تركت طفلة بمفردها ليلاً على الشاطئ وأهملت حمايتها على مواقع التواصل.. ما حدود مسؤولية الحاضن جزائياً؟ | الطعن رقم 691 لسنة 2026 جزائي – المحكمة الاتحادية العليا

Published on November 3, 2026 at 12:04 PM

لا يجوز تشديد العقوبة بسبب استئناف المتهم وحده.. المحكمة الاتحادية العليا تؤكد مبدأ عدم
مضارة الطاعن بطعنه

 في هالموضوع السؤال القانوني

إذا صدر حكم جزائي بتدبير الخدمة المجتمعية، ثم استأنف المحكوم عليه وحده دون النيابة العامة، فهل يجوز لمحكمة الاستئناف إلغاء هذا التدبير والحكم عليه بعقوبة الغرامة؟

وهل تملك محكمة الاستئناف تشديد مركز المستأنف القانوني رغم أن الاستئناف لم يُرفع من النيابة العامة؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

وقائع الدعوى

تعود وقائع القضية إلى اتهام امرأة بارتكاب فعل من شأنه التأثير على أمان طفلة المجني عليها الأخلاقي، وذلك بالسماح لها بالتواجد بمفردها على شاطئ البحر في وقت متأخر من الليل، وعدم اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على سلامتها الأخلاقية عند استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً لما ورد في وصف الاتهام.

وأسندت النيابة العامة إليها أنها أهملت رعاية الطفلة عند استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى سوء استخدامها للموقع وانتشار صور لها لدى الغير.

وطلبت النيابة العامة معاقبتها طبقاً للمواد 1 و4 و15 و36 و69/2 و427/1 من القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل «وديمة».

وقد انتهت محكمة أول درجة إلى الحكم عليها بتدبير الخدمة المجتمعية لمدة شهرين، إلا أن المحكوم عليها لم ترتضِ الحكم، فتقدمت بالمعارضة ثم بالاستئناف.

وعند نظر الاستئناف، ألغت المحكمة التدبير المحكوم به ابتدائياً، وقضت مجدداً بتغريمها مبلغ 3,000 درهم.

وهنا ظهرت المسألة القانونية الجوهرية: هل يجوز أن يؤدي استئناف المتهمة وحدها إلى استبدال التدبير بعقوبة أشد؟

الإجراءات القضائية

مرت الدعوى بالمراحل الآتية:

  1. محكمة أول درجة: بتاريخ 16 فبراير 2026، صدر حكم غيابي بإلزام المتهمة بالخدمة المجتمعية لمدة شهرين عن التهمة المسندة إليها.

  2. المعارضة: تقدمت المحكوم عليها بالمعارضة رقم 36 لسنة 2026، فقضت المحكمة بتاريخ 16 مارس 2026 بقبول المعارضة شكلاً ورفضها موضوعاً.

  3. الاستئناف: استأنفت المحكوم عليها الحكم بالاستئناف رقم 345 لسنة 2026، دون أن يكون الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة.

  4. حكم الاستئناف: بتاريخ 21 أبريل 2026، قضت المحكمة بإلغاء تدبير الخدمة المجتمعية والحكم مجدداً بتغريم المحكوم عليها مبلغ 3,000 درهم.

  5. الطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا: طُعن على الحكم من النائب العام، تأسيساً على مخالفة المحكمة الاستئنافية للمادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية.

  6. حكم المحكمة الاتحادية العليا: بتاريخ 14 يوليو 2026، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة الطعن إلى المحكمة التي أصدرته لتقدير العقوبة من جديد.

أولاً: ما المقصود بمبدأ عدم مضارة الطاعن بطعنه؟

يُعد مبدأ عدم مضارة الطاعن بطعنه من الضمانات الإجرائية المهمة في الدعوى الجزائية؛ إذ لا يجوز أن يؤدي استعمال المحكوم عليه حقه في الطعن إلى وضعه في مركز قانوني أسوأ بسبب طعنه وحده.

وقد استندت المحكمة الاتحادية العليا إلى المادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية، التي تقرر:

«إذا كان الاستئناف مرفوعاً من غير النيابة العامة فليس للمحكمة إلا أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله لمصلحة رافع الاستئناف».

ومؤدى هذا النص أن نطاق سلطة محكمة الاستئناف يتحدد بحسب الطرف الذي رفع الاستئناف.

فإذا كان الاستئناف مرفوعاً من المحكوم عليه وحده، دون النيابة العامة، فلا يجوز للمحكمة أن تستغل نظر الاستئناف لتشديد العقوبة عليه أو تعديل الحكم بما يضر بمركزه القانوني.

الدلالة القانونية: حق المحكوم عليه في الاستئناف يجب ألا يتحول إلى سبب لتشديد العقوبة عليه، متى كان هو وحده من بادر إلى الطعن ولم تستأنف النيابة العامة الحكم.

ثانياً: هل يجوز استبدال الخدمة المجتمعية بالغرامة إذا كانت الغرامة أشد؟

في القضية محل الطعن، قضت محكمة أول درجة بتدبير الخدمة المجتمعية لمدة شهرين.

وعندما استأنفت المحكوم عليها الحكم وحدها، ألغت محكمة الاستئناف هذا التدبير، وقضت بتغريمها مبلغ 3,000 درهم.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رأت أن هذا التعديل أضر بالمحكوم عليها؛ لأن الغرامة التي قضى بها الحكم الاستئنافي أشد من تدبير الخدمة المجتمعية المحكوم به ابتدائياً، وفق ما انتهى إليه الحكم.

وأكدت المحكمة أن محكمة الاستئناف، في حال عدم رفع الاستئناف من النيابة العامة، لا تملك تعديل الحكم بما يضر بمصلحة المستأنف، وإنما يجب أن يكون التعديل في مصلحته.

وبالتالي، فإن استبدال التدبير بعقوبة الغرامة في هذه الحالة خالف القيد القانوني الوارد في المادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية.

الدلالة القانونية: لا يُقاس أثر الحكم الجديد بمجرد اختلاف نوع الجزاء عن الحكم الابتدائي، بل يجب النظر إلى ما إذا كان التعديل قد أضر بالمستأنف، مع مراعاة القاعدة التي قررها القانون بشأن عدم مضارته بطعنه.

ثالثاً: لماذا تدخلت المحكمة الاتحادية العليا رغم أن الحكم صدر عن محكمة الاستئناف؟

كان وجه الطعن أن المحكمة الاستئنافية تجاوزت حدود سلطتها القانونية عندما استبدلت تدبير الخدمة المجتمعية بعقوبة الغرامة، رغم أن الاستئناف كان مرفوعاً من المحكوم عليها وحدها.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا النعي سديد؛ لأن المادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية وضعت قيداً واضحاً على سلطة محكمة الاستئناف، يتمثل في عدم جواز تعديل الحكم بما يضر بمصلحة رافع الاستئناف إذا لم تكن النيابة العامة هي التي رفعت الاستئناف.

ولما كان الحكم الاستئنافي قد ألغى تدبير الخدمة المجتمعية وقضى بعقوبة الغرامة، وهي أشد وفق تقدير المحكمة، فقد وقع في مخالفة للقانون.

ومن ثم، انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم وإحالته إلى المحكمة التي أصدرته لنظر الدعوى مجدداً وتقدير العقوبة من جديد.

أسباب نقض الحكم

استندت المحكمة الاتحادية العليا في قضائها إلى الأسس الآتية:

أولاً: وجود نص قانوني صريح

المادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية تقيد سلطة المحكمة عند نظر الاستئناف المرفوع من غير النيابة العامة، وتجعل تعديل الحكم مقصوراً على ما يحقق مصلحة رافع الاستئناف.

ثانياً: الاستئناف كان مرفوعاً من المحكوم عليها وحدها

الثابت من أوراق الدعوى أن المحكوم عليها هي التي استأنفت الحكم الابتدائي، دون أن ترفع النيابة العامة استئنافاً عليه.

ثالثاً: الحكم الاستئنافي أضر بمركز المستأنفة

ألغت المحكمة تدبير الخدمة المجتمعية وقضت بدلاً منه بالغرامة، واعتبرت المحكمة الاتحادية العليا أن الغرامة أشد من التدبير في هذه الحالة.

رابعاً: مخالفة مبدأ عدم مضارة الطاعن بطعنه

انتهى الحكم إلى أن تعديل العقوبة على هذا النحو خالف القاعدة القانونية التي تمنع الإضرار بالمستأنف بسبب استئنافه وحده.

منطوق الحكم

قضت المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي:

  • نقض الحكم المطعون فيه.

  • إحالة الطعن إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لنظر الدعوى مجدداً وتقدير العقوبة من جديد.

ومن المهم التنبيه إلى أن المحكمة الاتحادية العليا لم تفصل في موضوع الاتهام من جديد، ولم تقضِ ببراءة المحكوم عليها، وإنما نقضت الحكم بسبب مخالفة القواعد المنظمة لسلطة محكمة الاستئناف في تعديل العقوبة.

الفائدة القانونية من الحكم

تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده أن حق الاستئناف ليس مجرد وسيلة لمراجعة الحكم، بل تحكمه ضمانات إجرائية تمنع أن يتحول الطعن الذي يقدمه المحكوم عليه إلى سبب لتشديد مركزه القانوني.

ويترتب على ذلك ضرورة التمييز بين حالتين:

  • إذا كان الاستئناف مرفوعاً من المحكوم عليه وحده، فلا يجوز تعديل الحكم بما يضره، ويكون التعديل في مصلحته.

  • أما إذا كان الاستئناف مرفوعاً من النيابة العامة، فلا تنطبق الحماية المقررة في المادة 241 بالصورة ذاتها، ويكون نطاق نظر الاستئناف خاضعاً للقواعد القانونية المنظمة لذلك.

كما يبرز الحكم أهمية فحص صفة الطرف الذي رفع الاستئناف قبل بحث مدى سلطة المحكمة في تعديل العقوبة، لأن ذلك قد يكون حاسماً في تحديد ما إذا كان الحكم الاستئنافي قد التزم حدود القانون.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المحكوم عليه الذي يستأنف الحكم وحده لا يجوز أن يتضرر من استئنافه، ولا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تستبدل بالعقوبة أو التدبير المحكوم به جزاءً أشد بما يضر بمركزه القانوني.

ولما كانت محكمة الاستئناف قد ألغت تدبير الخدمة المجتمعية وقضت بالغرامة رغم أن الاستئناف كان مرفوعاً من المحكوم عليها وحدها، قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم وإحالته لتقدير العقوبة من جديد.

المبدأ المستفاد: لا يجوز تشديد الجزاء على المحكوم عليه إذا كان هو وحده من رفع الاستئناف دون النيابة العامة، عملاً بمبدأ عدم مضارة الطاعن بطعنه والمادة 241 من قانون الإجراءات الجزائية.

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

المصدر: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 691 لسنة 2026 جزائي، جلسة 14 يوليو 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 691 لسنة 2026 جزائي Docx

Word – 58.4 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.