تُبطل إلغاء ترخيص مكتب استقدام العمالة المساعدة بسبب الغلو في العقوبة – الطعن رقم 12 لسنة 2026 إداري

Published on October 20, 2026 at 3:09 PM

هل يجوز للجهة الإدارية إلغاء ترخيص مكتب لاستقدام العمالة المساعدة بسبب تشغيل عمال دون تصاريح، أم يتعين عليها مراعاة التناسب بين جسامة المخالفة والجزاء الإداري الموقع؟

وهل تقتصر رقابة القضاء الإداري على التحقق من صحة الوقائع التي بُني عليها القرار الإداري، أم تمتد إلى مراقبة التناسب بين المخالفة والعقوبة إذا بلغ الجزاء حد الغلو وعدم الملاءمة الظاهرة؟

إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد

السؤال الإشكالي

أجابت المحكمة الاتحادية العليا عن هذه المسائل في الطعن رقم 12 لسنة 2026 إداري، مؤكدةً أن سلطة الإدارة في تقدير الجزاء ليست مطلقة، وأن توقيع أقصى العقوبات رغم إمكان الاكتفاء بجزاء أخف قد يجعل القرار مشوبًا بالغلو وغير متناسب مع المخالفة.

أولاً: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا لما أورده الحكم، في أن مركزًا لخدمات العمالة المساعدة أقام دعوى طالبًا وقف تنفيذ وإلغاء القرار الصادر بتاريخ 21 مارس 2025، والذي قضى بسحب ترخيص المركز وإلغاء رخصته التجارية، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أهمها إعادة تشغيل خدماته.

وأوضح المركز أنه يعمل في الدولة في مجال تقديم خدمات التوسط والتشغيل المؤقت للعمالة المساعدة، وأن القرار الإداري المطعون فيه استند إلى تحرير مخالفة بتاريخ 7 نوفمبر 2024 بسبب تشغيل 15 عاملًا دون تصاريح عمل، وفرض غرامة مالية قدرها 30,000 درهم، قام المركز بسدادها فورًا.

ورغم سداد الغرامة والتظلم من قرار سحب الترخيص وإلغائه، تمسّك المركز بحقه في الطعن على القرار، معتبرًا أن إلغاء الترخيص يمثل جزاءً غير متناسب مع المخالفة.

ثانياً: الإجراءات القضائية

قضت محكمة أول درجة، بجلسة 12 أغسطس 2025، بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب عليه من آثار.

إلا أن الحكم لم يلقَ قبولًا لدى الجهة الإدارية، فطُعن عليه بالاستئناف، وانتهت محكمة الاستئناف إلى إلغاء حكم أول درجة والقضاء مجددًا برفض الدعوى، وفقًا لما ورد في الحكم محل الدراسة.

ولما لم يرتضِ المركز هذا القضاء، طعن عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيًا على الحكم الخطأ في تطبيق القانون، لعدم مراعاة مبدأ التناسب عند توقيع العقوبة الإدارية.

ملاحظة توثيقية: ورد في نسخة الحكم تاريخ لحكم الاستئناف هو 29 يناير 2025، وهو تاريخ يسبق حكم أول درجة المؤرخ 12 أغسطس 2025. لذلك يُستحسن مراجعة النسخة الرسمية للتثبت من تاريخ حكم الاستئناف قبل نشر المقالة بصورتها النهائية.

ثالثاً: المسألة القانونية محل الفصل

تمحور النزاع حول مدى مشروعية إلغاء ترخيص مركز العمالة المساعدة بسبب تشغيل 15 عاملًا دون تصاريح عمل، ومدى تناسب هذا الجزاء مع المخالفة الثابتة.

ولم تنكر المحكمة وقوع المخالفة؛ بل بحثت ما إذا كان ثبوتها يبرر بالضرورة توقيع أقصى جزاء إداري، وهو إلغاء الترخيص، أم أن النصوص المنظمة تسمح بجزاء أخف يحقق الغرض التنظيمي دون تجاوز مبدأ التناسب.

رابعاً: الأساس القانوني لسلطة الإدارة في إلغاء الترخيص

استندت المحكمة إلى المادة (6) من قرار وزير الموارد البشرية والتوطين رقم (676) لسنة 2022 بشأن ترخيص وتنظيم عمل مكاتب استقدام العمالة المساعدة، التي تجيز للوزير أو من يفوضه إلغاء ترخيص المكتب عند عدم التزامه بالتعهدات أو الإقرارات المقدمة منه أو بالقرارات الصادرة عن الوزارة.

كما تناول الحكم أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (9) لسنة 2022 بشأن عمال الخدمة المساعدة، واللائحة التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (106) لسنة 2022، فيما يتعلق بوجوب الالتزام بشروط وإجراءات تشغيل العمالة المساعدة والحصول على تصاريح العمل اللازمة.

ومؤدى ذلك أن تشغيل العمال دون التصاريح المطلوبة يشكل مخالفة تتيح للجهة المختصة توقيع الجزاء المقرر قانونًا. غير أن ثبوت المخالفة لا يعفي الإدارة من مراعاة الضوابط التي تحكم اختيار الجزاء المناسب.

خامساً: رقابة القضاء الإداري على ركن السبب في القرار الإداري

قررت المحكمة أن رقابة القضاء الإداري على صحة الحالة الواقعية أو القانونية التي يقوم عليها القرار الإداري تتمثل في التحقق من أن النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصًا سائغًا من أصول مادية وقانونية موجودة.

فإذا استند القرار إلى وقائع غير موجودة، أو كانت الوقائع لا تؤدي قانونًا إلى النتيجة التي انتهت إليها الإدارة، كان القرار فاقدًا لركن السبب ومخالفًا للقانون.

أما إذا كانت النتيجة مستخلصة من أصول صحيحة تنتجها ماديًا وقانونيًا، فإن القرار يكون قائمًا على سببه من هذه الناحية.

وفي المقابل، أكدت المحكمة أن للإدارة سلطة تقدير أهمية الحالة والخطورة الناجمة عنها والتصرف الذي تتخذه بشأنها، مع بقاء هذه السلطة خاضعة لحدود المشروعية.

سادساً: مبدأ التناسب ومنع الغلو في العقوبة الإدارية

أوضحت المحكمة أن للسلطات التأديبية سلطة تقدير خطورة المخالفة الإدارية والجزاء الذي يناسبها، إلا أن مشروعية استعمال هذه السلطة تقتضي ألا يشوب تقديرها الغلو.

ومن صور الغلو، بحسب الحكم، وجود عدم ملاءمة ظاهرة بين درجة خطورة الذنب الإداري ونوع الجزاء ومقداره، بالنظر إلى الهدف الذي توخاه القانون.

فإذا بلغ الجزاء هذا الحد، خرج التقدير من نطاق المشروعية إلى نطاق عدم المشروعية، وأصبح خاضعًا لرقابة المحكمة.

وهكذا، فإن سلطة الإدارة في توقيع الجزاء لا تعني جواز اختيار أشد العقوبات في كل حالة تثبت فيها المخالفة، بل يتعين أن يكون الجزاء متناسبًا مع ظروفها وخطورتها، وفقًا للضوابط القانونية.

سابعاً: تطبيق المبدأ على وقائع الدعوى

ثبت للمحكمة أن المركز شغّل 15 عاملًا دون استخراج تصاريح عمل، كما أشار الحكم إلى أن 14 عاملًا مخالفًا هربوا أثناء طلب إبراز هوياتهم خلال التفتيش.

واعتبرت المحكمة أن هذه الوقائع تشكل مخالفة صريحة للأحكام المنظمة لتشغيل العمالة المساعدة، وتجيز للجهة الإدارية توقيع إحدى العقوبتين المنصوص عليهما في المادة (6) من قرار وزير الموارد البشرية والتوطين رقم (676) لسنة 2022، وهما الوقف المؤقت أو إلغاء الترخيص.

إلا أن المحكمة لاحظت أن الجهة الإدارية اختارت أقصى العقوبات، وهو إلغاء الترخيص، رغم أن التنظيم القانوني يجيز الاكتفاء بالوقف المؤقت.

كما خلت الأوراق، بحسب ما قرره الحكم، مما يفيد اعتياد المركز ارتكاب المخالفة أو سبق ارتكابه لها.

وبناءً على ذلك، خلصت المحكمة إلى أن إلغاء الترخيص في ظروف الدعوى يمثل جزاءً يتسم بالغلو وعدم التناسب مع المخالفة، وأن الحكم المطعون فيه، إذ أيد رفض الدعوى، يكون قد أخطأ في تطبيق القانون.

ثامناً: حكم المحكمة والنتيجة النهائية

انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى نقض الحكم المطعون فيه، ثم تصدت للفصل في الموضوع لصلاحيته للحكم فيه، استنادًا إلى المادة (186) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية.

وبالنظر إلى خلو الأوراق مما يفيد اعتياد المركز ارتكاب المخالفة، وإلى أن النص التنظيمي يجيز توقيع عقوبة الوقف المؤقت، قضت المحكمة بتعديل الحكم المستأنف على النحو الذي يترتب عليه إلغاء القرار المطعون فيه وتوقيع عقوبة الوقف المؤقت على المركز، مع ترك إعادة تقدير مدة الوقف للجهة الإدارية المختصة.

وبذلك لم تُلغِ المحكمة مسؤولية المركز عن المخالفة، وإنما راقبت تناسب الجزاء الموقع معها، وانتهت إلى استبعاد جزاء إلغاء الترخيص واستبداله بالوقف المؤقت.

تاسعاً: الفائدة القانونية من الحكم

تتمثل الفائدة القانونية للحكم في تأكيد عدد من المبادئ المهمة في مجال القضاء الإداري:

  1. ثبوت المخالفة لا يبرر تلقائيًا توقيع أقصى العقوبات: إذ يتعين على الإدارة اختيار الجزاء في حدود النصوص المنظمة وبما يتناسب مع خطورة المخالفة.

  2. الغلو في الجزاء يخرجه من نطاق المشروعية: إذا ظهرت عدم ملاءمة واضحة بين المخالفة ونوع العقوبة أو مقدارها، جاز للقضاء الإداري إخضاع هذا التقدير لرقابته.

  3. سلطة الإدارة التقديرية ليست مطلقة: فهي تمارس في إطار المشروعية، وتخضع للرقابة القضائية متى تجاوزت حدودها القانونية.

  4. للمحكمة التصدي للموضوع عند صلاحيته للفصل فيه: فلا يقتصر دورها في الحالة التي أجازها القانون على نقض الحكم، بل يجوز لها الفصل في الموضوع وفقًا للمادة (186) من قانون الإجراءات المدنية.

  5. التدرج في الجزاء يحقق التوازن بين التنظيم وحماية الحقوق: فحيث يجيز التنظيم الوقف المؤقت وإلغاء الترخيص، ينبغي مراعاة ظروف المخالفة ومدى خطورتها قبل اختيار الجزاء الأشد.

الخلاصة

أكدت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 12 لسنة 2026 إداري أن مشروعية القرار الإداري لا تتوقف على ثبوت المخالفة فحسب، بل تمتد إلى مدى تناسب الجزاء مع خطورتها.

فمع ثبوت تشغيل 15 عاملًا دون تصاريح عمل، رأت المحكمة أن إلغاء الترخيص يمثل غلوًا وعدم تناسب في ظروف الدعوى، لا سيما مع خلو الأوراق مما يفيد اعتياد المخالفة، وانتهاء التنظيم القانوني إلى جواز توقيع الوقف المؤقت.

ويكرس الحكم مبدأً مهمًا في الرقابة على القرارات الإدارية: للإدارة سلطة تقدير الجزاء، لكن لا يجوز أن يتحول استعمال هذه السلطة إلى غلو يخل بمبدأ المشروعية والتناسب.

المرجع القضائي: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 12 لسنة 2026 إداري، جلسة 3 مارس 2026.


تنويه وإخلاء مسؤولية

هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،

لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،

ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.

ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.


...لتحميل الحكم كاملا  

الطعن رقم 12 لسنة 2026 إداري Docx

Word – 59.4 KB 6 downloads
Rating: 0 stars
0 votes

Add comment

Comments

There are no comments yet.