يخفف عقوبة تزوير جواز السفر والإقامة.. والمحكمة الاتحادية العليا تحسم الفرق بين الرأفة واستبدال العقوبة | الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي

Published on October 20, 2026 at 9:50 PM

هل يجوز تخفيف عقوبة تزوير جواز السفر والإقامة؟ المحكمة الاتحادية العليا تفرق بين الرأفة واستبدال العقوبة

السؤال الإشكالي:

هل يحظر قانون دخول وإقامة الأجانب على المحكمة استعمال الرأفة وتخفيف العقوبة عن المتهم المدان بتزوير جواز سفر وتصريح إقامة بقصد التهرب من أحكام القانون، أم أن الحظر يقتصر على وقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية ومبادئ المحكمة الاتحادية العليا

أولاً: وقائع القضية

تعود وقائع القضية إلى اتهام النيابة العامة أحد الأشخاص بالاشتراك مع آخر مجهول في تزوير جواز سفر رسمي، من خلال الاتفاق معه وتزويده ببياناته وصورته الشخصية لاستخدامها في إصدار جواز سفر باسم غير اسمه الحقيقي، بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب.

كما أسندت إليه النيابة العامة الاشتراك في تزوير مستندات رسمية أخرى، شملت تأشيرة دخول وتصريح إقامة، وذلك من خلال تقديم جواز السفر المزور إلى الموظف المختص، مما أدى إلى إصدار تصريح الإقامة بناءً عليه.

وشملت الاتهامات كذلك استعمال المحررات المزورة باعتبارها صحيحة، وتقديم بيانات كاذبة إلى الموظف المختص، والدخول إلى الدولة بصورة غير مشروعة باستخدام محررات لا تجيز له الدخول.

وطلبت النيابة العامة معاقبته وفق أحكام قانون الجرائم والعقوبات وقانون دخول وإقامة الأجانب.

ثانياً: ماذا قضت محكمة الاستئناف؟

بتاريخ 19 نوفمبر 2025، أصدرت محكمة استئناف أبوظبي الاتحادية، دائرة أمن الدولة، حكمها حضورياً بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة ستة أشهر عما أسند إليه، وإبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة، وإلزامه بالمصاريف القضائية.

ولم ترتضِ النيابة العامة هذا الحكم، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً عليه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه.

وتمحور اعتراض النيابة العامة حول أن الجريمة الأشد، المتعلقة بتزوير جواز السفر وتصريح الإقامة بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب، تستوجب عقوبة أشد، وأن المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021 بشأن دخول وإقامة الأجانب تمنع تطبيق الأحكام المتعلقة باستبدال العقوبة.

ومن ثم، ثار التساؤل حول ما إذا كان هذا الحظر يمتد إلى سلطة المحكمة في استعمال الرأفة والنزول بالعقوبة.

ثالثاً: المسألة القانونية التي حسمتها المحكمة

تتمثل المسألة القانونية في تحديد نطاق الحظر الوارد في المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021 بشأن دخول وإقامة الأجانب، ومدى امتداده إلى الظروف المخففة والرأفة المنصوص عليهما في قانون الجرائم والعقوبات.

وهل يُعد استعمال الرأفة نوعاً من استبدال العقوبة المحظور في هذه الجرائم، أم أنه سلطة قضائية مستقلة يجوز للمحكمة ممارستها متى توافرت مبرراتها القانونية؟

رابعاً: ماذا قررت المحكمة الاتحادية العليا؟

رفضت المحكمة الاتحادية العليا طعن النيابة العامة، وقررت أن الحظر الوارد في المادة (32) من قانون دخول وإقامة الأجانب لا يمتد إلى استعمال الظروف المخففة والرأفة المنصوص عليها في المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات.

واستندت المحكمة في ذلك إلى التمييز بين مفهومين مختلفين في طبيعتهما القانونية:

1. استبدال العقوبة

يقصد به تغيير نوع العقوبة المحكوم بها واستبدال عقوبة أخرى أخف بها، متى أجاز القانون ذلك، كاستبدال الحبس بالغرامة أو تطبيق تدبير بديل في الحالات التي يسمح بها القانون.

وهذا هو النوع الذي يشمله الحظر الوارد في المادة (32) من قانون دخول وإقامة الأجانب، إلى جانب وقف التنفيذ والعفو القضائي وفقاً للنص.

2. الظروف المخففة والرأفة

يقصد بالظروف المخففة الأسباب والملابسات التي تبرر تخفيف العقوبة مع بقاء الوصف القانوني للجريمة ونوع العقوبة دون تغيير.

أما الرأفة، فهي سلطة تقديرية منحها المشرع للمحكمة بموجب المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، بما يتيح لها النزول بالعقوبة عن الحد الأدنى المقرر قانوناً عند توافر الظروف المخففة أو الاعتبارات التي تبرر ذلك، في الحدود التي يسمح بها القانون.

وبناءً عليه، فإن استعمال الرأفة لا يُعد استبدالاً للعقوبة، لأن المحكمة لا تستبدل عقوبة من نوع آخر بالعقوبة المقررة، وإنما تخفف مقدارها في نطاق السلطة التي منحها إياها المشرع.

خامساً: لماذا اعتبرت المحكمة أن الرأفة جائزة رغم الحظر؟

استندت المحكمة إلى دلالة النصوص القانونية، وأوضحت أن المشرع ميّز بين استبدال العقوبة والظروف المخففة.

واستدلت على ذلك بأن المادة (25) من قانون دخول وإقامة الأجانب نصت صراحة على استثناء الجرائم الواردة فيها من سريان أحكام الظروف المخففة المنصوص عليها في قانون العقوبات.

واستخلصت المحكمة من هذا التنظيم أن المشرع، عندما أراد منع تطبيق الظروف المخففة على جرائم معينة، نص على ذلك صراحة؛ الأمر الذي يؤكد اختلاف هذا الحظر عن الحظر الوارد في المادة (32)، المتعلق بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي.

كما تناولت المحكمة التطور التشريعي في تنظيم العقوبات، مشيرةً إلى اتجاه المشرع نحو تطوير الوسائل العقابية بما يوازن بين الردع والإصلاح والتأهيل، مع مراعاة حقوق الإنسان والظروف المتجددة.

وبذلك انتهت إلى أن الحظر الوارد في المادة (32) لا يمنع المحكمة من استعمال الرأفة المقررة بالمادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، ما لم يوجد نص خاص يمنع تطبيق الظروف المخففة على الجريمة محل المحاكمة.

سادساً: كيف طبقت المحكمة هذا المبدأ على القضية؟

بعد فحص الحكم المطعون فيه، تبين للمحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الاستئناف أدانت المتهم عن الجرائم المسندة إليه، واعتبرت تزوير جواز السفر وتصريح الإقامة بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب الجريمة الأشد.

كما أعملت في حقه الظروف المخففة وعاملته بالرأفة استناداً إلى المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، وقضت بحبسه لمدة ستة أشهر، وإبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن محكمة الاستئناف طبقت القانون تطبيقاً صحيحاً، وأن ما أثارته النيابة العامة بشأن عدم جواز استعمال الرأفة لا يستند إلى أساس قانوني سليم.

ولذلك قضت برفض الطعن موضوعاً.

سابعاً: الفائدة القانونية من الحكم

تكمن أهمية هذا الحكم في أنه يضع حداً للخلط بين استبدال العقوبة واستعمال الرأفة، وهما نظامان يختلفان في طبيعتهما وآثارهما القانونية.

فليس كل تخفيف للعقوبة استبدالاً لها، كما أن النص الذي يحظر استبدال العقوبة لا يجوز تفسيره تلقائياً على أنه يحظر جميع صور التخفيف القضائي.

ويؤكد الحكم أن تفسير النصوص الجزائية يجب أن يقوم على دلالتها ونطاقها، مع مراعاة النصوص الأخرى ذات الصلة، وعدم التوسع في الحظر إلى حالات لم يشملها النص.

كما يبرز الحكم أهمية التحقق من وجود نص خاص يمنع تطبيق الظروف المخففة على الجريمة محل المحاكمة، إذ إن جواز استعمال الرأفة وفقاً للمادة (99) لا يعني أنها واجبة في كل قضية، ولا يعفي المحكمة من مراعاة الشروط والحدود التي يقررها القانون.

الخلاصة القانونية: حسمت المحكمة الاتحادية العليا أن الحظر الوارد في المادة (32) من قانون دخول وإقامة الأجانب بشأن وقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي لا يمنع، بذاته، استعمال الرأفة والظروف المخففة وفق المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، ما لم يرد نص خاص يستثني الجريمة من تطبيقها.

بيانات الحكم

المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا.

رقم الطعن: 251 لسنة 2025 جزائي.

تاريخ الجلسة: 18 فبراير 2026.

موضوع الطعن: جواز استعمال الظروف المخففة والرأفة في جرائم قانون دخول وإقامة الأجانب.

النتيجة: رفض الطعن موضوعاً وتأييد سلامة تطبيق الرأفة في الحكم المطعون فيه.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي Docx

Word – 52.9 KB 9 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.