هل يكفي أن ترد جريمتان ضمن الفصل التشريعي نفسه حتى تخضعا للأحكام القانونية ذاتها؟ وهل يجوز اعتبار استعمال المركبة دون إذن مالكها من جرائم السرقة، وبالتالي اشتراط تقديم شكوى من المالك لتحريك الدعوى الجزائية؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
مقدمة
هل يكفي أن ترد جريمتان ضمن الفصل التشريعي نفسه حتى تخضعا للأحكام القانونية ذاتها؟ وهل يجوز اعتبار استعمال المركبة دون إذن مالكها من جرائم السرقة، وبالتالي اشتراط تقديم شكوى من المالك لتحريك الدعوى الجزائية؟
هذه المسألة كانت محل نظر المحكمة الاتحادية العليا، التي أصدرت حكماً مهماً أكدت فيه أن التشابه في الموقع التشريعي لا يعني تطابق الطبيعة القانونية للجرائم أو إخضاعها للأحكام الإجرائية ذاتها، وأن التوسع في تفسير النصوص الجزائية بطريق القياس أمر غير جائز.
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى، وفقاً لما ورد بالحكم، في إحالة النيابة العامة حدثاً يبلغ من العمر ستة عشر عاماً إلى المحاكمة الجزائية، على خلفية اتهامه بارتكاب ثلاث وقائع:
الأولى: قيادة مركبة على الطريق دون أن يكون حاصلاً على رخصة قيادة.
الثانية: استعمال مركبة دون إذن أو موافقة مالكها، وكانت المركبة مملوكة لوالده.
الثالثة: إتلاف مركبتين وتعطيلهما.
وطلبت النيابة العامة معاقبته وفقاً للأحكام القانونية الواردة في قانون الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح، وقانون السير والمرور، والمرسوم بقانون اتحادي بشأن الجرائم والعقوبات.
ثانياً: الإجراءات القضائية
قضت محكمة أول درجة بتاريخ 25 فبراير 2026 بعدم جواز رفع الدعوى الجزائية عن التهمة الثانية المتعلقة باستعمال المركبة دون إذن مالكها، بينما قضت بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة شهر عن التهمتين الأولى والثالثة، وأمرت بوضع نظام المراقبة الإلكترونية.
وأسست المحكمة قضاءها بعدم جواز رفع الدعوى عن التهمة الثانية على اعتبار أن الواقعة تدخل ضمن جرائم السرقة بين الأصول، وأن مالك المركبة هو والد المتهم، بما يستلزم تقديم شكوى منه.
لم ترتضِ النيابة العامة هذا القضاء، فطعنت عليه بالاستئناف، إلا أن المحكمة الاتحادية الاستئنافية قضت بتاريخ 14 أبريل 2026 برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف.
وعلى إثر ذلك، أقامت النيابة العامة طعنها أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً على الحكم الخطأ في تطبيق القانون وتأويله، تأسيساً على أن جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها تختلف في أركانها عن جريمة السرقة، ولا يجوز إخضاعها لأحكامها بطريق القياس.
ثالثاً: الإشكالية القانونية
تتمحور الإشكالية القانونية حول مدى جواز إخضاع جريمة استعمال مركبة دون إذن مالكها للأحكام الخاصة بجرائم السرقة التي تتطلب شكوى، لمجرد ورود الجريمتين ضمن الفصل نفسه من قانون العقوبات.
وبعبارة أخرى:
هل يجوز للمحكمة أن تتوسع في تفسير النصوص المتعلقة بالجرائم التي تتطلب شكوى، فتضيف إليها جريمة لم ينص المشرّع على اشتراط الشكوى لتحريك الدعوى بشأنها؟
رابعاً: الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة
استندت المحكمة الاتحادية العليا في قضائها إلى مبدأ التفسير الضيق للنصوص الجزائية، مؤكدة أن الأصل هو عدم تحميل عبارات النص الجنائي أكثر مما تحتمل، وأنه متى كانت عبارة القانون واضحة الدلالة على مراد المشرّع، وجب قصر تطبيقها على مدلولها الصريح، دون القياس عليها أو الانحراف بمعناها.
كما استندت إلى المادة (11) من قانون الإجراءات الجزائية، التي حددت الحالات التي تُرفع فيها الدعوى الجزائية بناءً على شكوى من المجني عليه أو من يقوم مقامه أو من وكيله الخاص، وقررت أن هذه الحالات وردت على سبيل الحصر.
واستندت كذلك إلى المادة (17) من القانون ذاته، بشأن انقضاء الدعوى الجزائية بالتنازل ممن له الحق في تقديم الشكوى.
ومؤدى ذلك أن اشتراط الشكوى لتحريك الدعوى الجزائية لا يجوز التوسع فيه ليشمل جرائم أخرى لم يقرر المشرّع هذا الشرط بشأنها.
خامساً: حيثيات المحكمة وأسباب النقض
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها تقوم على أركان خاصة ومستقلة عن جريمة السرقة، وأن ورود الجريمتين ضمن الفصل نفسه من قانون العقوبات لا يعني إخضاعهما للأحكام القانونية ذاتها.
واعتبرت أن ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من اعتبار جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها من جرائم السرقة، وإخضاعها لشرط تقديم الشكوى من والد المتهم، يمثل قياساً لا تحتمله عبارات المادة (11) من قانون الإجراءات الجزائية.
وأكدت المحكمة أن المشرّع حدد الجرائم التي يتطلب تحريك الدعوى بشأنها تقديم شكوى على سبيل الحصر، وأن جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها لم ترد ضمن تلك الجرائم، كما لم يشترط المشرّع لتحريك الدعوى عنها الحصول على إذن خاص.
ومن ثم، فإن اعتبار شكوى مالك المركبة شرطاً لجواز رفع الدعوى في هذه الحالة يُعد إضافة لقيد إجرائي لم ينص عليه القانون.
وانتهت المحكمة إلى أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون، الأمر الذي يوجب نقضه والإحالة.
سادساً: منطوق الحكم
قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة، تأسيساً على الخطأ في تطبيق القانون عند القضاء بعدم جواز رفع الدعوى الجزائية عن تهمة استعمال المركبة دون إذن مالكها لعدم تقديم شكوى من والد المتهم.
ويُلاحظ أن المحكمة لم تفصل في ثبوت التهمة أو نفيها، ولم تقضِ ببراءة المتهم أو إدانته من جديد، وإنما نقضت الحكم وأحالت الدعوى لإعادة نظرها وفقاً لما قررته من مبدأ قانوني.
سابعاً: المبدأ القانوني المستخلص من الحكم
يمكن استخلاص المبدأ القانوني الآتي:
جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها جريمة مستقلة عن جريمة السرقة، ولا يجوز إخضاعها للأحكام الإجرائية الخاصة بالجرائم التي تتطلب شكوى بطريق القياس، ولو وردت الجريمتان ضمن الفصل التشريعي نفسه، باعتبار أن حالات اشتراط الشكوى لتحريك الدعوى الجزائية محددة على سبيل الحصر.
ثامناً: التحليل والتعليق القانوني
تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده أن التكييف القانوني للجريمة لا يستمد من موقعها ضمن التقسيم التشريعي فحسب، وإنما يتحدد بالنظر إلى طبيعتها وأركانها والنصوص القانونية المنظمة لها.
فمجرد ورود جريمة استعمال المركبة دون إذن مالكها ضمن الفصل المتعلق بالجرائم الواقعة على المال، لا يبرر اعتبارها جريمة سرقة، ولا يسمح بنقل الأحكام الإجرائية المقررة لجريمة أخرى إليها.
كما أن الحكم يبرز أهمية الفصل بين الطبيعة الموضوعية للجريمة وشروط تحريك الدعوى الجزائية؛ فليس كل فعل يقع على مال الغير يخضع بالضرورة لشروط الشكوى المقررة لبعض الجرائم الواقعة على المال.
ومن الناحية الإجرائية، فإن حصر الجرائم التي تتطلب شكوى يمثل ضمانة مهمة لمبدأ الشرعية، ويمنع إنشاء قيود على سلطة تحريك الدعوى الجزائية دون سند تشريعي صريح.
وتتجلى القيمة العملية للحكم في أنه يضع حداً للتوسع في القياس بين الجرائم، ويؤكد ضرورة الوقوف عند الحدود التي رسمها المشرّع للنصوص الجزائية، دون إضافة أحكام أو شروط لم يتضمنها النص.
تاسعاً: الخلاصة
إن الحكم الصادر في الطعن رقم 405 لسنة 2026 جزائي يرسخ قاعدة مهمة في تفسير النصوص الجزائية، مفادها أن اختلاف الأركان القانونية للجرائم يستتبع اختلاف أحكامها، وأن ورود أكثر من جريمة ضمن الفصل التشريعي نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى وحدة أحكامها.
فلا يجوز التوسع في حالات اشتراط الشكوى، ولا يجوز افتراض هذا الشرط أو إلحاق جريمة بأخرى بطريق القياس.
ففي القانون الجزائي، ليست العبرة بمكان ورود النص، وإنما بمضمونه وأركانه والآثار القانونية التي رتبها المشرّع عليه.
بيانات الحكم:
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا – الدائرة الجزائية.
رقم الطعن: 405 لسنة 2026 جزائي.
تاريخ الجلسة: 6 أكتوبر 2026.
موضوع الطعن: جريمة استعمال مركبة دون إذن مالكها، ومدى اشتراط تقديم شكوى لتحريك الدعوى الجزائية.
النتيجة: نقض الحكم والإحالة.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments