يرفض إسقاط قضية الإساءة بسبب التنازل عن البلاغ.. والمحكمة الاتحادية العليا تؤكد أن جرائم الاعتداء على الخصوصية لا يشملها التنازل | الطعن رقم 269 لسنة 2019 جزائي

Published on October 20, 2026 at 10:27 PM

ينشر مقطعاً معدلاً على سناب شات بحجة المزاح.. والمحكمة ترفض الطعن وتوضح متى لا يُسقط التنازل الدعوى الجزائية

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال القانوني

هل يؤدي تنازل المجني عليها عن البلاغ إلى انقضاء الدعوى الجزائية إذا تعلقت الواقعة بالاعتداء على الخصوصية باستخدام وسائل تقنية المعلومات؟

وهل يُعد نشر مقطع فيديو بقصد المزاح أو التعليق عليه نقداً مباحاً ينفي القصد الجنائي، أم يجوز للمحكمة الاستناد إلى اعتراف المتهم والأدلة المقدمة لإثبات الجريمة؟

وقائع الدعوى

تعود وقائع القضية إلى اتهام النيابة العامة أحد الأشخاص باستخدام نظام معلوماتي، هو تطبيق «سناب شات»، في تعديل مقطع فيديو إعلاني خاص بالمجني عليها بقصد الإساءة إليها.

ووفقاً لما ورد في الحكم، أسندت النيابة العامة إلى المتهم ارتكاب الفعل قبل تاريخ 8 أغسطس 2018 في إمارة الشارقة، وطلبت معاقبته طبقاً للمادة 21/2 من المرسوم بقانون اتحادي بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وفق النص الذي استندت إليه الدعوى.

وأمام المحكمة، تمسك المتهم بأن الشاكية تنازلت عن البلاغ، وقدم ما قال إنه إقرار بالتنازل، مطالباً بانقضاء الدعوى الجزائية.

كما دفع بانتفاء أركان الجريمة المادية والمعنوية، موضحاً أنه لم يقصد الإساءة إلى المجني عليها، وأنه قام بتركيب المقطع ونشره بقصد المزاح، وذكر أن ما صدر عنه كان تعليقاً على أخطاء لغوية في الإعلان، وليس بقصد التشهير أو الإضرار بها.

غير أن هذه الدفوع لم تؤدِّ إلى تغيير النتيجة التي انتهت إليها محكمتا أول درجة والاستئناف.

الإجراءات القضائية

مرت الدعوى بالمراحل الآتية:

  1. محكمة جنح الشارقة الاتحادية: بتاريخ 16 يناير 2019، قضت بحبس المتهم سنة، مع وقف تنفيذ العقوبة مدة ثلاث سنوات من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً، وإلزامه بأداء الرسم المستحق.

  2. محكمة استئناف الشارقة الاتحادية: في الاستئناف رقم 264 لسنة 2019، قضت بتاريخ 19 فبراير 2019 بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً، وتأييد الحكم المستأنف.

  3. المحكمة الاتحادية العليا: طعن المحكوم عليه على الحكم، متمسكاً بخطأ تطبيق القانون وإغفال دفاعه بشأن التنازل عن البلاغ، وبانتفاء أركان الجريمة وعدم توافر القصد الجنائي.

  4. الحكم النهائي في الطعن: رفضت المحكمة الاتحادية العليا الطعن، معتبرة أن النعي المتعلق بالتنازل لا يقوم على أساس، وأن ما أثير بشأن تقدير الأدلة لا ينال من سلامة الحكم المطعون فيه.

أولاً: هل يؤدي تنازل المجني عليها عن البلاغ إلى انقضاء الدعوى الجزائية؟

تمسك الطاعن بأن الشاكية تنازلت عن البلاغ، ورأى أن هذا التنازل يترتب عليه انقضاء الدعوى الجزائية، إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رفضت هذا الدفع.

واستندت المحكمة إلى المادة 16 من قانون الإجراءات الجزائية، التي أجازت لمن قدم الشكوى في الجرائم المشار إليها في المادة 10 من القانون التنازل عنها قبل صدور حكم بات.

وأوضحت المحكمة أن الجرائم التي يجوز فيها التنازل محددة على سبيل الحصر في المادة المشار إليها، وأن الاعتداء على خصوصية الغير عبر وسائل تقنية المعلومات ليس من بينها، وفق النص الذي طبقته المحكمة على الواقعة.

وبناءً عليه، قررت أن الشاكية لا تملك إسقاط الدعوى الجزائية بمجرد التنازل عن البلاغ في هذه القضية، وأن الحكم المطعون فيه عندما لم يرتب على التنازل انقضاء الدعوى يكون قد التزم صحيح القانون.

الدلالة القانونية: ليس كل تنازل من المجني عليه سبباً لانقضاء الدعوى الجزائية؛ بل يتوقف أثره على طبيعة الجريمة ومدى إدراجها ضمن الجرائم التي يجيز القانون فيها التنازل.

ثانياً: هل يكفي القول إن التعديل كان بقصد المزاح لنفي الجريمة؟

دفع المتهم بأن الواقعة لا تتوافر فيها الأركان المادية والمعنوية للجريمة، وأنه لم يقصد الإساءة أو التشهير بالمجني عليها، بل قام بتركيب المقطع بقصد المزاح.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا قررت أن فهم وقائع الدعوى وتقدير الأدلة المطروحة والموازنة بينها من اختصاص محكمة الموضوع، ولها أن تستخلص الصورة التي تطمئن إليها متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت في الأوراق.

كما قررت أن المحكمة ليست ملزمة بتتبع الخصوم في جميع أقوالهم وأوجه دفاعهم والرد استقلالاً على كل قول، متى كان ما أوردته من أسباب يتضمن رداً ضمنياً كافياً على ذلك الدفاع.

وفي هذه القضية، استند الحكم إلى إقرار المتهم في محضر جمع الاستدلالات بتركيب مقطع فيديو على مقطع منتشر للشاكية ونشره في حسابه على «سناب شات» بقصد المزاح.

ورأت المحكمة أن الأدلة التي أوردها الحكم تكفي لحمل النتيجة التي انتهى إليها، وأن إنكار المتهم للتهمة أثناء المحاكمة لا يهدم بذاته ما استند إليه الحكم من أدلة سائغة.

الدلالة القانونية: وصف الفعل بأنه مزاح لا يحسم وحده مسألة المسؤولية الجزائية؛ إذ يتعين النظر إلى طبيعة الفعل والأدلة وظروف الواقعة وما تستخلصه المحكمة في حدود سلطتها القانونية.

ثالثاً: متى يجوز للمحكمة الاستناد إلى الاعتراف؟

أكدت المحكمة أن للمحكمة سلطة تقدير اعتراف المتهم في أي مرحلة من مراحل التحقيق أو الاستدلال، ولها أن تأخذ به ولو عدل عنه لاحقاً، متى اطمأنت إلى صحته، وأنه صدر عن إرادة حرة مختارة وكان مطابقاً لحقيقة الواقع في الدعوى، وذلك في الجرائم التعزيرية وفق ما قرره الحكم.

وفي القضية محل الطعن، عوّل الحكم على إقرار المتهم بتركيب الفيديو ونشره، ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا الاستخلاص سائغ وله أصله الثابت في الأوراق.

وبالتالي، لم يكن مجرد إنكار المتهم أمام المحكمة كافياً لإلزامها بطرح الاعتراف السابق جانباً، ما دامت قد اطمأنت إلى صحته وأقامت قضاءها على أدلة تكفي لحمله.

رابعاً: هل يجب على محكمة الاستئناف إعادة كتابة أسباب الحكم الابتدائي؟

تناول الحكم أيضاً مسألة إيراد أسباب الحكم الابتدائي في حكم الاستئناف.

وقررت المحكمة الاتحادية العليا أنه إذا رأت المحكمة الاستئنافية تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بُني عليها، فلا يلزمها القانون أن تعيد كتابة تلك الأسباب تفصيلاً في حكمها، ويكفي أن تحيل إليها؛ لأن الإحالة تقوم مقام إيراد الأسباب وتدل على أن المحكمة اعتبرتها أسباباً لحكمها.

وفي النزاع محل الطعن، كانت محكمة الاستئناف قد أيدت الحكم المستأنف وأحالت إلى أسبابه، فرأت المحكمة الاتحادية العليا أن ذلك لا يشكل بذاته قصوراً في التسبيب.

أسباب رفض الطعن

خلصت المحكمة إلى رفض الطعن استناداً إلى عدة اعتبارات:

  • بشأن التنازل: أن الجريمة محل الدعوى ليست من الجرائم التي أجاز القانون فيها التنازل عن الشكوى وفق النصوص التي استند إليها الحكم.

  • بشأن الأدلة: أن تقدير الأدلة واستخلاص الصورة الصحيحة للواقعة من اختصاص محكمة الموضوع، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصل في الأوراق.

  • بشأن الاعتراف: أن للمحكمة الأخذ باعتراف المتهم متى اطمأنت إلى صحته وصدوره عن إرادة حرة.

  • بشأن التسبيب: أن محكمة الاستئناف يجوز لها تأييد الحكم الابتدائي بالإحالة إلى أسبابه دون إعادة سردها كاملة، متى كانت الإحالة مستوفية لما يلزم.

وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن ما أثاره الطاعن لا يبرر نقض الحكم المطعون فيه.

منطوق الحكم

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى رفض الطعن رقم 269 لسنة 2019 جزائي.

وبذلك بقي الحكم المطعون فيه قائماً، بما تضمنه من تأييد الحكم الابتدائي القاضي بحبس المتهم سنة مع وقف تنفيذ العقوبة مدة ثلاث سنوات من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً، وإلزامه بالرسم المستحق.

الفائدة القانونية

يبرز هذا الحكم أهمية التمييز بين الجرائم التي يتوقف تحريكها أو استمرارها على الشكوى، والجرائم التي لا يترتب على تنازل المجني عليه فيها انقضاء الدعوى الجزائية.

كما يؤكد أن تقدير القصد الجنائي والأدلة لا يقوم على الوصف الذي يطلقه المتهم على فعله وحده؛ فالقول إن التصرف كان مزاحاً أو تعليقاً لا يغني عن فحص الوقائع والأدلة التي تثبت أو تنفي أركان الجريمة.

ويبين الحكم كذلك أن الاعتراف السابق قد يكون دليلاً تعتمد عليه المحكمة رغم الإنكار اللاحق، إذا اطمأنت إلى صحته وتوافر شروط الأخذ به، وأن محكمة الاستئناف لا يلزمها تكرار أسباب الحكم الابتدائي متى أحالت إليها على نحو صحيح.

الخلاصة

رفضت المحكمة الاتحادية العليا الطعن الذي تمسك فيه المتهم بتنازل الشاكية عن البلاغ وانتفاء أركان الجريمة، مؤكدة أن التنازل لا يؤدي إلى انقضاء الدعوى إلا في الجرائم التي يحددها القانون، وأن تقدير الأدلة والاعتراف من سلطة محكمة الموضوع متى كان استخلاصها سائغاً.

ويؤكد الحكم أن تحديد الأثر القانوني للتنازل يتطلب الرجوع إلى النصوص المنظمة للشكوى، كما أن وصف الفعل بأنه مزاح لا يكفي وحده لنفي المسؤولية الجزائية متى ثبتت عناصر الجريمة بالأدلة التي تطمئن إليها المحكمة.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

المصدر: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 269 لسنة 2019 جزائي، الصادر بتاريخ 16 سبتمبر 2019.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 269 لسنة 2019 جزائي Pdf

PDF – 85.8 KB 12 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.