استئناف الحكم الغيابي والمعارضة الجزائية في القانون الإماراتي: متى يقع الخطأ في حساب ميعاد الطعن وسبق الفصل في الدعوى؟
دراسة وتحليل الأحكام القضائية في ضوء حكم المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 278 لسنة 2026 جزائي
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
مقدمة
تُعد مواعيد الطعن في الأحكام الجزائية من المسائل الإجرائية التي يترتب على مراعاتها أو الإخلال بها أثر مباشر في قبول الطعن ونظر موضوعه. ولا تقتصر أهمية الإجراءات الجزائية على تحديد المواعيد القانونية، بل تمتد إلى التمييز بين طرق الطعن المختلفة، وتحديد الحكم الذي ينصب عليه كل طعن، والآثار التي تترتب على صدور حكم سابق في الدعوى.
وتبرز هذه المسائل بوضوح عند اجتماع الحكم الغيابي والمعارضة والاستئناف، خصوصًا إذا تداخلت إجراءات الطعن المرفوعة من النيابة العامة والمحكوم عليه.
وفي هذا السياق، تناولت المحكمة الاتحادية العليا في حكمها الصادر بجلسة 16 سبتمبر 2026، في الطعن رقم 278 لسنة 2026 جزائي، إشكاليتين إجرائيتين مهمتين؛ تتعلق الأولى بأثر الفصل في استئناف الحكم الغيابي على استئناف الحكم الصادر في المعارضة، بينما تتعلق الثانية بمدى صحة القضاء بعدم قبول استئناف المحكوم عليه شكلًا لرفعه بعد الميعاد، رغم ثبوت تقريره بالاستئناف من محبسه خلال المدة القانونية.
ويكشف الحكم عن أهمية التمييز بين الأحكام التي تمر بها الدعوى الجزائية، وعدم الخلط بين سبق الفصل في الاستئناف وبين وجوب وقف الفصل فيه، فضلًا عن ضرورة التحقق من تاريخ التقرير بالطعن قبل القضاء بعدم قبوله.
أولًا: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع الدعوى، وفقًا لما ورد في الحكم، في إحالة متهم إلى المحاكمة الجزائية عن اتهامات تتعلق بتعاطي مواد مخدرة ومؤثرات عقلية في غير الأحوال المرخص بها قانونًا، مع إسناد العود إليه للمرة الثالثة خلال آخر ثلاث سنوات.
وقضت المحكمة الابتدائية غيابيًا بحبس المتهم مدة سنة وتغريمه مبلغ 100,000 درهم.
ولم ترتضِ النيابة العامة هذا الحكم، فطعنت عليه بالاستئناف، وصدر حكم برفض استئنافها وتأييد الحكم المستأنف.
ثم عارض المحكوم عليه في الحكم الغيابي، فقُبلت المعارضة شكلًا ورُفضت موضوعًا، مع تأييد الحكم المعارض فيه.
وعقب ذلك، طعن كل من المحكوم عليه والنيابة العامة بالاستئناف على الحكم الصادر في المعارضة.
إلا أن محكمة الاستئناف قضت بعدم قبول استئناف المحكوم عليه شكلًا لرفعه بعد الميعاد، كما قضت بعدم جواز نظر استئناف النيابة العامة لسبق الفصل في الدعوى بالاستئناف السابق المرفوع عن الحكم الغيابي.
ولم ترتضِ النيابة العامة هذا القضاء، فطعنت عليه أمام المحكمة الاتحادية العليا، ناعيةً على الحكم مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه.
ثانيًا: الإشكالية القانونية الأولى — أثر استئناف الحكم الغيابي على استئناف الحكم الصادر في المعارضة
تتمثل الإشكالية الأولى في تحديد ما إذا كان صدور حكم في الاستئناف المرفوع عن الحكم الغيابي يمنع نظر الاستئناف اللاحق المرفوع عن الحكم الصادر في المعارضة.
فقد اعتبرت محكمة الاستئناف أن الدعوى سبق الفصل فيها بالاستئناف الأول، ورتبت على ذلك عدم جواز نظر استئناف النيابة العامة اللاحق.
غير أن هذا النظر لم يتفق مع ما قررته المحكمة الاتحادية العليا؛ إذ أوضحت أن الاستئناف الأول كان منصبًا على الحكم الغيابي، في حين أن الاستئناف اللاحق انصب على الحكم الصادر في المعارضة الابتدائية.
ومن ثم، فإن الفصل في الاستئناف الأول لا يحوز حجية تحول دون نظر استئناف النيابة العامة المرفوع عن الحكم الصادر في المعارضة، وفقًا للظروف الإجرائية التي تناولها الحكم.
وتكشف هذه المسألة عن ضرورة تحديد محل كل طعن على نحو دقيق؛ فمجرد وحدة الدعوى أو اتصال الإجراءات بعضها ببعض لا يكفي، في ذاته، لترتيب أثر سبق الفصل دون التحقق من الحكم الذي انصب عليه الطعن السابق والحكم محل الطعن اللاحق.
ما الإجراء الذي كان يتعين على المحكمة اتخاذه؟
قررت المحكمة الاتحادية العليا أنه كان يتعين وقف الفصل في استئناف النيابة العامة المرفوع عن الحكم الغيابي إلى حين الفصل في المعارضة الابتدائية وانقضاء ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها.
ويتمثل الهدف من هذا الإجراء في اتقاء صدور أحكام متعارضة، مع الحفاظ على الترتيب الإجرائي الصحيح للطعون المرتبطة بالحكم الغيابي والمعارضة المقدمة بشأنه.
وعليه، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في ترتيب الجلسات أو الإجراءات، وإنما تتصل بالأثر القانوني الذي يترتب على كل طريق من طرق الطعن، وبضرورة معالجة العلاقة بين الاستئنافين على النحو الذي يمنع التعارض بين الأحكام.
ثالثًا: الإشكالية القانونية الثانية — مدى صحة القضاء بعدم قبول الاستئناف لرفعه بعد الميعاد
تتعلق الإشكالية الثانية بمدى صحة القضاء بعدم قبول استئناف المحكوم عليه شكلًا لرفعه بعد الميعاد، رغم ثبوت تقريره بالاستئناف من محبسه خلال المدة القانونية.
فقد ثبت بالأوراق أن الحكم الصادر في المعارضة الابتدائية صدر بتاريخ 12 يناير 2026، وأن المحكوم عليه قرر بالاستئناف من محبسه بتاريخ 19 يناير 2026.
ومع ذلك، قضت محكمة الاستئناف بعدم قبول استئنافه شكلًا لرفعه بعد الميعاد.
وقد رأت المحكمة الاتحادية العليا أن هذا القضاء مخالف للقانون؛ لأن الثابت بالأوراق يؤكد أن المحكوم عليه قرر بالاستئناف خلال الميعاد المقرر قانونًا.
واستندت المحكمة في ذلك إلى المادة 234 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية، وخلصت إلى أن الاستئناف رُفع صحيحًا وفي الميعاد.
وتبرز أهمية هذه المسألة في أن قبول الطعن شكلًا يتطلب التحقق من تاريخ الحكم وتاريخ اتخاذ الإجراء المنشئ للطعن، والاستناد إلى ما تثبته الأوراق، بدلًا من الاكتفاء بالنتيجة التي انتهى إليها الحكم المطعون فيه بشأن فوات الميعاد.
كما يوضح الحكم أن وجود المحكوم عليه في محبسه لم يمنع الاعتداد بتقريره بالاستئناف متى ثبت حصوله خلال المدة القانونية.
رابعًا: التمييز بين سبق الفصل ووقف الفصل في الاستئناف
من أبرز المسائل التي يثيرها الحكم ضرورة التمييز بين القضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، وبين وقف الفصل في الاستئناف إلى حين تحقق أمر إجرائي لازم.
فسبق الفصل يتعلق بالأثر الذي يترتب على صدور حكم سابق تتوافر فيه شروط الحجية بالنسبة إلى المسألة المعروضة مجددًا.
أما وقف الفصل، فهو إجراء مؤقت تتوقف بموجبه المحكمة عن مواصلة نظر الطعن إلى حين الفصل في مسألة يتعين انتظار حسمها قبل المضي في الإجراءات.
وفي الحكم محل الدراسة، لم تعتبر المحكمة الاتحادية العليا أن الحكم الصادر في الاستئناف الأول يمنع نظر استئناف النيابة العامة اللاحق؛ بل قررت أن الإجراء الصحيح كان يقتضي وقف الفصل في الاستئناف المرفوع عن الحكم الغيابي حتى الفصل في المعارضة وانقضاء ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها.
ومن ثم، فإن الخلط بين الأثر النهائي للحكم السابق والإجراء المؤقت المتمثل في وقف الفصل قد يؤدي إلى القضاء بعدم جواز نظر طعن لا يمنعه القانون وفقًا للظروف المعروضة.
خامسًا: أسباب نقض الحكم المطعون فيه
انتهت المحكمة الاتحادية العليا إلى أن الحكم المطعون فيه خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وذلك لسببين رئيسيين.
السبب الأول هو القضاء بعدم جواز نظر استئناف النيابة العامة لسبق الفصل في الدعوى بالاستئناف السابق، رغم اختلاف الحكم الذي انصب عليه كل استئناف.
والسبب الثاني هو القضاء بعدم قبول استئناف المحكوم عليه شكلًا لرفعه بعد الميعاد، مع أن الأوراق أثبتت تقريره بالاستئناف من محبسه خلال المدة القانونية.
وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة.
ولا يعني النقض مع الإحالة صدور حكم ببراءة المتهم أو الفصل نهائيًا في موضوع الإدانة، وإنما يترتب عليه إعادة القضية إلى المحكمة المختصة لتفصل فيها مجددًا في ضوء ما قررته المحكمة الاتحادية العليا.
سادسًا: المبادئ القانونية المستخلصة من الحكم
يمكن استخلاص المبادئ الآتية من الحكم محل الدراسة:
المبدأ الأول: وجوب وقف الفصل في استئناف النيابة العامة المرفوع عن الحكم الغيابي إلى حين الفصل في المعارضة وانقضاء ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها، اتقاءً لصدور أحكام متعارضة.
المبدأ الثاني: لا يحوز الحكم الصادر في استئناف الحكم الغيابي حجية تحول دون نظر استئناف النيابة العامة المرفوع عن الحكم الصادر في المعارضة، وفقًا للوقائع والإجراءات التي تناولها الحكم.
المبدأ الثالث: يتعين الاعتداد بتاريخ التقرير بالاستئناف الثابت بالأوراق عند التحقق من مراعاة الميعاد القانوني، ولا يصح القضاء بعدم قبول الطعن شكلًا لرفعه بعد الميعاد إذا ثبت تقديمه في المدة المقررة.
المبدأ الرابع: الخطأ في تحديد الأثر الإجرائي للحكم السابق، أو الخطأ في حساب ميعاد الطعن، قد يشكل مخالفة للقانون وخطأً في تطبيقه وتأويله، بما يوجب نقض الحكم متى توافرت أسبابه.
سابعًا: الأهمية العملية للحكم في العمل القانوني
تظهر الأهمية العملية لهذا الحكم في ضرورة فحص التسلسل الإجرائي للدعوى الجزائية قبل إبداء الدفع بسبق الفصل أو بعدم قبول الاستئناف شكلًا.
فعند التعامل مع دعوى صدر فيها حكم غيابي ثم قُدمت معارضة عليه، ينبغي تحديد الحكم الذي استهدفه كل استئناف، وتاريخ صدوره، وتاريخ التقرير بالطعن، والإجراء الذي اتخذته المحكمة بشأن الطعون السابقة واللاحقة.
كما ينبغي التمييز بين الدفع بعدم قبول الاستئناف لرفعه بعد الميعاد، والدفع بعدم جواز نظره لسبق الفصل فيه، وطلب وقف الفصل في الاستئناف إلى حين الفصل في المعارضة وانقضاء ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها؛ إذ يختلف الأساس القانوني لكل منها، كما تختلف آثاره الإجرائية.
وتؤكد هذه الدراسة أن الدقة في تحديد الحكم محل الطعن وحساب مواعيده ليست مسألة شكلية هامشية، بل قد تكون حاسمة في سلامة القضاء الصادر في الدعوى الجزائية.
خاتمة
يؤكد حكم المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 278 لسنة 2026 جزائي أهمية الالتزام بالتسلسل الإجرائي للطعون الجزائية، والتمييز بين الحكم الغيابي والحكم الصادر في المعارضة، والتحقق من الميعاد القانوني للطعن وفقًا لما تثبته الأوراق.
كما يبرز الحكم ضرورة عدم الخلط بين سبق الفصل في الطعن وبين وجوب وقف الفصل فيه، متى كانت الإجراءات المرتبطة بالحكم الغيابي والمعارضة تستلزم انتظار الفصل في المعارضة وانقضاء ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها.
وتتمثل الخلاصة العملية في أن سلامة الإجراءات الجزائية تبدأ من تحديد الحكم محل الطعن بدقة، ثم التحقق من طريق الطعن وميعاده، وانتهاءً بترتيب الأثر القانوني الصحيح على الأحكام والإجراءات السابقة.
بيانات الحكم: المحكمة الاتحادية العليا، الطعن رقم 278 لسنة 2026 جزائي، جلسة 16 سبتمبر 2026.
المصدر: نسخة الحكم محل الدراسة.
المرجع التشريعي المشار إليه: المادة 234 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بشأن الإجراءات الجزائية. ويُرجع إلى النص التشريعي الرسمي وتعديلاته النافذة للتحقق من الصياغة القانونية المعمول بها وقت الاستناد إليه.
إعداد وتقديم: المحامية نادية خالد
نادية خالد للمحاماة والاستشارات القانونية
تنويه وإخلاء مسؤولية
هذه الدراسة من إعداد وتحليل المحامية نادية خالد،
لأغراض البحث والدراسة ونشر المعرفة القانونية والإفادة منها، دون أي غرض ربحي أو مادي، ولا تمثل موقفاً لأي جهة حكومية أو خاصة،
ولا تُعد استشارة قانونية بشأن واقعة فردية.
ويُرجع إلى المصادر الرسمية للتحقق من التشريعات النافذة وتعديلاتها.
Add comment
Comments