يطالبان باسترداد 485 ألف درهم بعد تعثر اتفاقية استثمار.. فهل يلتزم المدير برد الأموال رغم خسائر الشركة؟
السؤال الإشكالي:
هل يحق لمن دفع أموالاً بموجب اتفاقية تفاهم لاستثمارها أن يطالب باستردادها بمجرد الطلب، حتى لو دفع المدير بأن الشركة تكبدت خسائر بسبب سوء الإدارة؟ وهل تكفي الوكالة الممنوحة لأحد المستثمرين لإدارة الشركة لإعفاء مديرها من المسؤولية عن رد الأموال؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية ومبادئ القضاء التجاري
أولاً: وقائع الدعوى
تتلخص وقائع الدعوى في أن مدعيين أبرما اتفاقية تفاهم مع المدعى عليه الأول بتاريخ 1 مايو 2024، تضمنت استثمار مبالغ مالية، بحيث يدفع المدعي الأول مبلغ 420,000 درهم، ويدفع المدعي الثاني مبلغ 65,000 درهم، ليبلغ إجمالي المبالغ محل الاتفاقية 485,000 درهم.
وبحسب ما ورد في الحكم، نص البندان الثالث والرابع من الاتفاقية على المبالغ التي يقدمها كل مدعٍ، بينما نص البند الخامس على موافقة المدعى عليه الأول على رد تلك المبالغ عند الطلب.
وعندما طالب المدعيان باسترداد أموالهما، امتنع المدعى عليهما عن ردها، الأمر الذي دفعهما إلى إقامة الدعوى أمام محكمة أبوظبي التجارية الابتدائية، مطالبين بفسخ اتفاقية التفاهم وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وإلزام المدعى عليهما بالتضامن والتضامم برد المبالغ، مع فائدة قانونية بنسبة 12% من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام، وتعويض قدره 25,000 درهم عن الكسب الفائت، فضلاً عن الرسوم والمصاريف.
في المقابل، دفع المدعى عليه الأول، بصفته الشخصية وبصفته مدير الشركة المدعى عليها الثانية، بأن المدعي الأول كان يتولى إدارة الشركة فعلياً بموجب وكالة صادرة منه، وأن سوء إدارته تسبب في تكبد الشركة خسائر، وطلب رفض الدعوى لعدم الصحة والثبوت.
ثانياً: ما المسألة القانونية التي بحثتها المحكمة؟
تمحور النزاع حول الطبيعة القانونية لاتفاقية التفاهم، ومدى التزام المدعى عليه الأول برد المبالغ التي تسلمها من المدعيين عند الطلب، ومدى تأثير دفاعه بأن المدعي الأول كان يتولى إدارة الشركة وأنها تكبدت خسائر.
كما تناولت المحكمة الأساس القانوني لمسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة، وحدود أثر الوكالة الممنوحة لأحد الأشخاص في إدارة الشركة على مسؤولية المدير، إلى جانب شروط استحقاق الفائدة التأخيرية والتعويض التكميلي.
ثالثاً: ما الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة؟
استندت المحكمة إلى المادة (272) من قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم (5) لسنة 1985، التي تجيز في العقود الملزمة للجانبين، عند إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه، أن يطالب المتعاقد الآخر بعد إعذار المدين بتنفيذ العقد أو فسخه، مع جواز الحكم بالتعويض إذا كان له مقتضى.
كما أشارت إلى المادة (380) من القانون ذاته بشأن إجبار المدين، بعد إعذاره، على تنفيذ التزامه تنفيذاً عينياً متى كان ذلك ممكناً.
واستندت كذلك إلى المادتين (83) و(84) من قانون الشركات التجارية، بشأن صلاحيات مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة ومسؤوليته تجاه الشركة والشركاء عن أعمال الغش، والخسائر والمصاريف الناتجة عن سوء استخدام الصلاحيات أو مخالفة القانون أو عقد تأسيس الشركة أو الخطأ الجسيم.
وأكدت المحكمة أن مدير الشركة ملزم بالتصرف بأمانة وحسن نية، وألا يستغل سلطاته لتحقيق مصالحه الشخصية على حساب الشركة أو الشركاء.
رابعاً: لماذا رفضت المحكمة دفاع المدير بشأن خسائر الشركة؟
رأت المحكمة أن مطالبة المدعيين لا تقوم، بحسب الاتفاقية المقدمة، على اشتراكهما في رأس مال الشركة وتحمل نتائج أرباحها وخسائرها، وإنما على اتفاقية تفاهم تضمنت التزاماً برد المبالغ عند الطلب.
فقد ثبت للمحكمة أن البند الخامس من الاتفاقية نص على موافقة المدعى عليه الأول على رد المبالغ عند الطلب، دون تعليق هذا الرد على تحقق شرط معين.
وبالتالي، اعتبرت المحكمة أن طلب استرداد الأموال يمثل في حقيقته مطالبة بتنفيذ اتفاقية التفاهم، وأن استحقاق المبالغ لا يتوقف على تحقق أرباح في الشركة أو انتفاء خسائرها.
كما رفضت المحكمة الاحتجاج بالوكالة الممنوحة للمدعي الأول لإدارة الشركة باعتبارها سبباً لإعفاء المدعى عليه الأول من مسؤوليته، إذ ثبت أن الأخير هو مدير الشركة وفقاً لعقد التأسيس.
وأوضحت المحكمة أن مجرد تحرير وكالة لإدارة الشركة لا يكفي لإعفاء المدير من المسؤولية المقررة قانوناً، ولا يغير من الالتزام الوارد في اتفاقية التفاهم برد المبالغ عند الطلب.
وأضافت أن المدعى عليه الأول لم يقدم ما يثبت عدم تسليم المدعيين للمبالغ الواردة في الاتفاقية.
وبناءً على ذلك، انتهت المحكمة إلى إلزامه برد المبالغ المستحقة لكل من المدعيين.
خامساً: كيف حددت المحكمة الفائدة القانونية؟
طالب المدعيان بفائدة قانونية بنسبة 12% من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام.
إلا أن المحكمة أوضحت أن الفائدة التأخيرية تُعد تعويضاً عن الضرر الناشئ عن تأخر المدين في الوفاء بالدين المستحق، وأن استحقاقها ومقدارها يرتبطان بطبيعة الدين والظروف القانونية ذات الصلة.
ولما كان المبلغ المستحق معلوماً وثبت تأخر المدعى عليه الأول في سداده، بينما خلت الأوراق من اتفاق بين الطرفين على معدل الفائدة، كما خلت من وجود معدل محدد لسعر الفائدة في السوق، قضت المحكمة بفائدة تأخيرية بنسبة 2% سنوياً من تاريخ رفع الدعوى، الموافق 4 يونيو 2026، وحتى السداد التام، بما لا يجاوز أصل الدين.
وبذلك لم تستجب المحكمة لمطلب الفائدة بنسبة 12%، وإنما حددت الفائدة المستحقة وفقاً لما رأته متفقاً مع ظروف الدعوى والأدلة المقدمة.
سادساً: لماذا رفضت المحكمة التعويض البالغ 25 ألف درهم؟
طالب المدعيان بتعويض قدره 25,000 درهم عن الأضرار المادية والأدبية وما فاتهما من كسب.
إلا أن المحكمة أشارت إلى المادة (87) من قانون المعاملات التجارية، التي تجيز للدائن المطالبة بتعويض تكميلي يضاف إلى فوائد التأخير إذا أثبت أن الضرر الذي تجاوز هذه الفوائد قد تسبب فيه المدين بغش أو بخطأ جسيم.
ورأت المحكمة أن المدعيين لم يقدما ما يثبت وقوع ضرر إضافي يتجاوز الضرر المعوض عنه بالفائدة التأخيرية، ولم يثبتا توافر الأساس اللازم للحكم بالتعويض التكميلي.
ولذلك قضت برفض طلب التعويض.
وهنا يظهر فارق مهم بين استحقاق أصل الدين والفائدة التأخيرية من جهة، والتعويض الإضافي من جهة أخرى؛ إذ لا يكفي ثبوت تأخر المدين في السداد وحده للحكم بالتعويض التكميلي، بل يتعين إثبات الضرر الإضافي وشروط استحقاقه القانونية.
سابعاً: ماذا قضت المحكمة؟
قضت محكمة أبوظبي التجارية الابتدائية بانتهاء اتفاقية التفاهم المؤرخة في 1 مايو 2024، وألزمت المدعى عليه الأول بأن يؤدي للمدعي الأول مبلغ 420,000 درهم، وللمدعي الثاني مبلغ 65,000 درهم.
كما قضت بفائدة قانونية بنسبة 2% سنوياً على كل مبلغ من تاريخ رفع الدعوى في 4 يونيو 2026 وحتى السداد التام، بما لا يجاوز أصل الدين.
وألزمت المدعى عليه الأول بالمناسب من المصاريف القضائية ومبلغ 200 درهم مقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، بما في ذلك طلب التعويض الإضافي.
ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم ألزم المدعى عليه الأول شخصياً بأداء المبالغ، ولم يقضِ في منطوقه بإلزام الشركة المدعى عليها الثانية بالتضامن معه.
ثامناً: الفائدة القانونية من الحكم
يبرز الحكم أهمية تحديد الطبيعة القانونية للاتفاقية قبل تكييف الأموال المقدمة بموجبها. فليس كل مبلغ يقدم بقصد الاستثمار يُعد بالضرورة حصة في رأس مال الشركة أو مبلغاً يتحمل مقدمه مخاطر الأرباح والخسائر؛ إذ يتعين الرجوع إلى نص الاتفاقية والتزامات أطرافها.
وفي هذه القضية، كان النص على رد المبالغ عند الطلب عنصراً أساسياً في النتيجة التي انتهت إليها المحكمة، إذ لم تجد أن الاسترداد معلق على تحقق أرباح أو على عدم تعرض الشركة للخسائر.
كما يؤكد الحكم أن منح شخص وكالة لإدارة الشركة لا يؤدي بذاته إلى إعفاء المدير المعين وفقاً لعقد التأسيس من المسؤوليات التي يرتبها القانون عليه.
ومن الناحية العملية، ينبغي عند إبرام اتفاقيات الاستثمار أو التفاهم تحديد طبيعة المبالغ المدفوعة، وما إذا كانت تمثل قرضاً أو مساهمة استثمارية أو حصة في رأس المال، وبيان شروط الاسترداد، ومواعيده، ومدى ارتباطه بالأرباح والخسائر، والضمانات المقدمة.
كذلك يوضح الحكم ضرورة التمييز بين أصل المديونية والفائدة التأخيرية والتعويض التكميلي؛ فلكل منها أساسه وشروطه، ولا يُحكم بالتعويض الإضافي لمجرد التأخر في السداد دون إثبات الضرر الزائد وشروطه القانونية.
الخلاصة القانونية: متى تضمنت اتفاقية التفاهم التزاماً برد المبالغ عند الطلب دون تعليق الاسترداد على تحقق الأرباح، جاز للمستفيد المطالبة بتنفيذ هذا الالتزام وفقاً لشروط العقد والقانون. ولا تكفي الوكالة الممنوحة لإدارة الشركة، بذاتها، لإعفاء المدير من مسؤولياته القانونية، كما أن المطالبة بالتعويض التكميلي تستلزم إثبات شروطه، ولا سيما الضرر الذي يتجاوز ما تغطيه الفائدة التأخيرية.
بيانات الحكم
المحكمة: محكمة أبوظبي التجارية الابتدائية.
رقم الحكم: 1739 لسنة 2026 تجاري (دعوى تجارية بسيطة).
تاريخ الحكم: 7 يوليو 2026.
تاريخ قيد الدعوى: 4 يونيو 2026.
موضوع النزاع: استرداد مبالغ بموجب اتفاقية تفاهم، والتزام المدير برد الأموال، والفائدة التأخيرية والتعويض التكميلي.
النتيجة: انتهاء اتفاقية التفاهم، وإلزام المدعى عليه الأول برد مبلغ إجمالي قدره 485,000 درهم، مع فائدة سنوية بنسبة 2% من تاريخ رفع الدعوى وحتى السداد بما لا يجاوز أصل الدين، ورفض طلب التعويض الإضافي.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments