يرفض إعادة بحث تزوير عقد بعد البراءة الجزائية.. والمحكمة الاتحادية العليا تلغي الحكم ببطلان البيع وترفض الدعوى | الطعن رقم 217 لسنة 2026 تجاري

Published on October 20, 2026 at 10:24 PM

هل يجوز للمحكمة المدنية الحكم بتزوير عقد بعد صدور حكم جزائي نهائي بالبراءة؟ المحكمة الاتحادية العليا تجيب

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال القانوني

هل يجوز للمحكمة المدنية أن تقضي ببطلان عقد بيع وتبطل التصرفات المترتبة عليه تأسيساً على تزوير المستند، رغم صدور حكم جزائي نهائي ببراءة المتهمين من تهمة تزوير المستند ذاته واستعماله؟

أم أن حجية الحكم الجزائي تفرض على المحكمة المدنية الالتزام بما فصل فيه، وتحول دون إعادة بحث واقعة التزوير على نحو يؤدي إلى تعارض الأحكام القضائية؟

وقائع الدعوى

تدور وقائع الطعن حول نزاع نشأ عن عقد بيع حصة شائعة في عقار مؤرخ في 24 ديسمبر 2014، أُبرم في إطار ترتيب تمويلي بين أحد العملاء ومصرف.

ووفقاً لما أورده الحكم، كان الاتفاق يقضي بشراء المصرف حصة شائعة تمثل 75% من العقار مقابل مبلغ قدره 1,575,000 درهم، على أن يعاد تأجير الحصة إلى العميل بإجارة منتهية بالتمليك.

ذكر العميل أن شروط العقد الواردة في النسخة المتفق عليها تختلف عن الشروط التي ظهرت في المستند المستخدم لاحقاً؛ إذ ادعى تغيير الصفحة الأولى من العقد وتبديل المبالغ المحددة لطريقة الدفع، فضلاً عن وجود توقيع منسوب إليه لم يصدر عنه.

وبناءً على ذلك، أقام دعوى مدنية طالب فيها ببطلان عقد بيع الحصة الشائعة وما يترتب على ذلك من آثار، وإبطال التصرف برهن العقار لدى دائرة الأراضي والأملاك.

كما اتخذ إجراءات جزائية بشأن واقعة التزوير واستعمال المحرر، وانتهت الدعوى الجزائية إلى براءة موظف المصرف والمصرف من الاتهامات المسندة إليهما، وأصبح الحكم الجزائي نهائياً.

ورغم ذلك، قضت محكمة أول درجة ببطلان عقد البيع وإبطال التصرف المترتب عليه، ثم أيدت محكمة الاستئناف هذا القضاء، فطعن المصرف على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا.

الإجراءات القضائية

مرت الدعوى بالمراحل الآتية:

  1. الدعوى المدنية: أقام العميل الدعوى رقم 2002 لسنة 2024 مدني، طالباً بطلان عقد بيع الحصة الشائعة وإبطال التصرف برهن العقار وما يترتب على ذلك من آثار.

  2. الحكم الابتدائي: بتاريخ 21 أغسطس 2025، قضت محكمة أول درجة ببطلان عقد البيع وإبطال التصرف برهن العقار.

  3. الاستئناف: طعن المصرف على الحكم بالاستئناف رقم 913 لسنة 2025، فقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 31 مارس 2026 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.

  4. الطعن بالنقض: تمسك المصرف بأن الحكم المطعون فيه خالف حجية الحكم الجزائي النهائي، إذ أعاد بحث واقعة تزوير المستند ذاته رغم انتهاء الدعوى الجزائية إلى البراءة.

  5. حكم المحكمة الاتحادية العليا: نظرت المحكمة الطعن بجلسة 9 يونيو 2026، وانتهت إلى نقض الحكم المطعون فيه والتصدي للموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً برفض الدعوى.

المسألة القانونية محل الفصل

تمحور النزاع أمام المحكمة الاتحادية العليا حول مدى التزام المحكمة المدنية بحجية الحكم الجزائي النهائي، عندما تكون واقعة التزوير محل البحث في الدعويين الجزائية والمدنية هي ذاتها، ويكون الفصل فيها مؤثراً في أساس المطالبة المدنية.

فالمسألة لم تكن مجرد تقدير أدلة العقد أو تفسير شروطه، وإنما مدى جواز أن تعيد المحكمة المدنية تقرير تزوير المحرر بعد أن صدر حكم جزائي نهائي بالبراءة من تهمة تزويره واستعماله، ثم تبني على ذلك الحكم ببطلان العقد والتصرفات المترتبة عليه.

ماذا قررت المحكمة الاتحادية العليا؟

قررت المحكمة أن الحكم الصادر في الدعوى الجزائية تكون له حجية أمام المحاكم المدنية متى فصل فصلاً لازماً في وقوع الفعل الذي يشكل الأساس المشترك بين الدعويين، وفي وصفه القانوني ونسبته إلى فاعله.

ومتى فصلت المحكمة الجزائية في هذه المسائل، فلا يجوز للمحكمة المدنية إعادة بحثها بما يؤدي إلى التناقض بين الحكمين.

وأوضحت المحكمة أنه إذا انتهت المحكمة الجزائية إلى البراءة في واقعة تزوير سند واستعماله بسبب وجود شك وعدم كفاية الأدلة، فإن الحكم الجزائي تكون له حجيته في حدود ما فصل فيه، ويتعين على القاضي المدني الالتزام بهذه الحجية، ولا يجوز له إعادة مناقشة تزوير المستند ذاته متى كانت المسألة قد حُسمت على نحو لازم في الدعوى الجزائية.

