يثبت مشروعية أمواله ويطلب خبيراً حسابياً في المنصات الرقمية فتُنقض إدانته بغسل الأموال – الطعن رقم 1369 لسنة 2025 جزائي

Published on October 20, 2026 at 1:48 PM

يُتهم بغسل الأموال بعد تحويلات تجاوزت 37 مليون درهم ويتمسك بمشروعيتها فتُنقض إدانته لإغفال طلب الخبرة – الطعن رقم 1369 لسنة 2025 جزائي

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

هل يجوز إدانة المتهم بجريمة غسل الأموال دون بحث دفاعه القائم على مشروعية مصدر الأموال وحركة التحويلات البنكية، رغم تقديمه مستندات تؤيد دفاعه وطلبه ندب خبير حسابي متخصص في المنصات الرقمية؟ وهل يؤدي إغفال المحكمة هذا الدفاع الجوهري إلى نقض الحكم للإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب؟

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع الدعوى في اتهام شخص بالاستيلاء على أموال عن طريق الاحتيال، وغسل الأموال الناتجة عن تلك الجريمة، إلى جانب اتهامات مرتبطة بالتعامل في الأصول الافتراضية وممارسة أنشطة مالية دون ترخيص.

ووفقاً لما ورد في الحكم، أسندت النيابة العامة إلى المتهم أنه بتاريخ 25 يناير 2024 استولى، بالاشتراك مع آخرين مجهولين، على مبلغ قدره 146,861 درهماً عائداً للمجني عليه، وذلك عن طريق إيهامه، عبر قناة على تطبيق تيليجرام، بأن القائمين عليها يمثلون شركة مرخصة ومتخصصة في إدارة وتداول الأصول المالية والعملات الافتراضية، وحمله على تسليم المبلغ بغرض الاستثمار.

كما أسندت إليه ارتكاب جريمة غسل الأموال، من خلال تحويل ونقل متحصلات مالية ناتجة عن الواقعة، بقصد إخفاء وتمويه مصدرها غير المشروع.

وشملت الاتهامات كذلك حيازة وإخفاء ونقل وتحويل أموال تجاوزت قيمتها 37 مليون درهم، قيل إنها ناتجة عن ممارسة أنشطة تبادل الأصول الافتراضية وتقديم خدمات وأنشطة مالية، مع وجود دلائل وقرائن، بحسب الاتهام، على عدم مشروعية مصدرها.

ووجهت إليه أيضاً اتهامات بالتوسط في التعامل على عملة رقمية عبر تطبيق تيليجرام دون ترخيص من الجهة المختصة، ومزاولة نشاط من أنشطة مزودي خدمات الأصول الافتراضية دون ترخيص أو قيد أو تسجيل لدى الجهات الرقابية المختصة.

وفي المقابل، تمسك المتهم بمشروعية الأموال محل الاتهام، وقدم مستندات تأييداً لدفاعه، وطلب ندب خبير حسابي متخصص لديه خبرة في المنصات الرقمية للتحقق من مصدر أمواله وحركة حساباته المصرفية.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت المحكمة الاتحادية الابتدائية بتاريخ 24 أبريل 2025 بتغريم المتهم مبلغ 250,000 درهم عن التهمتين الأولى والثالثة للارتباط، وتغريمه مبلغ 100,000 درهم عن التهمتين الثانية والخامسة للارتباط، وتغريمه مبلغ 200,000 درهم عن التهمة الرابعة، مع إبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة الأموال المضبوطة والمتحصلات والوسائط، وحذف المعلومات أو البيانات، وإغلاق الموقع المخالف متى أمكن ذلك، وفقاً لما ورد في منطوق الحكم.

فاستأنف المحكوم عليه الحكم بالاستئناف رقم 412 لسنة 2025، وقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 11 يونيو 2025 بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بتعديل العقوبات المالية، لتصبح الغرامة 100,000 درهم عن التهمتين الأولى والثالثة للارتباط، و50,000 درهم عن التهمتين الثانية والخامسة للارتباط، و100,000 درهم عن التهمة الرابعة، مع تأييد الحكم فيما قضى به بشأن الإبعاد والمصادرة والإغلاق.

ولم يرتضِ المحكوم عليه هذا القضاء، فطعن عليه بطريق النقض أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكاً بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال، بسبب إغفال دفاعه المتعلق بمشروعية الأموال وعدم الاستجابة لطلب ندب خبير حسابي.

ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — ما حدود سلطة محكمة الموضوع في استخلاص الحقيقة؟

قررت المحكمة الاتحادية العليا أن لمحكمة الموضوع الحق في تكوين اقتناعها من العناصر المعروضة عليها، واستخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى من خلال البحث والتحقيق وتقدير الأدلة.

غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل يشترط لصحة استخلاص المحكمة أن يكون سائغاً، وأن يستند إلى أدلة مقبولة لها أصل ثابت في الأوراق.

ومؤدى ذلك أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير الأدلة واستخلاص الوقائع، لكنها ملزمة بأن يكون استخلاصها قائماً على أساس صحيح، وأن تواجه الأدلة والطلبات والدفوع الجوهرية التي قد تؤثر في النتيجة التي تنتهي إليها.

وبالتالي، لا يكفي أن يستند الحكم إلى اقتناع المحكمة وحده إذا كان هذا الاقتناع قد تشكل دون تمحيص دفاع جوهري يمكن أن يغير وجه الرأي في الدعوى.

رابعاً: المسألة القانونية الثانية — متى يكون الدفاع جوهرياً ويجب على المحكمة الرد عليه؟

أكدت المحكمة أن الحكم يجب أن يتضمن ما يطمئن المطلع عليه إلى أن المحكمة قد محصت الأدلة المقدمة إليها، والطلبات والدفوع الجوهرية المبداة أمامها، وبذلت ما يلزم للوصول إلى الحقيقة في الدعوى.

كما قررت أن الدفاع الجوهري الذي قد يتغير ببحثه وجه الرأي في الاتهام يتعين على المحكمة أن تعرض له وأن ترد عليه رداً سائغاً ومسبباً.

فإذا أغفلت المحكمة بحث هذا الدفاع أو لم تواجهه بأسباب تكفي لحمله، كان حكمها معيباً بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في أن المحكمة ليست مطالبة بالرد على كل قول أو حجة يثيرها الخصوم، لكنها مطالبة بمواجهة الدفاع الذي يرتبط بعنصر أساسي من عناصر الجريمة، متى كان من شأن ثبوته التأثير في نتيجة الدعوى.

خامساً: المسألة القانونية الثالثة — هل يجب بحث مشروعية مصدر الأموال في جريمة غسل الأموال؟

تمسك الطاعن أمام درجتي التقاضي بمشروعية الأموال محل الاتهام، وطلب التحقق من مصدرها وحركة حساباته البنكية، مقدماً مستندات تؤيد دفاعه.

ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا الدفاع جوهري في خصوصية الدعوى، لارتباطه بأحد أركان جريمة غسل الأموال التي أدين بها الطاعن.

فإذا ثبتت مشروعية الأموال وفقاً لما يدعيه المتهم، فقد يؤثر ذلك في وجه الرأي في الاتهام، الأمر الذي يوجب على المحكمة بحث هذا الدفاع وتمحيص المستندات المقدمة بشأنه، ثم بيان موقفها منه بأسباب سائغة.

ولا يعني ذلك أن مجرد ادعاء مشروعية الأموال أو تقديم مستندات بشأنها يؤدي تلقائياً إلى انتفاء جريمة غسل الأموال، وإنما يعني أن هذا الدفاع لا يجوز إغفاله متى كان متعلقاً بأحد أركان الجريمة ومن شأنه التأثير في الفصل فيها.

سادساً: المسألة القانونية الرابعة — هل يُعد طلب ندب خبير حسابي متخصص في المنصات الرقمية طلباً جوهرياً؟

طلب الطاعن ندب خبير حسابي متخصص لديه خبرة في المنصات الرقمية، للتحقق من مشروعية مصدر أمواله وحركة حساباته المصرفية، وأكدت المحكمة أن هذا الطلب كان جوهرياً في ظروف الدعوى.

ويرجع ذلك إلى أن الفصل في النزاع استلزم بحث طبيعة الأموال والتحويلات محل الاتهام، ومدى اتصالها بالمصدر غير المشروع المنسوب إلى المتهم.

وكان من شأن الفحص الفني المتخصص، وفقاً لما أثاره الطاعن، أن يساعد في التحقق من الوقائع المالية التي يستند إليها دفاعه.

إلا أن الحكم المطعون فيه لم يتناول هذا الدفاع والطلب الجوهريين إيراداً ورداً، ولم يبين أسباباً سائغة تبرر إطراحهما.

وبناءً عليه، اعتبرت المحكمة أن إغفال طلب الخبرة، في ظل ارتباطه المباشر بأحد أركان الجريمة، يشكل قصوراً في التسبيب وإخلالاً بحق الدفاع.

المبدأ القانوني: إذا كان طلب الخبرة مرتبطاً بدفاع جوهري قد يؤثر في ثبوت أحد أركان الجريمة، وجب على المحكمة بحثه والرد عليه بأسباب سائغة، ولا يجوز إغفاله دون تمحيص.

سابعاً: حكم المحكمة الاتحادية العليا

قضت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 1369 لسنة 2025 جزائي، بجلسة 31 ديسمبر 2025، بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، ورد مبلغ التأمين، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.

واستندت المحكمة إلى أن الطاعن تمسك بمشروعية الأموال محل الاتهام، وقدم مستندات تؤيد دفاعه، وطلب ندب خبير حسابي متخصص للتحقق من مصدر الأموال وحركة الحسابات البنكية، إلا أن المحكمة المطعون في حكمها لم تبحث هذا الدفاع والطلب الجوهريين ولم ترد عليهما رداً مسبباً.

ولما كان هذا الدفاع متعلقاً بأحد أركان جريمة غسل الأموال، وكان من شأن ثبوته أن يغير وجه الرأي في الدعوى، فقد انتهت المحكمة إلى أن إغفاله يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

ويجب التنبيه إلى أن نقض الحكم مع الإحالة لا يعني صدور حكم بالبراءة أو ثبوت مشروعية الأموال بصورة نهائية، وإنما يعني وجوب إعادة نظر الدعوى وفقاً لما قررته المحكمة الاتحادية العليا.

ثامناً: الفائدة القانونية للمحامين والمتقاضين

يؤكد الحكم أهمية بناء الدفاع في قضايا غسل الأموال على مناقشة مصدر الأموال وحركة التحويلات والأدلة المالية والفنية المرتبطة بها، وعدم الاقتصار على إنكار الاتهام بصورة عامة.

فعند التمسك بمشروعية الأموال، ينبغي تحديد العمليات المالية محل النزاع، وتقديم المستندات المتاحة بشأن مصدر الأموال ومسار انتقالها، وبيان وجه ارتباطها بعناصر الاتهام.

كما ينبغي صياغة طلب الخبرة الحسابية بصورة محددة، مع توضيح المسائل الفنية المطلوب فحصها، ومدى تأثير نتائج الخبرة في إثبات أو نفي الوقائع المالية محل النزاع.

ومن جهة أخرى، يوجب الحكم على المحكمة أن تواجه الدفاع الجوهري الذي قد يغير وجه الرأي في الدعوى، وأن تبين أسباب قبولها له أو رفضها إياه، بدلاً من إغفاله دون مناقشة.

وتزداد أهمية ذلك في القضايا التي تتداخل فيها التحويلات المصرفية مع المنصات الرقمية والأصول الافتراضية، حيث قد يتطلب فهم حركة الأموال فحصاً فنياً ومحاسبياً متخصصاً.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة واستخلاص الحقيقة مشروطة بأن يكون استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أدلة لها أصل ثابت في الأوراق.

كما قررت أن الدفاع المتعلق بمشروعية مصدر الأموال، وطلب ندب خبير حسابي متخصص في المنصات الرقمية، كانا دفاعاً وطلباً جوهريين في الدعوى محل الطعن، لارتباطهما بأحد أركان جريمة غسل الأموال.

ولما أغفل الحكم المطعون فيه بحثهما والرد عليهما بأسباب سائغة، قضت المحكمة بنقضه مع الإحالة ورد مبلغ التأمين.

وتتمثل القيمة العملية للحكم في تأكيد أن إدانة المتهم لا تعفي المحكمة من بحث دفاع جوهري مدعوم بالمستندات، متى كان من شأنه التأثير في ثبوت الجريمة أو أحد أركانها.

بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا — الطعن رقم 1369 لسنة 2025 جزائي — جلسة 31 ديسمبر 2025 — نقض الحكم مع الإحالة ورد مبلغ التأمين.

المصدر: الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا، وفقاً للمستند محل الدراسة.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 1369 لسنة 2025 جزائي Docx

Word – 51.2 KB 5 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.