هل تسترد الزوجة الأموال التي ساهمت بها في بناء مسكن الأسرة؟ المحكمة الاتحادية العليا تؤكد استقلال الذمة المالية للزوجة
السؤال الإشكالي:
هل يحق للزوجة المطالبة باسترداد الأموال التي قدمتها لزوجها للمساهمة في بناء مسكن الأسرة قبل الطلاق؟ وهل يجوز للمحكمة رفض الدعوى دون بحث إقرار الزوج بالدين والأدلة الكتابية وتقرير الخبرة الذي يؤيد مطالبة الزوجة؟
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء التشريعات الإماراتية ومبادئ المحكمة الاتحادية العليا
أولاً: وقائع الدعوى
تعود وقائع القضية إلى زوجة أقامت دعوى ضد زوجها السابق، طالبت فيها باسترداد مبلغ قدره 500,000 درهم، قالت إنها قدمته له على سبيل القرض للمساهمة في بناء مسكن الأسرة قبل الطلاق.
واستندت الزوجة في مطالبتها إلى إقرار الزوج بالدين، والأدلة الكتابية المقدمة في الدعوى، إضافة إلى تقرير الخبرة الذي تناول العمليات الحسابية بين الطرفين.
وبعد نظر الدعوى وندب خبير، قضت المحكمة الابتدائية بتاريخ 29 سبتمبر 2025 بأحقية الزوجة في مبلغ قدره 242,475 درهماً، وألزمت الزوج برده إليها.
إلا أن الطرفين طعنا على الحكم بالاستئناف، فقضت محكمة الاستئناف بتاريخ 31 مارس 2026 بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً برفض دعوى الزوجة بحالتها.
لم تقبل الزوجة بهذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، متمسكة بأن الحكم أغفل إقرار الزوج بالدين والأدلة الكتابية وتقرير الخبرة، ولم يستجب لطلبها بإحالة الدعوى إلى التحقيق لبحث الوقائع المادية والقانونية التي تمسكت بها.
ثانياً: المسألة القانونية محل النزاع
تتمثل المسألة القانونية في مدى أحقية الزوجة في الرجوع على زوجها لاسترداد الأموال التي ساهمت بها في بناء مسكن الأسرة، ومدى التزام المحكمة ببحث الأدلة المقدمة لإثبات هذه المساهمة وطبيعتها المالية.
كما يثير الحكم مسألة إجرائية مهمة: هل يجوز للمحكمة رفض الدعوى بحالتها دون تمحيص دفاع جوهري مؤيد بإقرار بالدين وأدلة كتابية وتقرير خبرة، ودون بحث طلب إحالة الدعوى إلى التحقيق؟
ثالثاً: ماذا قررت المحكمة الاتحادية العليا؟
أكدت المحكمة الاتحادية العليا أن المادة (51) من قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 تقرر استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين عن الآخر.
وبموجب هذا النص، تكون الزوجة حرة في التصرف في أموالها، ولا يجوز للزوج التصرف في أموالها دون رضاها.
كما قررت المادة ذاتها أنه إذا شارك أحد الزوجين الآخر في تنمية مال أو بناء مسكن أو نحوه، كان له الرجوع على الطرف الآخر أو الورثة بنصيبه فيه.
ويؤسس هذا الحكم لمبدأ مهم، وهو أن العلاقة الزوجية لا تؤدي بذاتها إلى اندماج الذمم المالية للزوجين، ولا تفقد الزوجة حقها في المطالبة بحقوقها المالية لمجرد أن الأموال استُخدمت في بناء مسكن الأسرة.
لكن استرداد المبلغ المطالب به يظل مرتبطاً بما يثبت من طبيعة المساهمة ومقدارها وسببها، والأدلة المقدمة بشأنها، وفقاً لوقائع كل دعوى.
رابعاً: لماذا نقضت المحكمة الحكم؟
لم يكن سبب النقض مجرد اختلاف الزوجة مع النتيجة التي انتهت إليها محكمة الاستئناف، وإنما تمثل في إغفال بحث دفاع جوهري تمسكت به، تدعمه أدلة قالت إنها تؤكد ثبوت الدين ومقداره.
فقد تمسكت الزوجة بإقرار الزوج بالدين، وبالأدلة الكتابية وتقرير الخبرة، كما طلبت إحالة الدعوى إلى التحقيق لبحث الوقائع المادية والقانونية التي أثارتها.
إلا أن الحكم المطعون فيه قضى برفض الدعوى بحالتها، دون أن يبحث هذا الدفاع ويمحصه بالقدر اللازم.
ورأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا الإغفال يشكل قصوراً في التسبيب، ومخالفة للثابت بالأوراق، وإخلالاً بحق الدفاع؛ لأن الحكم القضائي يجب أن يكشف عن إحاطة المحكمة بواقع الدعوى وأدلتها، وأن يتضمن رداً كافياً وسائغاً على الدفاع الجوهري الذي قد يتغير به وجه الرأي في النزاع.
وأكدت المحكمة أن مجرد الاطمئنان إلى قرينة أو دليل لا يكفي إذا كان هذا الاطمئنان يتعارض مع أدلة أخرى مؤثرة لم تُبحث أو تُمحص.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة الاتحادية العليا بنقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة، دون حاجة إلى بحث باقي أسباب الطعن.
خامساً: ما الأثر القانوني للحكم؟
يترتب على الحكم نقض قضاء محكمة الاستئناف وإحالة الدعوى لاستكمال نظرها وفقاً لما يقتضيه حكم النقض.
ولا يعني ذلك أن المحكمة الاتحادية العليا قضت نهائياً باستحقاق الزوجة كامل مبلغ 500,000 درهم، أو أنها حسمت مقدار المبلغ الواجب رده إليها.
فالحكم قرر وجوب بحث دفاع الزوجة وأدلتها وعدم إغفالها، أما تحديد الحق المالي المستحق ومقداره فيبقى مرتبطاً بما تنتهي إليه المحكمة المختصة بعد نظر الدعوى وتمحيص الأدلة وفقاً للقانون.
وهذا التمييز مهم عند قراءة أحكام النقض؛ لأن نقض الحكم لعيب في التسبيب أو الإخلال بحق الدفاع لا يعني بالضرورة الفصل النهائي في أصل الحق المتنازع عليه.
سادساً: الفائدة القانونية من الحكم
تكمن أهمية هذا الحكم في تأكيده استقلال الذمة المالية للزوجة، وحقها في الرجوع على زوجها أو ورثته بنصيبها إذا ساهمت في تنمية مال أو بناء مسكن، وفقاً لشروط المادة (51) من قانون الأحوال الشخصية.
كما يبرز الحكم أهمية توثيق المساهمات المالية بين الزوجين والاحتفاظ بالمستندات التي تثبت مصدر الأموال وطبيعة تقديمها والغرض منها، سواء كانت قرضاً أو مساهمة في مال أو بناء مسكن.
ومن الناحية القضائية، يؤكد الحكم أن تقرير الخبرة والإقرار بالدين والأدلة الكتابية التي يتمسك بها الخصم لا يجوز إغفالها متى كانت مؤثرة في النزاع، بل يتعين على المحكمة بحثها والرد على الدفاع المتصل بها.
كذلك يوضح الحكم أن طلب إحالة الدعوى إلى التحقيق يجب أن يُنظر إليه في ضوء الوقائع المطلوب إثباتها ومدى إنتاجها في النزاع، وأن إغفال دفاع جوهري دون رد مقبول قد يؤدي إلى نقض الحكم.
الخلاصة القانونية: استقلال الذمة المالية للزوجة يتيح لها المطالبة بحقوقها المالية الناشئة عن مساهمتها في بناء مسكن الأسرة أو تنمية مال، وفقاً للمادة (51) من قانون الأحوال الشخصية. وإذا قدمت أدلة جوهرية على حقها، وجب على المحكمة بحثها والرد عليها بأسباب سائغة، وإلا تعرض حكمها للنقض بسبب القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.
بيانات الحكم
المحكمة: المحكمة الاتحادية العليا.
رقم الطعن: 233 لسنة 2026 أحوال شخصية.
تاريخ الجلسة: 3 يونيو 2026.
موضوع الطعن: استقلال الذمة المالية للزوجة، واسترداد الأموال المساهمة في بناء مسكن الأسرة، والقصور في التسبيب لإغفال الدفاع الجوهري.
النتيجة: نقض الحكم المطعون فيه مع الإحالة.
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments