يُعزل أب عن الحضانة المشتركة بسبب إقامته خارج الدولة.. والمحكمة الاتحادية العليا تحسم النزاع بمصلحة الطفلة
السؤال الإشكالي:
هل يكفي تمسك الأب بحقه في الحضانة المشتركة وتواصله مع ابنته عن بُعد لمنع عزله منها؟ أم يجوز للمحكمة إنهاء الحضانة المشتركة وإسناد الحضانة القانونية والفعلية للأم منفردة إذا تبين أن ظروف الأب لا تحقق مصلحة الطفلة الفضلى؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية ومبادئ القضاء في مسائل الأحوال الشخصية
أولاً: وقائع الدعوى
تعود وقائع القضية إلى نزاع بين أبوين انفصلا بعد زواجهما المدني، ورُزقا بطفلة مولودة بتاريخ 16 ديسمبر 2022.
وكان قد صدر حكم سابق في الدعوى رقم 84 لسنة 2024 أسرة مدنية بتفعيل الحضانة المشتركة للوالدين.
لاحقاً، أقامت الأم الدعوى رقم 175 لسنة 2025 أحوال نفس أمام محكمة أبوظبي للأسرة المدنية، طالبة عزل الأب من الحضانة المشتركة لابنتهما وإسناد الحضانة إليها منفردة.
واستندت الأم إلى أن الأب سافر وأقام خارج الدولة، وأنها هي التي تتولى رعاية الطفلة والإنفاق عليها، بينما لم يكن الأب، بحسب ما تمسكت به في الدعوى، يوفر النفقة أو الظروف المعيشية المناسبة لابنته.
وبتاريخ 10 يونيو 2025، قضت المحكمة بأحقية الأم في الحضانة القانونية والفعلية منفردة، وبعزل الأب من الحضانة المشتركة.
لم يقبل الأب الحكم، فاستأنفه بالاستئناف رقم 57 لسنة 2025 أسرة مدنية، إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتاريخ 28 يوليو 2025 بتأييد الحكم المستأنف.
ثم طعن الأب على الحكم أمام محكمة النقض، متمسكاً بالخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع ومخالفة الثابت بالأوراق.
ثانياً: ما دفاع الأب أمام محكمة النقض؟
تمسك الأب بأن وجوده خارج الدولة لا يضر بابنته، وأنه منتظم في التواصل معها ويتابع شؤونها عن بُعد.
كما أوضح أنه يسعى إلى العودة للدولة والحصول على عمل أفضل، بما يمكنه من توفير حياة أفضل لابنته.
ونعى على الحكم أنه لم يراعِ هذا الدفاع، وأنه انتهى إلى إسناد الحضانة القانونية والفعلية للأم منفردة وعزله من الحضانة المشتركة، دون مراعاة المصلحة الفضلى للطفلة، على حد قوله.
وطلب بناءً على ذلك نقض الحكم المطعون فيه.
ثالثاً: ما القاعدة القانونية التي تحكم الحضانة المشتركة في أبوظبي؟
استندت المحكمة إلى المواد 25 و26 و27 و32 و33 و34 و36 من لائحة إجراءات الزواج والطلاق المدني في إمارة أبوظبي، المعتمدة بقرار رئيس دائرة القضاء رقم (8) لسنة 2022.
وبحسب ما أورده الحكم، فإن الأصل هو تساوي الأم والأب في الحق في الحضانة المشتركة حتى بلوغ الطفل سن السادسة عشرة، مع تحملهما المسؤولية المشتركة عن تربيته ونموه، وجعل مصلحة الطفل الفضلى محور اهتمامهما.
كما تقضي المحكمة تلقائياً في حكم الطلاق بإثبات الحضانة المشتركة للوالدين، ويجوز لأي منهما الاعتراض على تنظيمها إذا توافرت المبررات القانونية.
ولا يُعد هذا الحق مطلقاً؛ إذ يجوز طلب عزل أحد الأبوين من الحضانة القانونية أو الفعلية أو كلتيهما، مؤقتاً أو بصورة مستمرة، متى توافرت الحالات التي تجيز ذلك وفقاً للائحة.
ومن الحالات التي أوردها الحكم: تعرض الطفل للعنف الأسري أو سوء المعاملة، وعدم ملاءمة الظروف المعيشية أو الرعاية الصحية التي يوفرها الحاضن، ووجود مشكلات سلوكية أو نفسية أو عقلية لدى أحد الأبوين من شأنها الإضرار بالطفل، أو تعاطي المخدرات أو إدمان الكحول إذا عرّض الطفل للخطر أو الإهمال.
كما أشار الحكم إلى حالة عدم تفرغ الحاضن لرعاية الطفل وانشغاله عنه لأسباب صحية تعيقه أو بسبب زواجه مرة أخرى، وفقاً لما تنظمه اللائحة.
وتملك المحكمة سلطة تقدير ما يلائم حالة الطفل، مع تغليب مصلحته الفضلى ومراعاة استقرار حياته الدراسية والرياضية وعدم تغيير نمط حياته بسبب الطلاق قدر الإمكان.
رابعاً: لماذا أيدت المحكمة عزل الأب من الحضانة المشتركة؟
رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق، وأن ما أثاره الأب لا يبرر نقضه.
واستند الحكم إلى أن الأب يقيم بعيداً عن ابنته، ولم يثبت قيامه بأداء النفقة لها أو توفير بيئة وظروف معيشية مناسبة لها، فضلاً عن انشغاله عنها بعمله وسفره وإقامته خارج الدولة للعلاج.
وبناءً على هذه الظروف، اعتبرت محكمة الموضوع أن طلب الأم عزله من الحضانة المشتركة يستند إلى الواقع والأدلة والقانون.
ولم ترَ محكمة النقض أن دفاع الأب بشأن التواصل عن بُعد والسعي إلى العودة للدولة ينال من سلامة النتيجة التي انتهى إليها الحكم، ما دام قد أقام قضاءه على أسباب كافية وسائغة مستمدة من الأوراق.
وأكدت المحكمة أن تقدير الأدلة والوقائع واستخلاص مدى ملاءمة ظروف الحضانة من المسائل التي تستقل بها محكمة الموضوع، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الدعوى.
خامساً: لماذا رفضت المحكمة الطعن؟
رفضت المحكمة نعي الأب، وقررت أن الحكم المطعون فيه تضمن رداً كافياً على دفاعه، وأن الأسباب التي أقام عليها قضاءه تكفي لحمله.
واعتبرت أن ما أثاره الطاعن لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في تقدير الأدلة، وهو ما لا يجوز إعادة طرحه أمام محكمة النقض لمجرد اختلافه مع تقدير محكمة الموضوع.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة برفض الطعن.
سادساً: الفائدة القانونية من الحكم
يؤكد الحكم أن الحضانة المشتركة في نظام الزواج المدني بإمارة أبوظبي هي الأصل وفقاً للائحة المشار إليها، لكنها ليست حقاً مطلقاً منفصلاً عن مسؤوليات الرعاية الفعلية والإنفاق والاهتمام بمصلحة الطفل.
كما يوضح أن إقامة أحد الأبوين خارج الدولة لا تؤدي وحدها، بصورة آلية، إلى إسقاط الحضانة المشتركة؛ بل يتعين النظر إلى ظروف الدعوى وما يثبت من مدى قيامه بمسؤولياته تجاه الطفل، ومدى ملاءمة استمرار الحضانة المشتركة لمصلحته.
وفي هذه القضية، لم تستند النتيجة إلى مجرد السفر، بل إلى مجموعة من الظروف التي أوردها الحكم، شملت الإقامة بعيداً عن الطفلة، وعدم ثبوت الإنفاق عليها أو توفير بيئة معيشية مناسبة لها، والانشغال عنها بالعمل والسفر والعلاج.
ومن الناحية العملية، يبرز الحكم أهمية تقديم أدلة واضحة على أداء النفقة، والمشاركة الفعلية في الرعاية، وتوفير الظروف المعيشية الملائمة، إلى جانب بيان كيفية المحافظة على استقرار الطفل واحتياجاته اليومية.
ويؤكد الحكم كذلك أن محكمة النقض لا تعيد وزن الأدلة لمجرد أن أحد الخصوم لا يوافق على النتيجة، ما دام الحكم قد استند إلى أسباب سائغة ولها أصل في الأوراق.
الخلاصة القانونية: الحضانة المشتركة لا تُنهى لمجرد إقامة أحد الأبوين خارج الدولة، وإنما يجوز عزل أحدهما إذا توافرت المبررات القانونية وثبت أن استمرار الحضانة المشتركة لا يحقق مصلحة الطفل الفضلى. وتظل العبرة بظروف كل دعوى والأدلة المقدمة فيها، وبمدى قدرة كل من الأبوين على أداء مسؤوليات الرعاية والإنفاق وتوفير الاستقرار للطفل.
بيانات الحكم
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا.
رقم الطعن: 28 لسنة 2025 أحوال شخصية.
تاريخ الجلسة: 24 نوفمبر 2025.
موضوع الطعن: الحضانة المشتركة في الزواج المدني بإمارة أبوظبي، وعزل أحد الأبوين من الحضانة، ومصلحة الطفل الفضلى، وحدود رقابة محكمة النقض على تقدير الأدلة.
النتيجة: رفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments