المحكمة الاتحادية العليا تحسم النزاع حول استحقاق بدل السكن للموظفة: هل يكفي عمل الزوج حكومياً لوقف البدل؟

Published on October 31, 2026 at 5:56 PM

هل يجوز لجهة العمل إيقاف بدل السكن عن الموظفة لمجرد أن زوجها يعمل لدى جهة حكومية أخرى؟
وهل يكفي افتراض حصول الزوج على بدل السكن لحرمان الزوجة من استحقاق مالي سبق أن تقرر لها؟

الطعن رقم 238 لسنة 2026 إداري – جلسة 19 أغسطس 2026

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء المبادئ التي أرستها المحاكم الإماراتية.

هذه المسألة كانت محور نزاع إداري عُرض على المحكمة الاتحادية العليا، وانتهى إلى تأكيد أهمية التحقق من الاستحقاق الفعلي للبدل، وعدم بناء القرارات الإدارية على مجرد الافتراضات دون سند مستندي.

وفي حكمها الصادر في الطعن رقم 238 لسنة 2026 إداري، لم تقتصر المحكمة على بحث مدى أحقية الموظفة في بدل السكن، بل تناولت أيضاً مبادئ قضائية مهمة تتعلق بالأثر الناقل للاستئناف، وسلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة، ومدى حجية تقارير الخبرة في تكوين عقيدة المحكمة.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى في أن موظفة تعمل لدى إحدى الجهات الحكومية منذ عام 2011، ولم يكن بدل السكن مدرجاً ضمن مفردات راتبها عند التحاقها بالعمل.

وفي عام 2013 تقدمت بطلب لصرف بدل السكن، ووافقت جهة عملها على صرف مبلغ قدره 2,000 درهم شهرياً.

إلا أنها فوجئت بقرار جهة العمل إيقاف صرف البدل اعتباراً من أبريل 2019، استناداً إلى أن زوجها يعمل لدى جهة حكومية أخرى، وأنه يتقاضى بدل سكن، الأمر الذي اعتبرته جهة الإدارة مانعاً من استمرار صرف البدل لها وفقاً للقواعد المنظمة لاستحقاقه.

في المقابل، تمسكت الموظفة بأن زوجها لا يتقاضى بدل سكن من جهة عمله، وأن مفردات راتبه لا تتضمن هذا البدل، وقدمت ما يؤيد دفاعها من مستندات.

وبعد تسجيل تظلمها لدى لجنة التظلمات المختصة وعدم الاستجابة له، لجأت إلى القضاء مطالبة بإلغاء قرار وقف بدل السكن، وإلزام جهة العمل بصرف المستحقات المالية المترتبة عليه.

ثانياً: الإجراءات القضائية ومراحل التقاضي

لم ينتهِ النزاع عند صدور حكم أول درجة، وإنما مر بعدة مراحل قضائية، كان لكل منها أثر في تحديد وجه الحق في الدعوى.

فقد قضت محكمة أول درجة بإلزام الجهة الإدارية بأداء بدل السكن اعتباراً من 14 يونيو 2021.

ثم عُرض النزاع على محكمة الاستئناف، التي انتهت إلى تعديل تاريخ الاستحقاق ليبدأ من 25 أبريل 2019، مع رفض الاستئناف المقابل.

إلا أن الحكم تعرض للطعن بالنقض أمام المحكمة الاتحادية العليا، التي قضت في الطعن رقم 975 لسنة 2026 بنقض الحكم وإحالة الدعوى إلى المحكمة التي أصدرته لنظرها بهيئة مغايرة.

وقد استندت المحكمة في قضائها إلى أن الحكم السابق شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، لعدم بحث دفاع الجهة الإدارية بشأن مدى تقاضي زوج الموظفة بدل السكن، واكتفائه بأسباب لم تكن كافية لحسم هذه المسألة الجوهرية.

وبعد الإحالة، أعيد نظر النزاع، وأصدرت محكمة الإحالة حكماً بأحقية الموظفة في بدل السكن اعتباراً من 25 أبريل 2019.

ثم جرى بحث المسألة الفنية المتعلقة باستحقاق الزوج للبدل، وندبت المحكمة خبيراً متخصصاً في الموارد البشرية، انتهى تقريره إلى عدم ثبوت تقاضي الزوج بدل السكن.

وبعد الاطلاع على التقرير والمستندات، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكمها محل الدراسة بجلسة 19 أغسطس 2026، برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.

ثالثاً: الإشكالية القانونية

تتمحور الإشكالية القانونية حول مدى جواز وقف بدل السكن عن الموظفة استناداً إلى عمل زوجها لدى جهة حكومية أخرى، دون التحقق من حقيقة حصوله على هذا البدل.

وتثير هذه الإشكالية عدة تساؤلات قانونية:

هل يكفي مجرد عمل الزوج لدى جهة حكومية أخرى لاعتباره مستحقاً لبدل السكن؟

هل يتعين على جهة الإدارة إثبات تقاضي الزوج للبدل قبل اتخاذ قرار بوقف صرفه عن الزوجة؟

ما حدود سلطة محكمة الموضوع في تقدير تقارير الخبرة؟

متى يؤدي إغفال بحث دفاع جوهري إلى القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع؟

ما الأثر المترتب على رفع الاستئناف في إعادة بحث موضوع الدعوى وأدلتها؟

رابعاً: المبادئ القضائية التي أرستها المحكمة الاتحادية العليا

1. الأثر الناقل للاستئناف

قررت المحكمة أن وظيفة محكمة الاستئناف لا تقتصر على مراقبة الحكم المستأنف من حيث سلامة تطبيق القانون، وإنما يترتب على رفع الاستئناف نقل موضوع الدعوى إليها لتفصل فيه من جديد، في حدود ما رفع عنه الاستئناف.

ويشمل ذلك إعادة طرح الأدلة والدفوع وأوجه الدفاع، ومواجهة عناصر النزاع الواقعية والقانونية، وتطبيق القاعدة القانونية الصحيحة على وقائع الدعوى.

المبدأ القضائي:

رفع الاستئناف ينقل موضوع الدعوى إلى محكمة الاستئناف لتفصل فيه من جديد، في حدود ما رفع عنه الاستئناف، بما يتيح لها إعادة بحث الأدلة والدفوع وأوجه الدفاع وتدارك ما قد يكون شاب الحكم المستأنف من أخطاء.

الأهمية العملية:

يترتب على هذا المبدأ أهمية إعادة عرض الدفاع الموضوعي والقانوني أمام محكمة الاستئناف، وعدم الاكتفاء بمجرد بيان أوجه الخطأ في الحكم الابتدائي، متى كان النزاع يستلزم إعادة بحث الوقائع والأدلة.

2. سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة

أكدت المحكمة أن تحصيل فهم الواقع في الدعوى، وتقدير الأدلة والموازنة والترجيح بينها، وتفسير العقود والاتفاقات والمحررات، من المسائل التي تدخل في سلطة محكمة الموضوع.

إلا أن هذه السلطة مشروطة بأن يكون استخلاص المحكمة قائماً على أسباب سائغة، لها أصل ثابت في الأوراق، وكافية لحمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

المبدأ القضائي:

تقدير الأدلة واستخلاص الواقع في الدعوى من سلطة محكمة الموضوع، متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت بالأوراق.

الأهمية العملية:

لا يكفي مجرد اختلاف الخصم مع تقدير المحكمة للأدلة للطعن على الحكم، بل يتعين بيان موضع الخلل في الاستدلال ومدى تأثيره في النتيجة التي انتهى إليها الحكم.

3. سلطة المحكمة في تقدير تقرير الخبير

من أهم المبادئ التي تناولها الحكم أن تقرير الخبير يعد عنصراً من عناصر الإثبات، ويخضع لتقدير محكمة الموضوع.

فللمحكمة الأخذ بتقرير الخبير كله أو بعضه متى اقتنعت بكفاية الأبحاث التي أجراها وسلامة الأسس التي بني عليها.

كما قررت المحكمة أنها لا تلتزم بالرد استقلالاً على كل مطعن يوجهه الخصوم إلى التقرير، متى أخذت به محمولاً على أسبابه، وكان كافياً لتكوين عقيدتها.

ولها كذلك رفض طلب إعادة المأمورية إلى الخبير ذاته أو استبداله، متى وجدت في أوراق الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها.

المبدأ القضائي:

تقدير عمل الخبير من سلطة محكمة الموضوع، ولها الأخذ بتقريره متى اطمأنت إلى كفاية أبحاثه وسلامة الأسس التي بني عليها.

الأهمية العملية:

يتعين عند الاعتراض على تقارير الخبرة توجيه اعتراضات محددة ومنتجة، تتناول أوجه القصور الفني أو المستندي أو التناقض في النتائج، وعدم الاكتفاء بالاعتراضات العامة التي لا تؤثر في النتيجة.

4. إثبات الاستحقاق الفعلي لبدل السكن

تمسك دفاع الموظفة بأن زوجها لا يتقاضى بدل السكن، وأن مفردات راتبه لا تتضمن هذا البدل.

وبعد ندب الخبير، تبين من شهادة راتب الزوج عدم وجود بند بدل السكن، كما لم يثبت للخبرة من المستندات والقرارات والجداول التي اطلعت عليها أن الزوج يتقاضى هذا البدل.

وقد انتهى تقرير الخبير إلى أن المواطنين العاملين لدى الجهة التي يعمل بها الزوج لا يرد بدل السكن ضمن جداول رواتبهم، وفق المستندات التي جرى فحصها.

واطمأنت المحكمة إلى هذه النتيجة، وأخذت بتقرير الخبرة، وانتهت إلى صحة أحقية الموظفة في صرف بدل السكن.

المبدأ المستفاد:

لا يكفي مجرد عمل الزوج لدى جهة حكومية أخرى لإثبات تقاضيه بدل السكن، وإنما يتعين التحقق من حقيقة الاستحقاق في ضوء المستندات والأنظمة المنظمة له.

خامساً: دور تقرير الخبرة في حسم النزاع

تكشف وقائع الحكم عن أهمية الخبرة في الدعاوى الإدارية التي تتداخل فيها المسائل القانونية مع المسائل الفنية المتعلقة بالموارد البشرية والحقوق الوظيفية.

فبعد أن قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم السابق لعدم بحث دفاع جهة الإدارة بشأن تقاضي الزوج بدل السكن، جرى استكمال التحقيق الفني بواسطة خبير متخصص في الموارد البشرية.

وقد شملت مأمورية الخبير التحقق من تاريخ التحاق الزوجين بالعمل، وجهة عمل كل منهما، وتاريخ إيقاف صرف بدل السكن، وسبب الإيقاف، ومدى تقاضي الزوج هذا البدل وفقاً للقرارات والأنظمة ذات الصلة.

وأودع الخبير تقريره بتاريخ 27 يوليو 2026، وانتهى إلى عدم ثبوت تقاضي الزوج بدل السكن.

وتبرز هنا نقطة قانونية مهمة، وهي أن المحكمة لم تتعامل مع تقرير الخبرة باعتباره حكماً فاصلاً في النزاع، وإنما باعتباره عنصراً من عناصر الإثبات خضع لتقديرها، ثم أخذت به بعد الاطمئنان إلى أبحاثه والأسس التي بني عليها.

وهذا يؤكد أن سلطة الفصل في النزاع وتطبيق القانون تبقى للمحكمة، بينما تنحصر مهمة الخبير في المسائل الفنية التي تكلفه المحكمة ببحثها.

سادساً: التعليق القانوني

من خلال دراسة الحكم، يتضح أن جوهر النزاع لم يكن مجرد اجتماع الزوجين في العمل لدى جهتين حكوميتين، وإنما مدى تحقق الشرط الذي استندت إليه جهة الإدارة لوقف بدل السكن.

فإذا كانت جهة الإدارة قد بنت قرارها على أن الزوج يتقاضى بدل السكن، فإن بحث حقيقة هذا الاستحقاق يصبح مسألة جوهرية يتعين التحقق منها، ولا يكفي افتراضها استناداً إلى مجرد عمل الزوج لدى جهة حكومية.

كما يبرز الحكم أهمية التسبيب القضائي في مواجهة الدفوع الجوهرية؛ فإغفال بحث دفاع من شأنه التأثير في الفصل في الدعوى قد يؤدي إلى قصور الحكم وإخلاله بحق الدفاع، متى كان هذا الدفاع منتجاً في النزاع.

ومن جانب آخر، يوضح الحكم أن الطعن على تقرير الخبرة يتطلب معالجة موضوعية لأسس التقرير ونتائجه، وأن مجرد إبداء الاعتراض دون بيان وجه القصور المؤثر لا يلزم المحكمة بإعادة المأمورية أو استبدال الخبير.

وعليه، فإن القيمة العملية لهذا الحكم تتجاوز موضوع بدل السكن، لتشمل منهجية التعامل مع الأدلة الفنية، وضرورة استكمال التحقيق في المسائل الجوهرية، وأهمية بناء الأحكام على أسباب واضحة ومترابطة.

سابعاً: الأثر العملي للحكم في المنازعات الإدارية

يمكن الاستفادة من المبادئ الواردة في هذا الحكم عند مباشرة المنازعات المتعلقة بالحقوق الوظيفية والمستحقات المالية، وبصفة خاصة في الحالات الآتية:

منازعات وقف البدلات والمكافآت والمزايا الوظيفية.

المطالبة بالمستحقات المالية التي أوقفتها جهة العمل.

إثبات عدم توافر السبب الذي استندت إليه الإدارة في وقف الاستحقاق.

إعداد الاعتراضات على تقارير الخبرة في المنازعات الإدارية.

تأسيس أسباب الاستئناف على الأثر الناقل وإعادة طرح أوجه الدفاع.

التمسك بالقصور في التسبيب عند إغفال الحكم بحث دفاع جوهري منتج في النزاع.

ويظل تطبيق هذه المبادئ مرتبطاً بطبيعة النظام الوظيفي المنطبق على الموظف، والقرارات المنظمة للاستحقاق، والمستندات المقدمة في كل دعوى.

ثامناً: الخلاصة والمبدأ القانوني

يؤكد الحكم محل الدراسة أهمية التحقق من الاستحقاق الفعلي للبدلات الوظيفية، وعدم بناء القرارات الإدارية على افتراضات لا تجد سنداً في المستندات.

كما يرسخ سلطة محكمة الموضوع في تقدير تقارير الخبرة والأدلة المطروحة عليها، متى كان قضاؤها قائماً على أسباب سائغة لها أصل ثابت بالأوراق.

ويمكن استخلاص المبدأ الآتي من الحكم:

«لا يكفي مجرد عمل الزوج لدى جهة حكومية أخرى لإثبات تقاضيه بدل السكن، وإنما يتعين التحقق من حقيقة حصوله على هذا البدل وفقاً للمستندات والأنظمة المنظمة للاستحقاق، ويخضع تقدير ذلك لسلطة محكمة الموضوع في ضوء الأدلة المطروحة عليها».


بيانات الحكم ومصدر الدراسة

المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا – دولة الإمارات العربية المتحدة.

رقم الطعن: 238 لسنة 2026 إداري.

تاريخ الجلسة: 19 أغسطس 2026.

موضوع الحكم: الأثر الناقل للاستئناف، تقدير عمل الخبير، التسبيب القضائي، واستحقاق بدل السكن.

المنطوق: رفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.

المصدر: الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 238 لسنة 2026 إداري، جلسة 19/08/2026.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

مكتب نادية خالد للمحاماة والاستشارات القانونية – أبوظبي.

© جميع الحقوق محفوظة.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 238 لسنة 2026 اداري Docx

Word – 53.0 KB 9 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.