وبتطبيق هذه القاعدة على النزاع، رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه قد خالف حجية الحكم الجزائي النهائي؛ إذ قضى ببطلان عقد بيع الحصة الشائعة تأسيساً على ثبوت تزويره، رغم صدور حكم جزائي نهائي ببراءة المصرف وموظفه من الاتهامات المتعلقة بتزوير المستند واستعماله.

وأكدت المحكمة أن المحكمة الجزائية تفصل في حدود ما يلزم للفصل في الدعوى الجزائية المعروضة عليها، وليس من الضروري أن تفصل في مشروعية العقد من جميع جوانبه ما لم يكن ذلك لازماً للفصل في الجريمة. لكن هذا لا يجيز للمحكمة المدنية إهدار حجية ما فصل فيه الحكم الجزائي بشأن الواقعة المشتركة.

وانتهت المحكمة إلى أن إعادة بحث واقعة التزوير والقضاء ببطلان العقد على هذا الأساس يمثل خطأً في تطبيق القانون وفساداً في الاستدلال، بما يوجب نقض الحكم.

أسباب الحكم

استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى مجموعة من الاعتبارات القانونية، أبرزها:

أولاً: منع التناقض بين الأحكام القضائية

تستهدف حجية الحكم الجزائي حماية استقرار الأحكام ومنع صدور أحكام متعارضة بشأن الفعل ذاته، متى كان هذا الفعل أساساً مشتركاً بين الدعويين الجزائية والمدنية.

ثانياً: وجوب احترام حجية الحكم الجزائي النهائي

إذا فصل الحكم الجزائي فصلاً لازماً في واقعة مشتركة بين الدعويين، وجب على المحكمة المدنية التقيد بما حسمه الحكم في نطاق حجيته، وعدم إعادة طرح المسألة ذاتها للفصل فيها من جديد.

ثالثاً: عدم جواز إعادة بحث واقعة التزوير التي تناولها الحكم الجزائي بحجيته

رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه لم يكتفِ ببحث الآثار المدنية للعقد، بل أعاد تقرير تزوير المستند ذاته، رغم الحكم الجزائي النهائي المرتبط بالنزاع، وهو ما اعتبرته إهداراً لحجية ذلك الحكم.

رابعاً: صلاحية الموضوع للفصل فيه

لما رأت المحكمة أن الموضوع أصبح صالحاً للحكم فيه، تصدت للفصل في الدعوى عملاً بالمادة 186 من قانون الإجراءات المدنية، بدلاً من الاكتفاء بنقض الحكم وإعادة القضية إلى المحكمة التي أصدرته.

منطوق الحكم والنتيجة النهائية

قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه، ثم تصدت للموضوع، وانتهت إلى:

  • إلغاء الحكم المستأنف الصادر ببطلان عقد بيع الحصة الشائعة وما ترتب عليه من آثار.

  • القضاء مجدداً برفض الدعوى.

  • تحميل المحكوم عليه مصروفات الدعوى وفقاً لما ورد في الحكم.

وبذلك لم تكتفِ المحكمة بإلغاء حكم الاستئناف، وإنما فصلت في موضوع النزاع وأصدرت حكماً جديداً برفض الدعوى.

الفائدة القانونية من الحكم

تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده أن حجية الأحكام الجزائية أمام المحاكم المدنية ليست مسألة شكلية، بل قيد قانوني يجب مراعاته عند الفصل في الحقوق المدنية المرتبطة بواقعة سبق أن نظرتها المحكمة الجزائية.

فإذا كانت واقعة التزوير هي الأساس المشترك بين الدعويين، وكان الحكم الجزائي النهائي قد فصل فيها فصلاً لازماً، فلا يجوز للمحكمة المدنية أن تعيد بحثها وتصل إلى نتيجة تتعارض مع حجية الحكم الجزائي.

وفي المقابل، لا يعني الحكم أن كل براءة جزائية تمنع تلقائياً أي مطالبة مدنية، أو أن البراءة تحسم جميع مسائل صحة العقد ومشروعيته. بل يتحدد الأثر وفق المسألة التي فصل فيها الحكم الجزائي فصلاً لازماً، ومدى اتصالها بالأساس المشترك بين الدعويين، وما إذا كانت المطالبة المدنية تستند إلى مسائل أخرى لم يحسمها الحكم الجزائي.

لذلك، يتعين عند الاستناد إلى حكم جزائي في نزاع مدني تحديد نطاق حجيته بدقة، وعدم الخلط بين البراءة من الاتهام الجزائي وبين الفصل في جميع الآثار المدنية للعلاقة التعاقدية.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المحكمة المدنية لا يجوز لها إعادة بحث واقعة تزوير مستند سبق أن تناولها حكم جزائي نهائي بحجيته، متى كانت الواقعة أساساً مشتركاً بين الدعويين وفُصل فيها فصلاً لازماً.

ولما أعاد الحكم المطعون فيه تقرير تزوير العقد وقضى ببطلانه رغم الحكم الجزائي النهائي، قضت المحكمة بنقضه، ثم ألغت الحكم المستأنف وحكمت مجدداً برفض الدعوى.

المبدأ المستفاد: يجب على المحكمة المدنية احترام حجية الحكم الجزائي النهائي في المسائل المشتركة التي فصل فيها فصلاً لازماً، منعاً للتناقض بين الأحكام القضائية.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

المصدر: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 217 لسنة 2026 تجاري، جلسة 9 يونيو 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 217 لسنة 2026 تجاري Docx

Word – 52.2 KB 7 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.