هل يشكل استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد الرسائل العلمية مخالفة أكاديمية تستوجب الفصل من الجامعة؟
وهل يكفي عدم ثبوت الاستخدام فنياً بصورة قاطعة لنفي المسؤولية الأكاديمية؟
أثارت هذه المسألة نزاعاً قضائياً وصل إلى محكمة التمييز بدبي، بعد صدور قرار بفصل طالب ماجستير على خلفية اتهامه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعداد رسالته العلمية، إلى جانب نسخ مواد علمية دون إسنادها إلى مصادرها.
وفي هذا الحكم، تناولت المحكمة حدود رقابتها على مشروعية القرار الإداري، وسلطة محكمة الموضوع في تقدير تقارير الخبرة، ومدى كفاية الأدلة لإثبات المخالفات الأكاديمية، فضلاً عن شروط استحقاق التعويض.
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء المبادئ القانونية المستقرة والتطبيقات القضائية الحديثة.
أولاً: الوقائع
تتحصل وقائع الدعوى في أن أحد الطلاب التحق بإحدى الجامعات لدراسة الماجستير في قانون تسوية المنازعات الدولية، وقام بسداد الأقساط الدراسية المتفق عليها، واجتاز الاختبارات، حتى وصل إلى المرحلة الأخيرة من البرنامج الأكاديمي، وهي مرحلة إعداد رسالة الماجستير.
وأثناء إعداد الرسالة، وتحديداً بتاريخ 7 ديسمبر 2023، تلقى الطالب رسالة إلكترونية من مسؤول النزاهة الأكاديمية بكلية الحقوق، تفيد بوجود اتهام بأن الرسالة العلمية لم تُعد بمجهوده الشخصي.
وبتاريخ 8 فبراير 2024، أرسل مسؤول التحقيق من كلية الحقوق في برمنغهام تقريره إلى لجنة السلوك بالكلية في بريطانيا، وانتهى التقرير إلى أن الطالب استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنجاز رسالته، إلى جانب نسخ ولصق مواد علمية دون إسنادها إلى مصادرها.
وعلى إثر ذلك، صدر قرار بسحب الطالب من الجامعة وفصله، وعندما تقدم بالتظلم من القرار، انتهت الجامعة إلى تأييده.
ومن هنا نشأ النزاع القضائي، إذ تمسك الطالب بعدم مشروعية قرار الفصل، وطالب بإلغائه وإعادته لاستكمال دراسته والحصول على درجة الماجستير.
ثانياً: إجراءات التقاضي
أقام الطالب الدعوى رقم 3465 لسنة 2024 مدني كلي، طالباً الحكم بإلغاء قرار سحبه وفصله من الجامعة، ومحو جميع آثاره ونتائجه، وإعادته لاستكمال رسالة الماجستير والحصول على الشهادة، فضلاً عن إلزام الجامعة بأن تؤدي له مبلغ 100,000 درهم تعويضاً عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت به.
وبتاريخ 10 فبراير 2025، قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى.
ولم يرتضِ الطالب بهذا الحكم، فطعن عليه بالاستئناف رقم 463 لسنة 2025 مدني.
وأثناء نظر الاستئناف، قررت المحكمة ندب خبير، وبعد إيداع تقرير الخبرة، قضت بتاريخ 30 يوليو 2026 بتأييد الحكم المستأنف.
ثم طعن الطالب على الحكم أمام محكمة التمييز بدبي بالطعن رقم 1258 لسنة 2026 مدني، متمسكاً بمخالفة الحكم للقانون والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، وانتهى الطعن إلى صدور الحكم بتاريخ 29 أكتوبر 2026 برفضه.
ثالثاً: المسائل القانونية محل النزاع
أثار النزاع مجموعة من المسائل القانونية المهمة، أبرزها:
1. حدود رقابة القضاء على مشروعية القرار الإداري
هل يجوز تأييد القرار الإداري استناداً إلى وقائع أو أسباب مغايرة للأسباب التي قام عليها القرار عند صدوره؟
2. حجية الأدلة الفنية في إثبات استخدام الذكاء الاصطناعي
هل عدم الجزم فنياً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يعني انتفاء المخالفة الأكاديمية، أم يمكن إثبات مخالفات أخرى من خلال الأدلة المطروحة؟
3. سلطة محكمة الموضوع في تقدير تقرير الخبرة
ما مدى سلطة المحكمة في الأخذ بتقرير الخبير، وهل تلتزم بالرد تفصيلاً على جميع الاعتراضات الموجهة إليه؟
4. شروط استحقاق التعويض
هل يكفي صدور قرار الفصل وما ترتب عليه من أضرار مادية وأدبية للمطالبة بالتعويض، أم يتعين إثبات أركان المسؤولية المدنية؟
رابعاً: أسباب الطعن أمام محكمة التمييز
تمسك الطاعن بعدة أوجه للطعن على الحكم، من أهمها أن قرار الفصل استند إلى اتهامه باستخدام الذكاء الاصطناعي وعدم كون الرسالة ثمرة جهده العلمي، بينما تناول تقرير الخبرة مسائل أخرى تتعلق بالمراجع والاستشهادات والأحكام القضائية الواردة في الرسالة.
كما دفع بأن تقرير الخبرة لم يجزم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأن أدوات الكشف وحدها لا تصلح دليلاً يقينياً على ذلك.
واعترض كذلك على تجاوز الخبير حدود مأموريته، باعتبار أن مهمته كانت التحقق من وجود دليل فني على استخدام الذكاء الاصطناعي، وليس تقييم مضمون الرسالة أو الفصل في مدى التزام الطالب بقواعد النزاهة الأكاديمية.
وأثار الطاعن أيضاً مسألة عدم التناسب بين المخالفة والجزاء، وما يترتب على الفصل من حرمانه من استكمال البرنامج الأكاديمي.
أما بشأن التعويض، فقد تمسك بأن رفض طلب إلغاء القرار لا ينبغي أن يؤدي تلقائياً إلى رفض التعويض دون بحث عناصر المسؤولية المدنية والأضرار التي يدعي تعرضه لها.
خامساً: حيثيات محكمة التمييز
تناولت محكمة التمييز أسباب الطعن، وقررت أن رقابة القضاء على مشروعية القرار الإداري تشمل التحقق من قيام السبب الذي بُني عليه القرار، وصحة الوقائع التي استند إليها، وصحة تكييفها القانوني، ومدى كفايتها لحمل النتيجة التي انتهى إليها القرار.
وأكدت أنه لا يجوز تأييد القرار الإداري استناداً إلى وقائع مغايرة للوقائع التي قام عليها، إذا كان من شأن ذلك إنشاء سبب جديد أو إحلال سبب محل آخر بما يغير أساس القرار ومضمونه، إلا في الحدود التي يجيزها القانون.
وفيما يتعلق بتقرير الخبرة، أكدت المحكمة أن لمحكمة الموضوع سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والمستندات، والأخذ بتقرير الخبير متى اطمأنت إلى النتيجة التي انتهى إليها، وكانت قائمة على أسباب سائغة لها أصلها الصحيح في الأوراق.
وأضافت المحكمة أن عدم القطع فنياً باستخدام تقنية معينة لا يساوي بذاته ثبوت خلو الرسالة من أوجه المخالفة الأكاديمية الأخرى، متى كانت تلك المخالفات مطروحة في نطاق الدعوى وصالحة للاستدلال عليها.
وبتطبيق ذلك على النزاع، رأت المحكمة أن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على ما استخلصه من أوراق الدعوى وتقرير الخبرة بشأن المخالفات المتعلقة بالرسالة العلمية، وأن ما أثاره الطاعن لا يعدو أن يكون منازعة في تقدير الأدلة واستخلاص الواقع، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع.
أما بشأن طلب التعويض، فقد أكدت المحكمة أن استحقاق التعويض يقتضي ثبوت أركان المسؤولية المقررة قانوناً، والمتمثلة في الفعل الضار والضرر وعلاقة السببية، وأن مجرد الادعاء بوقوع أضرار مادية أو أدبية لا يكفي للحكم بالتعويض ما لم يثبت أساسها وتحققها واتصالها بالفعل المنسوب إلى المدعى عليه.
ولما انتهى الحكم إلى مشروعية القرار الإداري وانتفاء الفعل الضار الموجب للمسؤولية، رأت المحكمة أن رفض طلب التعويض قائم على أساس صحيح.
سادساً: منطوق الحكم
حكمت محكمة التمييز بدبي برفض الطعن، وألزمت الطاعن بالمصروفات، ومبلغ ألفي درهم مقابل أتعاب المحاماة، مع مصادرة مبلغ التأمين.
وبذلك ظل قرار فصل الطالب من الجامعة قائماً، كما رُفض طلبه بالتعويض البالغ 100,000 درهم.
سابعاً: المبادئ القانونية المستفادة من الحكم
يمكن استخلاص المبادئ القانونية الآتية من الحكم:
-
تخضع مشروعية القرار الإداري لرقابة القضاء من حيث قيام السبب وصحة الوقائع والتكييف القانوني ومدى كفاية السبب لحمل النتيجة.
-
لا يجوز إنشاء سبب جديد لتأييد القرار الإداري أو إحلال سبب مغاير محل السبب الذي قام عليه بما يغير أساس القرار ومضمونه، إلا في الحدود التي يجيزها القانون.
-
لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة وتقارير الخبرة والأخذ بما تطمئن إليه منها متى كانت النتيجة قائمة على أسباب سائغة.
-
عدم ثبوت استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي بصورة فنية قاطعة لا ينفي بالضرورة وجود مخالفات أكاديمية أخرى، متى كانت ثابتة من الأدلة المطروحة في الدعوى.
-
لا يكفي مجرد الادعاء بالضرر لاستحقاق التعويض، بل يجب ثبوت الفعل الضار والضرر وعلاقة السببية.
ثامناً: التعليق والتحليل القانوني
تكمن أهمية هذا الحكم في معالجته لإشكالية قانونية معاصرة فرضها التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمية والبحثية.
فقد أصبح استخدام هذه التقنيات جزءاً من واقع البحث العلمي، إلا أن الاستعانة بالأداة التقنية تختلف قانوناً وأكاديمياً عن ارتكاب مخالفة تمس النزاهة العلمية، كنسخ المواد العلمية دون الإشارة إلى مصادرها أو تقديم أعمال الغير باعتبارها جهداً شخصياً.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي وبين ثبوت الغش الأكاديمي؛ فالحكم لم يقرر حظراً عاماً على استخدام هذه التقنيات، ولم يجعل مجرد استخدامها سبباً كافياً للفصل من الجامعة.
وإنما تناول نزاعاً محدداً تضمن اتهامات متعددة، منها استخدام الذكاء الاصطناعي والنسخ دون إسناد المصادر، وانتهت المحكمة إلى رفض الطعن استناداً إلى ما اطمأنت إليه محكمة الموضوع من الأدلة وتقرير الخبرة.
ومن ناحية أخرى، يبرز الحكم أهمية التمييز بين المسائل الفنية والمسائل القانونية؛ فالخبير يقدم الرأي الفني في حدود المأمورية، بينما تظل سلطة الفصل في النزاع وتكييف الوقائع وتطبيق القانون للمحكمة.
كما يلفت الحكم النظر إلى أهمية تحديد السبب الحقيقي الذي قام عليه القرار الإداري، وعدم التوسع في تبريره بأسباب جديدة تغير أساسه، باعتبار أن مشروعية القرار لا تنفصل عن الوقائع والأسباب التي صدر استناداً إليها.
أما في جانب التعويض، فقد أعاد الحكم التأكيد على القاعدة المستقرة بأن الضرر المدعى به لا يكفي وحده لإنشاء الحق في التعويض، وإنما يجب إثبات أركان المسؤولية المدنية وعلاقة السببية.
تاسعاً: الخلاصة القانونية
يؤكد الحكم أن التطور التقني لا يلغي قواعد النزاهة الأكاديمية، وأن استخدام الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية يجب أن يظل خاضعاً للضوابط الأكاديمية المعمول بها.
كما يوضح أن النزاع المتعلق بالمخالفات الأكاديمية لا يُحسم بمجرد إثبات استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي أو نفيها، بل يتطلب فحص الوقائع والأدلة والمخالفات المنسوبة إلى الطالب، والتحقق من مدى ثبوتها وفق القواعد المنظمة للمساءلة الأكاديمية.
فالتقنية قد تساعد في إنتاج المعرفة، لكنها لا تعفي الباحث من مسؤولية الأمانة العلمية، ولا تجعل من مخرجاتها عملاً شخصياً دون تحقق وإسناد وتوثيق.
بيانات الحكم القضائي
-
المحكمة: محكمة التمييز – دبي.
-
رقم الطعن: 1258 لسنة 2026 مدني.
-
تاريخ الحكم: 29 أكتوبر 2026.
-
الحكم المطعون فيه: الاستئناف رقم 463 لسنة 2025 مدني.
-
تاريخ الحكم الاستئنافي: 30 يوليو 2026.
-
النتيجة: رفض الطعن.
المصدر: الحكم القضائي الصادر عن محكمة التمييز بدبي، الطعن رقم 1258 لسنة 2026 مدني، بجلسة 29 أكتوبر 2026.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments