يحوز مواد مخدرة ومؤثرات عقلية بقصد الترويج.. متى ترفض المحكمة العليا الطعن على حكم الإدانة؟
السؤال الإشكالي:
هل يشترط لقيام جريمة حيازة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية بقصد الترويج أن تكون الحيازة مادية ومباشرة، أم يكفي ثبوت اتصال المتهم بالمادة المخدرة وبسط سلطانه عليها عن علم وإرادة؟ وهل يجوز إعادة مناقشة تقدير الأدلة أمام المحكمة الاتحادية العليا بعد أن اقتنعت بها محكمة الموضوع؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية ومبادئ المحكمة الاتحادية العليا
أولاً: وقائع القضية
تتلخص وقائع الدعوى في أن النيابة العامة أحالت المتهم إلى المحاكمة الجزائية، وأسندت إليه أنه بتاريخ 28 سبتمبر 2023 حاز، بالاشتراك مع آخرين مجهولين، مواد مخدرة من القنبيات المصنعة ومؤثراً عقلياً هو الميثامفيتامين، بقصد الاتجار، في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
كما أسندت إليه تعاطي مؤثرات عقلية، شملت الميثامفيتامين والأمفيتامين ورباعي هيدرو كانابينول، في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وكان الاتهام قد تضمن في بدايته أن المتهم يعمل ضمن عصابة منظمة ولمصلحتها.
وطلبت النيابة العامة معاقبته وفق أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 في شأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وتعديلاته.
ثانياً: ماذا قضت محكمة أول درجة ومحكمة الاستئناف؟
بتاريخ 29 أغسطس 2024، قضت محكمة أول درجة بمعاقبة المتهم بالسجن المؤبد عن التهمتين الأولى والثانية بعد تعديلهما واعتبارهما مرتبطتين، وبالحبس ثلاثة أشهر عن تهمة التعاطي، مع إبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والهاتف المضبوط، وإلزامه بالرسوم الجزائية المقررة.
استأنف المتهم الحكم، إلا أن محكمة الاستئناف الاتحادية قضت بتاريخ 28 أكتوبر 2024 بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المستأنف.
ولم يرتضِ المتهم هذا القضاء، فطعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكاً بعدة أوجه للطعن، من بينها القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع.
ثالثاً: ما أوجه الطعن التي تمسك بها المتهم؟
أثار الطاعن عدة اعتراضات على الحكم المطعون فيه، كان أبرزها:
أولاً: الادعاء بوجود خطأ في رقم الاستئناف. تمسك الطاعن بأن الحكم تضمن خطأ في رقم الاستئناف، بما يعيبه بالبطـلان.
ثانياً: عدم إثبات الانتماء إلى عصابة منظمة. نعى على الحكم عدم بيان الأدلة التي تثبت انتماءه إلى عصابة منظمة وعمله لمصلحتها.
ثالثاً: الاعتراض على الاختصاص وتطبيق القانون من حيث الزمان. تمسك بأن المادة (88) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (30) لسنة 2021 أُضيفت بعد تاريخ ارتكاب الواقعة، واعترض على الاستناد إليها.
رابعاً: الدفع ببطلان إذن التفتيش. تمسك بعدم جدية التحريات التي بُني عليها الإذن، وما ترتب على ذلك من إجراءات.
خامساً: المنازعة في قصد الترويج. نعى على الحكم عدم استظهار هذا القصد على نحو كافٍ.
سادساً: الاعتراض على أدلة الإدانة. دفع بأن الحكم اعتمد على أدلة مبتورة وقرائن وصفها بأنها افتراضية، بما يشوب الاستدلال بالفساد.
وكان على المحكمة الاتحادية العليا أن تفصل في مدى تأثير هذه الاعتراضات في سلامة الحكم المطعون فيه.
رابعاً: كيف ردت المحكمة الاتحادية العليا على أوجه الطعن؟
رفضت المحكمة الاتحادية العليا أوجه الطعن جميعها، وأقامت قضاءها على عدة مبادئ قانونية مهمة.
1. العبرة بحقيقة الحكم لا بمجرد الادعاء بوجود خطأ شكلي
قررت المحكمة أن منطوق الحكم المطعون فيه تضمن الرقم الصحيح المطابق لرقم الاستئناف المقام من الطاعن وفقاً لمفردات الدعوى في النظام الجزائي.
وبالتالي، فإن النعي بوقوع خطأ في رقم الاستئناف لم يكن له أساس من واقع الأوراق.
ويؤكد ذلك أن مجرد الادعاء بوجود خطأ شكلي لا يكفي لإبطال الحكم، ما دام الثابت من ملف الدعوى أن البيانات الواردة في منطوقه صحيحة.
2. لا يلزم الحكم بإثبات وصف استبعدته محكمة الموضوع
أوضحت المحكمة أن الحكم الابتدائي، الذي أيده الحكم المطعون فيه لأسبابه، استبعد وصف انتماء الطاعن إلى عصابة منظمة وعمله لمصلحتها، وعدّل التهمتين إلى حيازة مخدر ومؤثر عقلي بقصد الترويج.
وبناءً عليه، لم يعد الحكم بحاجة إلى إقامة الدليل على الوصف الذي استُبعد من التهمتين.
وهذا يبرز أهمية التمييز بين الوصف الوارد في قرار الإحالة والوصف الذي تنتهي إليه المحكمة بعد تمحيص الواقعة والأدلة.
3. القوانين الإجرائية تسري بأثر فوري
أكدت المحكمة أن القوانين الإجرائية تسري بأثر فوري على الدعاوى التي لم يُفصل فيها، وعلى الإجراءات التي لم تتم قبل تاريخ العمل بها، وفقاً للقواعد التي تحكم سريانها من حيث الزمان.
وبتطبيق ذلك على الدعوى، انتهت المحكمة إلى اختصاص المحكمة مصدرة الحكم بنظر الجرائم المسندة إلى الطاعن، سواء قبل تعديل المادة (88) من قانون مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية أو بعده.
ومن ثم، لم ترَ المحكمة أن ما أثاره الطاعن بشأن تاريخ ارتكاب الجريمة وتعديل المادة المذكورة ينال من الاختصاص بنظر الدعوى.
4. تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار إذن التفتيش من مسائل الموضوع
قررت المحكمة أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار إذن التفتيش من المسائل الموضوعية التي تخضع لتقدير سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع.
فإذا اقتنعت المحكمة بجدية الاستدلالات التي بُني عليها الإذن وكفايتها لتسويغ إصداره، وأوردت أسباباً سائغة وكافية للرد على الدفع ببطلانه، فلا يكون مجرد إعادة المجادلة في تقديرها سبباً كافياً لنقض الحكم.
وفي القضية محل الطعن، رأت المحكمة أن محكمة أول درجة سوّغت الأمر بالتفتيش، وردت على الدفع ببطلانه لعدم جدية التحريات رداً سائغاً وكافياً، ولذلك رفضت النعي في هذا الشأن.
5. الحيازة لا تشترط دائماً السيطرة المادية المباشرة
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن مناط المسؤولية عن حيازة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية هو ثبوت اتصال الجاني بالمادة المخدرة أو المؤثر العقلي، بصورة مباشرة أو بالواسطة، وبسط سلطانه عليه عن علم وإرادة.
وقد تتحقق الحيازة من خلال السيطرة المادية على المادة، أو وضع اليد عليها على سبيل الملك والاختصاص، ولو لم تتحقق الحيازة المادية المباشرة.
كما أكدت المحكمة أن استخلاص قصد الاتجار أو الترويج من المسائل الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بتقديرها، متى كان استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أدلة مقبولة.
وفي الدعوى، رأت المحكمة أن الحكم بيّن الأدلة التي استند إليها في إثبات اتصال الطاعن بالمواد المضبوطة وبسط سلطانه عليها عن علم وإرادة، كما بيّن ما استخلصه من أدلة بشأن قصد الترويج.
ولذلك اعتبرت أن اعتراض الطاعن على هذا التقدير لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الأدلة.
6. للقاضي الجنائي حرية تكوين عقيدته من الأدلة والقرائن
أكدت المحكمة أن المشرع منح القاضي الجنائي سلطة واسعة في تقصي حقيقة الجرائم، وله أن يختار من طرق الإثبات ما يراه مؤدياً إلى الحقيقة، وأن يزن قوة كل دليل وقرينة وفقاً لظروف الدعوى وملابساتها.
ولا يكون القاضي ملزماً بالاستناد إلى قرائن محددة سلفاً، بل له أن يأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا يرتاح إليه، بشرط أن يكون استخلاصه سائغاً ومستنداً إلى ما له أصل في الأوراق.
وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن ما أثاره الطاعن بشأن الأدلة التي استند إليها الحكم لا يتجاوز المنازعة في وزن الأدلة وتقديرها، وهي من المسائل التي لا يجوز إعادة طرحها أمام المحكمة العليا لمجرد اختلاف الطاعن مع النتيجة التي انتهت إليها محكمة الموضوع.
خامساً: ما الحكم النهائي؟
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن الحكم المطعون فيه بيّن واقعة الدعوى، وأورد الأدلة التي استند إليها في الإدانة، ورد على دفوع الطاعن، وأقام قضاءه على أسباب سائغة تكفي لحمله.
كما لم تجد المحكمة أساساً لما أثير بشأن الخطأ في رقم الاستئناف، أو عدم إثبات وصف العصابة المنظمة بعد استبعاده، أو الاختصاص، أو بطلان إذن التفتيش، أو عدم توافر قصد الترويج.
وعليه، قضت المحكمة الاتحادية العليا برفض الطعن موضوعاً.
سادساً: الفائدة القانونية من الحكم
تتمثل الفائدة القانونية الأساسية في أن جريمة حيازة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية لا تتوقف بالضرورة على ضبط المادة في حيازة مادية مباشرة للمتهم، بل يكفي لقيام المسؤولية ثبوت اتصاله بها وبسط سلطانه عليها عن علم وإرادة، وفقاً لما تستخلصه المحكمة من الأدلة المطروحة.
كما يؤكد الحكم أن تحديد قصد الترويج أو الاتجار من المسائل الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بتقديرها، متى بنت استخلاصها على أسباب سائغة.
ومن الناحية الإجرائية، يوضح الحكم أن الدفع ببطلان إذن التفتيش لعدم جدية التحريات يخضع لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وأسباب الإذن، وأن الرد السائغ على هذا الدفع يحول دون قبول مجرد المجادلة في التقدير الموضوعي أمام المحكمة العليا.
ويبرز الحكم كذلك أهمية التمييز بين الوصف الوارد في الاتهام والوصف الذي تنتهي إليه المحكمة، إذ لا يلزمها إثبات وصف استبعدته من التهمة وأقامت الإدانة على وصف آخر.
الخلاصة القانونية: لا يكفي مجرد إنكار المتهم للأدلة أو وصفها بأنها افتراضية لنقض حكم الإدانة، متى كان الحكم قد استخلص ثبوت الجريمة من أدلة سائغة، وبيّن عناصرها القانونية، ورد على الدفوع الجوهرية. وتظل رقابة المحكمة العليا منصبة على سلامة تطبيق القانون والتسبيب، لا على إعادة وزن الأدلة لمجرد اختلاف المتهم مع تقدير محكمة الموضوع.
بيانات الحكم
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا.
رقم الطعن: 2092 لسنة 2024 جزائي.
تاريخ الجلسة: 26 أغسطس 2025.
موضوع الطعن: حيازة مواد مخدرة ومؤثرات عقلية بقصد الترويج، والتعاطي، وسلامة الاستدلال، وتقدير الأدلة الجنائية.
النتيجة: رفض الطعن موضوعاً.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments