يُزوّر جواز سفر وتصريح إقامة للتهرب من قانون دخول وإقامة الأجانب.. فهل يمنع القانون المحكمة من استعمال الرأفة؟ – الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
السؤال الإشكالي
هل يجوز للمحكمة استعمال الرأفة والنزول بالعقوبة إلى ما دون الحد المقرر قانوناً في جرائم دخول وإقامة الأجانب، رغم النص على عدم سريان أحكام استبدال العقوبة على هذه الجرائم؟ وهل يُعد تخفيف العقوبة بسبب الظروف المخففة نوعاً من استبدال العقوبة المحظور قانوناً، أم أن لكل منهما طبيعة قانونية مستقلة؟
أولاً: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى في أن النيابة العامة أسندت إلى المتهم، الذي لم تُذكر هويته في النسخة المنشورة من الحكم، ارتكاب مجموعة من الجرائم المرتبطة بتزوير جواز سفر وتصريح إقامة، بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب.
ووفقاً لما ورد في الحكم، اتفق المتهم مع شخص مجهول على تزوير جواز سفر رسمي، وزوده ببياناته وصورته الشخصية باسم آخر، بقصد استعمال الجواز المزور باعتباره محرراً صحيحاً.
كما أُسند إليه الاشتراك بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية في تزوير محرر رسمي متعلق بتأشيرة دخول لمدة 90 يوماً، وذلك من خلال تقديم جواز السفر المزور إلى الموظف المختص، فصدر تصريح الإقامة استناداً إليه.
وشملت الاتهامات أيضاً استعمال المحررات المزورة فيما زورت من أجله، وتقديم بيانات كاذبة إلى الموظف المختص، والدخول إلى الدولة بصورة غير مشروعة باستخدام محررات لا تجيز له الدخول.
وطلبت النيابة العامة معاقبته وفق أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، والمرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب.
ثانياً: الإجراءات القضائية
قضت محكمة استئناف أبوظبي الاتحادية بتاريخ 19 نوفمبر 2025 حضورياً بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة ستة أشهر عن الجرائم المسندة إليه، وأمرت بإبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة، وإلزامه بالمصاريف القضائية.
ولم ترتضِ النيابة العامة بهذا الحكم، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، وتمسكت بالخطأ في تطبيق القانون.
وانصب اعتراض النيابة العامة على أن جريمة تزوير جواز السفر وتصريح الإقامة بقصد التهرب من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب، بوصفها الجريمة الأشد، تستوجب العقوبة المقررة قانوناً، وأن الحكم لا يجوز له النزول بالعقوبة إلى ستة أشهر استناداً إلى الظروف المخففة، بحسب ما ذهبت إليه النيابة في طعنها.
واستندت النيابة إلى المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 29 لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب، التي تحظر سريان أحكام وقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي الواردة في قانون العقوبات على العقوبات المقررة للجرائم المشمولة بالنص.
وكان السؤال الذي عرض على المحكمة الاتحادية العليا هو ما إذا كان هذا الحظر يمتد كذلك إلى سلطة المحكمة في استعمال الرأفة وتطبيق الظروف المخففة.
ثالثاً: المسألة القانونية الأولى — ما الفرق بين استبدال العقوبة وتخفيفها؟
قررت المحكمة الاتحادية العليا أن استبدال العقوبة يختلف في طبيعته القانونية عن تطبيق الظروف المخففة واستعمال الرأفة.
فاستبدال العقوبة يعني إحلال عقوبة أخرى محل العقوبة المحكوم بها، متى أجاز القانون ذلك. وقد يتحقق، بحسب الأحوال القانونية المقررة، باستبدال الحبس بالغرامة، أو بتدبير بديل، أو باستبدال الجزء المتبقي من مدة العقوبة بتدبير أخف عند توافر شروطه.
أما الظروف المخففة فهي أسباب أو ملابسات يقررها القانون أو تستخلصها المحكمة من وقائع الدعوى، وتؤدي إلى تخفيف العقوبة مع بقاء الجريمة ووصفها القانوني.
وتُعد الرأفة إحدى صور السلطة التقديرية المقررة للمحكمة بموجب المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، إذ يجوز لها النزول بالعقوبة عن الحد الأدنى المقرر قانوناً عند توافر الظروف المخففة التي تبرر ذلك، مع بقاء نوع العقوبة دون تغيير.
وبناءً على هذا التمييز، فإن تخفيف العقوبة لا يُعد بالضرورة استبدالاً لها؛ فالعبرة بالطبيعة القانونية للإجراء الذي اتخذته المحكمة، لا بمجرد كون العقوبة النهائية أقل شدة.
المبدأ القانوني: الحظر الوارد على استبدال العقوبة لا يمتد تلقائياً إلى سلطة المحكمة في استعمال الرأفة وتطبيق الظروف المخففة، لاختلاف الطبيعة القانونية لكل منهما.
رابعاً: المسألة القانونية الثانية — هل تحظر المادة (32) من قانون دخول وإقامة الأجانب استعمال الرأفة؟
نصت المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021 في شأن دخول وإقامة الأجانب على عدم سريان أحكام المواد الخاصة بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي الواردة في قانون العقوبات على العقوبات المقررة للجرائم المشمولة بالأحكام السابقة عليها.
وتمسكت النيابة العامة بأن هذا النص يمنع المحكمة من النزول بالعقوبة المقررة قانوناً عن الحد الذي يفرضه القانون.
غير أن المحكمة الاتحادية العليا فسرت النص في حدود المسائل التي تناولها، وقررت أن الحظر يتعلق بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي، ولا يشمل الظروف المخففة والرأفة المنصوص عليهما في قانون الجرائم والعقوبات.
وأوضحت المحكمة أن المشرع استخدم مفاهيم قانونية مختلفة، ولكل منها نطاقها وآثارها. ولا يجوز التوسع في تفسير حظر استبدال العقوبة بما يؤدي إلى تعطيل سلطة أخرى قررها القانون للمحكمة، ما دام النص لم يشملها.
واستندت المحكمة كذلك إلى أن المشرع نص صراحة في المادة (25) من قانون دخول وإقامة الأجانب على استثناء جرائم محددة من سريان أحكام الظروف المخففة الواردة في قانون العقوبات.
ورأت المحكمة أن هذا التنظيم يؤكد اختلاف الظروف المخففة عن استبدال العقوبة، إذ لو كان الحظر الوارد في المادة (32) يشمل الظروف المخففة أيضاً، لما كانت هناك حاجة إلى النص صراحة على استبعادها بالنسبة إلى الجرائم المحددة في المادة (25).
ومن ثم، خلصت المحكمة إلى أن المادة (32) لا تمنع المحكمة من استعمال الرأفة وفق المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات في الجرائم التي لا يشملها حظر خاص للظروف المخففة.
خامساً: المسألة القانونية الثالثة — ما دلالة المادة (25) من قانون دخول وإقامة الأجانب؟
استند الحكم إلى المادة (25) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021، التي تضمنت نصاً صريحاً باستثناء الجرائم المنصوص عليها فيها من سريان أحكام الظروف المخففة الواردة في قانون العقوبات.
واعتبرت المحكمة أن هذا النص له دلالة مهمة في تفسير المادة (32)، لأن المشرع عندما أراد منع تطبيق الظروف المخففة على جرائم محددة، نص على ذلك صراحة.
وبالتالي، لا يصح اعتبار كل حظر لاستبدال العقوبة حظراً شاملاً لتطبيق الظروف المخففة، بل يجب الرجوع إلى النص المنطبق وتحديد نطاقه بدقة.
وتكمن أهمية هذا التفسير في أنه يمنع الخلط بين أنظمة قانونية مختلفة، ويؤكد أن القيود الواردة على سلطة المحكمة يجب فهمها وفق ألفاظ النصوص وأهدافها، دون توسيع نطاقها إلى حالات لم يتناولها المشرع.
ومع ذلك، لا يعني الحكم أن الظروف المخففة يجوز تطبيقها على جميع جرائم دخول وإقامة الأجانب دون استثناء؛ إذ يجب التحقق مما إذا كانت الجريمة محل الدعوى من الجرائم التي استثناها القانون صراحة من الاستفادة من الظروف المخففة.
سادساً: المسألة القانونية الرابعة — كيف فسرت المحكمة اختلاف النصوص بين قانون العقوبات القديم والقانون الحالي؟
استعرضت المحكمة التنظيم السابق الوارد في المادة (36 مكرراً) من القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 1973 في شأن الهجرة والإقامة، الملغى، والذي كان يحيل إلى مواد محددة من قانون العقوبات السابق بشأن وقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي.
وأوضحت أن المواد المشار إليها في التنظيم السابق كانت تقابل أحكاماً محددة في المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، ولم تكن تتضمن المواد الخاصة بالظروف المخففة، ومنها المادة (99) المتعلقة بالرأفة.
واستخلصت المحكمة من هذا التطور التشريعي أن المشرع لم يقصد أن يمتد الحظر الوارد في المادة (32) إلى جميع صور تخفيف العقوبة، وإنما قصد الأحكام المتعلقة بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي.
كما ربطت المحكمة ذلك بتوجه السياسة العقابية الحديثة نحو الموازنة بين الردع والإصلاح والتأهيل، وتطوير الوسائل العقابية بما يتلاءم مع الظروف المتجددة واحترام حقوق الإنسان.
ويُظهر هذا الجانب من الحكم أهمية قراءة النصوص القانونية في سياقها التشريعي، ومراعاة الاختلاف بين المفاهيم القانونية وعدم مساواة الأنظمة التي تختلف في طبيعتها وآثارها.
سابعاً: المسألة القانونية الخامسة — هل طبقت محكمة الاستئناف الرأفة تطبيقاً صحيحاً في القضية؟
بعد أن قررت المحكمة الاتحادية العليا التمييز بين استبدال العقوبة والظروف المخففة، طبقت هذا المبدأ على الحكم المطعون فيه.
فقد ثبت من الحكم أن محكمة الاستئناف أدانت المتهم عن الجرائم المسندة إليه، وأعملت في حقه الظروف المخففة، وعاملته بالرأفة استناداً إلى المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، وقضت بحبسه ستة أشهر، مع إبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة.
ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن ما قامت به محكمة الاستئناف يمثل تطبيقاً صحيحاً للقانون؛ لأن استعمال الرأفة لا يدخل في نطاق الحظر المتعلق باستبدال العقوبة الوارد في المادة (32) من قانون دخول وإقامة الأجانب.
وأكدت المحكمة أن النعي الموجه من النيابة العامة إلى الحكم في هذا الخصوص لا يقوم على أساس صحيح، لأن الحكم لم يستبدل العقوبة بعقوبة أخرى على النحو المحظور، وإنما استعمل سلطة الرأفة المقررة قانوناً.
ثامناً: حكم المحكمة الاتحادية العليا
قضت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي، بجلسة الأربعاء الموافق 18 فبراير 2026، برفض الطعن موضوعاً.
وأكدت أن المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021 تحظر تطبيق أحكام وقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي على العقوبات المقررة للجرائم المشمولة بها، لكنها لا تمنع تطبيق الظروف المخففة والرأفة المقررة في المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات، ما لم يوجد نص خاص يستبعدها.
واعتبرت المحكمة أن الحكم المطعون فيه طبق القانون تطبيقاً صحيحاً عندما قضى بحبس المتهم ستة أشهر، مع إبعاده عن الدولة بعد تنفيذ العقوبة، ومصادرة المحررات المزورة المضبوطة.
وبذلك بقي الحكم الصادر عن محكمة استئناف أبوظبي الاتحادية قائماً، ورفضت المحكمة الاتحادية العليا طعن النيابة العامة.
تاسعاً: الفائدة القانونية للمحامين والمتقاضين
يقدم الحكم قاعدة مهمة عند إعداد الدفاع في القضايا الجزائية التي تتعلق بجرائم دخول وإقامة الأجانب، خصوصاً عند بحث إمكانية طلب استعمال الرأفة أو تطبيق الظروف المخففة.
فلا يكفي الاستناد إلى النص الذي يحظر استبدال العقوبة للقول بعدم جواز تخفيفها، بل يجب تحديد طبيعة الطلب بدقة: هل يتعلق بتغيير نوع العقوبة إلى عقوبة أخرى، أم بطلب النزول بالعقوبة في إطار الظروف المخففة والرأفة؟
كما ينبغي فحص النصوص الخاصة بالجريمة محل الاتهام، لأن المشرع قد يستبعد بعض الجرائم صراحة من تطبيق الظروف المخففة، كما ورد في المادة (25) من قانون دخول وإقامة الأجانب.
ومن الناحية العملية، يتعين أن يستند طلب الرأفة إلى وقائع وظروف محددة في الدعوى، وأن يوضح للمحكمة الأساس القانوني الذي يسمح بتطبيق الظروف المخففة، مع مراعاة حدود السلطة التقديرية المقررة لها.
ويؤكد الحكم أيضاً أهمية تفسير النصوص الجزائية تفسيراً دقيقاً، وعدم التوسع في نطاق الحظر القانوني بما يتجاوز مدلوله.
الخلاصة
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن الحظر الوارد في المادة (32) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (29) لسنة 2021 بشأن دخول وإقامة الأجانب، والمتعلق بوقف التنفيذ واستبدال العقوبة والعفو القضائي، لا يمتد تلقائياً إلى تطبيق الظروف المخففة واستعمال الرأفة المنصوص عليهما في المادة (99) من قانون الجرائم والعقوبات.
والسبب أن استبدال العقوبة يختلف في طبيعته القانونية عن تخفيفها مع بقاء نوعها، وأن المشرع نص صراحة في المادة (25) من قانون دخول وإقامة الأجانب على استبعاد الظروف المخففة بالنسبة إلى جرائم محددة.
وفي القضية محل الدراسة، اعتبرت المحكمة أن استعمال محكمة الاستئناف للرأفة وتخفيف العقوبة إلى الحبس لمدة ستة أشهر كان تطبيقاً صحيحاً للقانون، فقضت برفض طعن النيابة العامة.
وتتمثل القيمة العملية للحكم في ضرورة التمييز بين استبدال العقوبة والرأفة، والرجوع إلى النصوص الخاصة بكل جريمة لتحديد ما إذا كانت الظروف المخففة جائزة التطبيق أم مستبعدة بنص صريح.
بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا — الطعن رقم 251 لسنة 2025 جزائي — جلسة 18 فبراير 2026 — رفض الطعن موضوعاً.
المصدر: الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا، وفقاً للمستند محل الدراسة.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments