناءً عليه، قضت المحكمة:

  • برفض الطعن.
  • بإلزام الطاعن بالمصروفات.
  • بإلزامه بمبلغ ألفي درهم مقابل أتعاب المحاماة.
  • بمصادرة مبلغ التأمين.

تاسعاً: الفائدة القانونية من الحكم

تتجلى أهمية الحكم في عدد من المبادئ العملية:

1. التمييز بين دعوى الحق العقاري وطلب تنفيذ الحكم الأجنبي

ليس كل طلب يتعلق بعقار داخل دبي دعوى عقارية جديدة. فقد يكون المطلوب تنفيذ حكم أجنبي سبق أن فصل في التزام بنقل الملكية أو المصلحة في العقار، وهنا يجب تحديد طبيعة الطلب قبل بحث الاختصاص.

2. وقوع العقار في دبي لا يحسم وحده مسألة الاختصاص

يجب التمييز بين الفصل في أصل الحق العيني وبين إجراءات تنفيذ حكم أجنبي. ولا يجوز استخلاص الاختصاص الحصري أو نفيه دون تحديد طبيعة النزاع المعروض.

3. تنفيذ الأحكام الأجنبية يخضع لشروط قانونية محددة

لا يُنفذ الحكم الأجنبي تلقائيًا، بل يجب التحقق من الاختصاص، وصحة الإجراءات، وقوة الحكم، وعدم التعارض مع حكم سابق، وعدم مخالفة النظام العام أو الآداب.

4. النظام العام قيد أساسي على تنفيذ الحكم الأجنبي

حتى مع استيفاء بقية الشروط، لا يجوز تنفيذ حكم أجنبي يتضمن ما يخالف النظام العام أو الآداب في دولة الإمارات.

5. طبيعة الحكم الأجنبي وسياقه مهمان في تحديد أثره

عند بحث التنفيذ، يتعين الوقوف على ما قضى به الحكم الأجنبي فعلًا، وطبيعة الالتزام الوارد فيه، ومدى ارتباط طلب التنفيذ بالفصل في أصل الحق أو بتنفيذ التزام سبق تقريره.

6. موافقة الخصم أمام المحكمة الأجنبية عنصر يُبحث ضمن مستندات التنفيذ

قد تكون الموافقة المثبتة في الحكم الأجنبي ذات أهمية في فهم الالتزام المطلوب تنفيذه، لكنها لا تغني عن استيفاء شروط تنفيذ الأحكام الأجنبية المنصوص عليها في القانون.

الخلاصة

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي في الطعن رقم 592 لسنة 2023 مدني أن طلب تنفيذ حكم أجنبي يتعلق بعقارين في دبي لا يتحول بالضرورة إلى دعوى جديدة للفصل في أصل الحق العقاري لمجرد أن العقارين يقعان داخل الإمارة.

وقد رفضت المحكمة الطعن وأيدت أمر التنفيذ، بعدما خلصت إلى أن الطلب يتعلق بتنفيذ حكم بريطاني ألزم الطاعن بنقل حصته ومصلحته النافعة في عقارين لصالح المطعون ضدها، وأن الدفوع المتعلقة بالاختصاص والنظام العام والقانون الواجب التطبيق لا تنال من النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

وتبقى القاعدة الأساسية أن تنفيذ الأحكام الأجنبية في دولة الإمارات يتوقف على استيفاء الشروط القانونية، وعلى رأسها الاختصاص القضائي، وصحة الإجراءات، وقوة الحكم، وعدم مخالفة النظام العام أو الآداب.

المرجع القضائي: محكمة التمييز بدبي، الطعن رقم 592 لسنة 2023 مدني، جلسة 25 يناير 2024.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

حكم محكمة التمييز دبي الطعن رقم 592 لسنة 2023 مدني جلسة 25 01 Pdf

PDF – 531.6 KB 8 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.